25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

دولة محصلة الصفر هي في المغرب نموذج لدولة القصور
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

فهرس المقال

أ) في البداية كانت الكلمة، وكانت الكلمة تعني شيئا.

لعل أنجع وسيلة أو مقاربة، لو كان ذلك يدخل في حيز الإمكان في معالجة مشكلة التواصل مع الآخرين هي البدء أو الشروع في محاولة أولية لتأسيس وترصيص خطاب إسلامي مميز، بخواص لاتنفك عنه حتى يمكن أن نصفه بنعت: "الإسلامي" دون غموض أو شبهة أو اعتراض من أحد، لتفادي اللبس في أي خطاب وبالأخص في الخطاب السياسي.

 

ولربما كنا قد حققنا مثل هذا الهدف من خلال ابتكارنا للغة سياسية اصطناعية على غرار اللغات البرمجية الحاسوبية المستعملة في الذكاء الاصطناعي التي لاتحتمل سوى دلالة واحدة. لكن هيهات ثم هيهات.

 

ومن حسن حظ المسلمين المعاصرين أن هذه إشكالية قديمة، كان قد عالجها الفقه الإسلامي في بواكير نشأته الأولى ليتطور إلى علم آلة قائم بذاته، لايمكن تجاوزه من طرف أي مشتغل بعلم أصول الفقه حسب المعارف اللغوية المتاحة آنذاك بنجاحات وإخفاقات متفاوتة. وهي مقاربة تاريخية كانت ناجحة وناجعة يومها، إلاّ أن الجمود الفكري والتصدع المجتمعي والانحطاط السياسي الذي حل بديار المسلمين ومن دون مشورة منهم، جعل الكثير من تلك المقاربات إما متجاوزة أو بحاجة إلى إعادة نظر ومراجعة أو إلى تجديد على ضوء ما جدّ من أبحاث في معالجة النصوص عامة وعلم الألسنيات خاصة.

 

لكن دون الوقوع في براثين أغلال التبعية التي مافتىء الكثير من الذباب والفيروسات الثقافية يقعون في شراكها، إما أبواقا باحة في الدعاية لثقافات زيف وبهرجة لن يأتي منها خير أبدا، وإما كرجع صدى لمقولات خارج بيئتها وتعمل عندنا فقط عمل الصناديق الرنانة التي ينتهي مفعولها بزوال المؤثر عند المصدر، كموضة أو تقليعة طارئة وزائلة.

 

وضمن هذا السياق كتوازي منطقي يحدث في كل لغة، فإشكالية تعدد المعاني كانت قد شغلت فلاسفة الغرب أيضا لفترة ماشغلت علماء أصول الفقه عندنا. عندما اكتشف متأخروهم مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أن كل النقائض المنطقية التي صاحبت الخطاب الفلسفي الغربي، منذ سقراط وإلى زمنهم، كانت تؤول دائما إلى إشكالات أو أمراض في اللغة. لذلك اشتغل بعضهم باللغة لفترة حتى تحول البحث الفلسفي كله مع المدة إلى مباحث صرفة في اللغة! بل لم يبق أحد في الغرب اليوم مع مطلع القرن الحادي والعشرين من يشغل نفسه بمثل هذه التخرصات إلا أن يكون مهوسا في المطلق، أو ممن يعيش خارج عصره. إذ اكتشف الكل أن إضاعة الأعمار في تلك المتاهات لم يعد يحتمله العصر، ولا يتحصل للمرء من ورائه طائل، اللهم من بقايا ورثة، كما يحدث في كل معرفة تظل تحافظ على التراثية من باب التوثيق، كسدنة وكهنة معرفة، ضمن سياق متطلبات دروس التعليم خاصة كما عندنا في المغرب ممن تخرجوا في مثل هذه التراثية الغربية أو الشرقية سواء، في الستينيات من القرن العشرين وما بعدها دون أن تتاح لهم بحكم التنشأة والتكوين خيارات أخرى من باب مرغم أخاك لابطل، فظلوا عاكفين على مااجترعوا من هذه التراثية، يترجمون بعض موضوعاتها ومواضعاتها التي عف عليها الدهر وأكل وشرب. نتفا من هنا وشذرات من هناك، على شكل كراسات ووريقات مجتثة السياق كحوامل لايجمع بينها جامع سوى ما كان من باب الإسهال الوظيفي بخيانتين متلازمتين: خيانة القصد وخيانة الترجمة، ليبيعوها لطلبتهم المساكين، النكدي الحظ والطالع، بوقوعهم طرائد صيد بين أيديهم كفروض ملزمة من أجل الحصول على الشهادة التي لم تعد تغني من وظيف، أو الفوز في الامتحانات التي لن تفضي بهم إلى شىء في آخر المطاف، رغم تحملهم لكل هذا العسف وهذا الكبت، مشوشين بها على عقولهم وذكائهم الفطري. لذلك، قد لانعجب أن يطلع علينا بين فينة وأخرى مبشرون في تيه صحراء هذه التراثية. يكررون دون كلل أو ملل بإحلال الفلسفة بدل التربية الإسلامية في المدارس الثانوية المغربية بغية تضليل وتعتيم! هذه العقول الفتية البريئة الناشئة ضمن الهندسة المجتمعية العامة، المتبناه من طرف الدولة كإطار "أنموذجي" أو البرادايم" (Paradigm) لفلسفتها الخاصة في حكم المجتمع من خلال منظور ما يمكن أن نصطلح على تسميته "دولة محصِّلة الصفر".

 

فما تكون خصائص هذا "الأنموذج"؟.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق