09
الثلاثاء, حزيران
0 مواد جديدة

دولة محصلة الصفر هي في المغرب نموذج لدولة القصور
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

فهرس المقال

حوار مع جريدة النبأ المغربية

العدد 31 ربيع الأول 1422هـ الموافق يونيو 2001م

 

بداية نرحب بالدكتور محمد عمراني على صفحات جريدة النبأ ولنبدأ حوارنا من المشهد الفكري والسياسي الذي يعرف تفاعلات خطيرة تصب في دائرة تصفية العنصر الديني وعزله وتهميشه، من خلال "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" "ميثاق التربية والتكوين" الشيء الذي يعزز ويقوي مشروع العلمنة الذي تقوده حكومة التناوب الممنوح.
دكتور كيف تفسرون هذا الأمر؟
Image
الدكتور العمراني مع مدير جريدة النبأ

 

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. أشكر لكم ولجريدتكم، بادئ ذي بدء هذه الالتفاتة، تيمنا بأن [لكل نبأ مستقر] كما هو شعار منبركم، ثم لأغتنم هذه الفرصة للتنويه بمبادرتكم وبأية مبادرة تدعوا إلى الحوار والتواصل مع الآخرين، وتكرس العمل على مقتضاهما، سعيا وراء إغناء الحوار السياسي والاجتماعي، وتمتين أواصر التواصل الفكري بين مكونات المجتمع ككل. هذا من جهة، ثم من جهة أخرى، تنمية رصيدنا التاريخي الهزيل من مثل هذه الممارسة، وكذلك حتى يكون لمبدأ التدافع الإيجابي المؤطر بـ"أدب إدارة الاختلاف" مع المخالفين ضمن كليات ومقاصد الشريعة الإسلامية المحكومة بنص صريح ومحكم: [ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم] تنزيلها العملي على أرض الواقع، وليس من باب الوعضيات فحسب. إذ الإسلام أولا وقبل كل شئ إيمان وعمل، ووعي وممارسة.

 

وما دام حق الاختلاف وحق الاختيار مبدأن قبليان في عرف الإسلام، مكونات للوجود، وللكينونة الذاتية وللحرية الفردية في المطلق: [ونرثه ما يقول ويأتينا فردا] [وكلهم آتيه يوم القيامة فردا] [ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة] [ولا تكسب نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى] وبالتالي لا يخضعان بحال لمنطق الإقصاء، فمد الجسور والقناطر إلى جزر أولئك الذين لايشاركون أصحاب التوجه الإسلامي نظرتهم إلى السياسة أو الاجتماع، أو غيرهما من أمور إدارة الشأن العام، مطلب شرعي في إدارة أي مجتمع متنوع ومتعدد، حال ما نصادف اليوم في المجتمعات المعاصرة.

 

لذلك، وفي إطار توضيح الأفكار بصفة عامة، وكتوطئة إرشادية بصفة خاصة، سوف أبدأ من حيث انتهيتم من شطر سؤالكم، أي من العربة وليس من الحصان، لأشير فقط، إلى ما يتخفى عادة وراء الخطاب السياسي المغربي، من مسكوت عنه، أو مضمر، أو إقصاء، سواء أكان عرضيا أو مقصودا لذاته. ثم أعرج تبعا على باقي القضايا المثارة في سؤالكم، مرتبا إياها حسب إيرادكم لها:

 

  1. مطلب خطة تصفية العنصر الديني وعزله وتهميشه
  2.  مطلب الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية
  3.  مطلب ميثاق التربية والتكوين
  4.  مطلب مشروع العلمنة

أ) في البداية كانت الكلمة، وكانت الكلمة تعني شيئا.

لعل أنجع وسيلة أو مقاربة، لو كان ذلك يدخل في حيز الإمكان في معالجة مشكلة التواصل مع الآخرين هي البدء أو الشروع في محاولة أولية لتأسيس وترصيص خطاب إسلامي مميز، بخواص لاتنفك عنه حتى يمكن أن نصفه بنعت: "الإسلامي" دون غموض أو شبهة أو اعتراض من أحد، لتفادي اللبس في أي خطاب وبالأخص في الخطاب السياسي.

 

ولربما كنا قد حققنا مثل هذا الهدف من خلال ابتكارنا للغة سياسية اصطناعية على غرار اللغات البرمجية الحاسوبية المستعملة في الذكاء الاصطناعي التي لاتحتمل سوى دلالة واحدة. لكن هيهات ثم هيهات.

 

ومن حسن حظ المسلمين المعاصرين أن هذه إشكالية قديمة، كان قد عالجها الفقه الإسلامي في بواكير نشأته الأولى ليتطور إلى علم آلة قائم بذاته، لايمكن تجاوزه من طرف أي مشتغل بعلم أصول الفقه حسب المعارف اللغوية المتاحة آنذاك بنجاحات وإخفاقات متفاوتة. وهي مقاربة تاريخية كانت ناجحة وناجعة يومها، إلاّ أن الجمود الفكري والتصدع المجتمعي والانحطاط السياسي الذي حل بديار المسلمين ومن دون مشورة منهم، جعل الكثير من تلك المقاربات إما متجاوزة أو بحاجة إلى إعادة نظر ومراجعة أو إلى تجديد على ضوء ما جدّ من أبحاث في معالجة النصوص عامة وعلم الألسنيات خاصة.

 

لكن دون الوقوع في براثين أغلال التبعية التي مافتىء الكثير من الذباب والفيروسات الثقافية يقعون في شراكها، إما أبواقا باحة في الدعاية لثقافات زيف وبهرجة لن يأتي منها خير أبدا، وإما كرجع صدى لمقولات خارج بيئتها وتعمل عندنا فقط عمل الصناديق الرنانة التي ينتهي مفعولها بزوال المؤثر عند المصدر، كموضة أو تقليعة طارئة وزائلة.

 

وضمن هذا السياق كتوازي منطقي يحدث في كل لغة، فإشكالية تعدد المعاني كانت قد شغلت فلاسفة الغرب أيضا لفترة ماشغلت علماء أصول الفقه عندنا. عندما اكتشف متأخروهم مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أن كل النقائض المنطقية التي صاحبت الخطاب الفلسفي الغربي، منذ سقراط وإلى زمنهم، كانت تؤول دائما إلى إشكالات أو أمراض في اللغة. لذلك اشتغل بعضهم باللغة لفترة حتى تحول البحث الفلسفي كله مع المدة إلى مباحث صرفة في اللغة! بل لم يبق أحد في الغرب اليوم مع مطلع القرن الحادي والعشرين من يشغل نفسه بمثل هذه التخرصات إلا أن يكون مهوسا في المطلق، أو ممن يعيش خارج عصره. إذ اكتشف الكل أن إضاعة الأعمار في تلك المتاهات لم يعد يحتمله العصر، ولا يتحصل للمرء من ورائه طائل، اللهم من بقايا ورثة، كما يحدث في كل معرفة تظل تحافظ على التراثية من باب التوثيق، كسدنة وكهنة معرفة، ضمن سياق متطلبات دروس التعليم خاصة كما عندنا في المغرب ممن تخرجوا في مثل هذه التراثية الغربية أو الشرقية سواء، في الستينيات من القرن العشرين وما بعدها دون أن تتاح لهم بحكم التنشأة والتكوين خيارات أخرى من باب مرغم أخاك لابطل، فظلوا عاكفين على مااجترعوا من هذه التراثية، يترجمون بعض موضوعاتها ومواضعاتها التي عف عليها الدهر وأكل وشرب. نتفا من هنا وشذرات من هناك، على شكل كراسات ووريقات مجتثة السياق كحوامل لايجمع بينها جامع سوى ما كان من باب الإسهال الوظيفي بخيانتين متلازمتين: خيانة القصد وخيانة الترجمة، ليبيعوها لطلبتهم المساكين، النكدي الحظ والطالع، بوقوعهم طرائد صيد بين أيديهم كفروض ملزمة من أجل الحصول على الشهادة التي لم تعد تغني من وظيف، أو الفوز في الامتحانات التي لن تفضي بهم إلى شىء في آخر المطاف، رغم تحملهم لكل هذا العسف وهذا الكبت، مشوشين بها على عقولهم وذكائهم الفطري. لذلك، قد لانعجب أن يطلع علينا بين فينة وأخرى مبشرون في تيه صحراء هذه التراثية. يكررون دون كلل أو ملل بإحلال الفلسفة بدل التربية الإسلامية في المدارس الثانوية المغربية بغية تضليل وتعتيم! هذه العقول الفتية البريئة الناشئة ضمن الهندسة المجتمعية العامة، المتبناه من طرف الدولة كإطار "أنموذجي" أو البرادايم" (Paradigm) لفلسفتها الخاصة في حكم المجتمع من خلال منظور ما يمكن أن نصطلح على تسميته "دولة محصِّلة الصفر".

 

فما تكون خصائص هذا "الأنموذج"؟.

 

أ1) مفهوم دولة محصلة الصفر

في المغرب هو أنموذج مثالي لنوع "دولة محصلة الصفر" بامتياز، أي دولة "الجمود" و "القصور الذاتي" التلازمي بالمعنى الفيزيائي (Inertia) للكلمة، التي تعمل فقط ضمن ثنائية الفعل ورد الفعل دون مكانية لحصول توازن آخر، من نوع الثالث المرفوع، يمكن أن يتجاوز به إحراجات وكوابح مثل هذا المنطق الثنوي الجبري والقاهر.

 

وآلية العمل في هذا النموذح، ليست معقدة في حد ذاتها، ولاهي تتطلب الكثير من الذكاء أو وجع الدماغ، بل اتسمت بالبساطة إلى حد السذاجة، كي يسهل هضمها وتعميمها وتطبيقها في كل مرافق الدولة، من طرف رجالات مخزن، ليس العلم والفهم من سجاياهم الأولى أو الفطرية وإنما العنف. وتختزل تلقائيا إلى عمل ميكانيكي، بين فعل يتطلب دائما رد فعل آخر مقابل ومضاد بنفس القوة، لكن معكوس الاتجاه، حالما نعرف في "الموجهات الرياضية" من "توازن الصفر" من أجل الإبقاء على توازن هش وغير مستقر باستمرار (Metastable) حيث قلما كانت ردة الفعل تساوي دائما قوة الفعل، أو تعاكسه تماما في الاتجاه!، مما جعل "التوازن" "توازنا حرجا" (Critical Equilibrium) وغير مستقر باستمرار!

 

وهكذا ما أن يظهر لأحد القيمين على هذا الشأن، من خلل في محصلة هذا التوازن، سلبا أو إيجابا، ضمن جدلية صيرورة المجتمع الطبية الخاضعة لمختلف المؤثرات الداخلية الخارجية، الفاعلة والمتفاعلة، كما هو الحال في أي مجتمع حي، بصفته مجتمعا، إلا ورأت فيه هذه "الدولة" نذير شؤم وفأل سوء وطيرة، تستوجب المعالجة الفورية، ضمن: "القواعد" أو "التقاليد" أو "العرف" كثوابت وترجمة ممارساتية لدستور غير مكتوب، يحاول الرجوع بالأمور إلى ما يضم ويخمن أنه يصابها! ميكانيكيا أي: "نقطة الصفر" كمركز ثقل أوحد ووحيد، في هذه المعالجة التبسيطية الساذجة لأمور غاية في التشبيك والتعقيد والتداخل والتركيب!.

 

وهو ما يستحيل تحققه في كثير من الأحيان كتوازن منشود، إذا ماتوترت الأمور خارج سعة أو ذبذبة ما تسمح به دينامية مثل هذا النسق اللاعقلاني في تدبير السياسة خاصة والشأن العام عامة، الموروث كله من تقاليد القرون الوسطى.

 

النتيجة الحتمية المتوقعة باستمرار، تمثلت دائما وكقدر مقدور، في سقوط الدولة تلقائيا في حمأة فوضى عارمة، قلما كانت تنتهي بها إلى شوطئ السلامة إلا في النادر، إن لم تؤل بها رأسا إلى انفراط العقد والوصول إلى ما لا تحمد عقباه!، حال ما لاحظنا من فوضى في أواخر أيام السلطان أبي العباس أحمد بن محمد الشيخ السعدي، المنصور الذهبي (956هـ/1349م- 1012هـ/1603م) من انفراط عقد الدولة بسبب الجفاق والمجاعات والطاعون، على غير ما شهد عهده في بدايته من منعة وقوة وغنى ومكانة دولية، فذهبت ريح الدولة وسطوتها بني عشية وضحاها، كأن لم يغنوا فيها بالأمس القريب، أو ماحصل بعد موت المولى إسماعيل واستمرار الفتنة بين أبنائه في اقتتال عبثي لم يحصل للدولة ولا للشعب من ورائه من خير ولاطائلن اللهم ما حصدت الفتنة من أرواح هرج ومرج!.

 

ومثل هذه النتيجة المأساوية التي تشبه عمل "سيزيف" ذلك البطل الإغريقي الأسطوري، الذي حكمت عليه الآلهة! برفع حجر إلى قمة جبل، إلا ليتدحرج به مجددا من حيث ابتدأ، أي: "نقطة الصفر" وليعيد الكرة تلو الكرة بدون جدوى ولا طائل!.

 

وأزمة الحكم من هذا المنظور تجاوزت اليوم إطار الوصف والتشخيص، وبدأت تطرح نفسها حتى في المنتديات السياسية الدولية كإشكال سياسي، بحاجة ماسة وعاجلة إلى نوع حل، إن أريد لمثل هذه النظم أن تستمر في الحكم.

 

وهذا الإشكال في "أزمة الحكم" لم يعد اليوم بسبب ثورة الاتصالات، همّاً خاصا يستفرد به صناع القرار لوحدهم، ولاهو بمنحصر في نخبة من نخب المعارضة على اختلاف مشاربها، بل أصبح هاجسا مشتركا لدى شرائح واسعة من ذوي الرأي، ومن بينهم الاجتماعيون الإسلاميون، بل وحتى المؤسسات الأجنبية التي تعمل كصناديق أفكار، بغية التوجيه أو التأثير من طرف خفي، بواسطة متأكدمين، يقدمون أنفسهم كخبراء في الشأن الداخلي المغربي والعربي، وماهم في الحقيقة سوى مستشرقين مستعارين جدد/ لم يتخلوا قط عن "أنموذجهم المعيار" (Paradigme) الاستشراقي الذي أصاب منه تحليل وتفكيك الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" مقتلا، لاقيام لهم من بعده ولو تلونوا بألوان الطيف، إلا أن يكونوا من أصحاب الضمائر الحية والحرة!.

 

الدرس التاريخي المستفاد من كل هذا هو:

ان لامحيد عن التشبث بالمؤسسات والعمل على تقويتها وتطويرها وتمنيعها، بتمنيع المواطن المغربي نفسه. ومن هنا، فإعاجة بناء الدولة، ضمن مشروع حضاري يليق بماضي المغاربة ومستقبلهم، يجب أن يركز على مركزية كرامة المواطن أولا وقبل كل شيء والتحامه بمؤسساته.

 

إذ لاعصمة ثمة بالتلفيق وإنما الثوابت. وهذا هو الدرس البليغ الوحيد، الذي يجب أن نتعلمه كمغاربة، من ممارسة دستورية امتدت لأكثر من ثلاثين ومائة من السنين (130) بالنسبة للدولة العثمانية ولثلاثين سنة (30) من تجربة المغرب على هذا الدرب.

 

فلنعرج إذن بعد هذه التوطئة التاريخية على ما فيها من إطالة ضرورية إلى مطلب سؤالكم الأول كما رتباناه أعلاه.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق