25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

صناعة الفقه(9): المقاصد الشرعية والسياسية عند علا
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
في المنفى

ظهرت مع انبثاق بذور العمل الهيكلي لهذه النخبة الوطنية مع بداية سنة 1931، الكثير من الجمعيات السرية المختلفة الأهداف، والتي ستوحد جهودها تحت مظلة "كتلة العمل الوطني" كعمل جمعوي سنة 1352 هـ/1933 م ليتم انتخاب علال الفاسي رئيساً لها سنة 1355 هـ/1936 م. 

تحميل ملف في المنفى

 

ليون بلوموقد أنشأت الكتلة عدة لجان، خصت كل واحدة منها بمجال معين. وكانت من بينها "لجنة التعليم العليا" التي تأسست بالرباط سنة 1934 والتي سينتخب علال الفاسي رئيساً لها.

وعندما أقدم الاستعمار الفرنسي على حل "الكتلة" بقرار إداري في شوال سنة 1355 هـ/مطلع سنة 1936 م وجدنا علال الفاسي يؤسس "الحزب الوطني" وينتخب رئيساً له، ليعتقل ويعذب ويصادر على حرياته إلى أن قر قرار الإدارة الاستعمارية الفرنسية الإقدام على الأسوأ في حقه، وذلك بنفيه إلى الغابون  ب إفريقيا الاستوائية أيام حكومة ليون بلوم (Léon Blum) (1872 – 1950)  الاشتراكية1. 

وهو المنفى الذي سيمكث فيه علال لمدة ناهزت التسع سنوات2، كتمرين في إضاعة الأعمار هدراً وظلماً وعدواناً. 

ومثلت عملية النفي هذه، أقل أساليب الاستعمار الفرنسي مكراً ودهاء في إبعاد الوطنين الأكثر خطورة ونباهة على السياسة الاستعمارية الفرنسية. وهو ما لم تتبعه مع أيّ مغربي آخر، من جهة بعد الشقة، سوى مع المجاهد عبد الكريم الخطابي  رحمهما الله، لرمزانيتهما الدينية قبل السياسية!.

وسيتأسس حزب الاستقلال سنة 1943 وعلال لا زال يكابد الغربة في منفاه وينتخب رئيساً له.

ولم يعد إلى المغرب إلا سنة 1365 هـ (20 رجب)/1946 م (20 يونيو)، دون أن يستقر به مقام، حيث وجدناه يشد الرحال في رحلة طويلة سيزور خلالها الكثير من الدول العربية والأوروبية والإفريقية والآسيوية معرفاً بقضية المغرب وداعياً إلى استقلاله.

 

عبد الكريم الخطابي بالقاهرةوسيشارك في تنظيم حفل استقبال زعيم الثورة الريفية المغربية محمد بن عبد الكريم الخطابي (ت: 1964 م) بالقاهرة  (صورة للمجاهد عند نزوله في الإسكندرية) ، ليربط الماضي بالحاضر من جديد، وليعمل على فضح السياسة الاستعمارية الفرنسية في المغرب. 

وستمنع فرنسا علال من دخول المغرب مجدداً، ليظل بمدينة طنجة التي كانت تخضع لنظام استعماري دولي خلال الفترة (1369 هـ/ 1949 م -1372 هـ/1952 م). 

وقد اضطرته هذه الظروف القاهرة إلى الاستقرار مؤقتاً بمصر، حيث سيستمر في مقاومته للاستعمار الفرنسي من موطنه الجديد، لينتخب أميناً عاماً ل "حركة تحرير المغرب العربي"، التي كانت تحت الرئاسة الشرفية ل الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، ثم ليقود الحركة السرية ل "جيش التحرير المغربي".

وقد ساهم رحمه الله ضمن هذا الإطار في إنشاء "جيش التحرير الجزائري"  في شهر ذي الحجة سنة 1372 هـ/سبتمبر 1953 م، وربطته ضمن "حركة تحرير المغرب العربي" رابطة صداقة سياسية حميمية مع الزعيم القومي التونسي المتقلب الأطوار الحبيب بورقيبة والكثير من الزعماء السياسيين الشمال إفريقيين والمشارقة والأسيويين.

قلت:

ويمكن تبين مدى العلاقة بين الرجلين من خلال واقعة الحكم بالإعدام الذي أصدره النظام البورقيبي على صديق دربهما معاً في الكفاح! صالح بن يوسف (1907 – 1961)3  ، حيث كتب علال الفاسي  في عمود له تحت عنوان: "رأي مواطن" بجريدة "العلم" لسان حزبه، حزب الاستقلال، في عدد 5 فبراير 1956 جاء فيه: 

{لا أريد أن أتدخل في الشؤون الداخلية لتونس، وإن كنت أعتبرها جزءاً لا يتجزأ من وطني الكبير المغرب العربي، ولا أحب كذلك أن أمس بحال شخصية الرئيس بورقيبة الذي لي معه صلات الكفاح المشترك والتقدير المتبادل. (...) ولكني مع ذلك أرى من الواجب علي أن أقول كلمة الوفاء نحو صداقة قديمة وزمالة كفاح هي الأخرى ذات قيمة في فطرة الإنسان وخلق الإسلام، وأن أعرب عن أسفي للأحكام التي صدرت في تونس ضد شخصية الأستاذ صالح بن يوسف وأنصاره، خصوصاً السيد حسن التريكي والسيد علي الزليتني. لقد عرفت صالح بن يوسف منذ كان طالباً للحقوق بفرنسا سنة 1933 ثم عرفت كفاحه داخل الدستور وصداقته مع رئيس الحزب (بورقيبة) وقادته وأتيحت لي الفرصة أن أشترك معه في أندونيسيا وأمريكا وفي مصر في عملنا لخير المغرب العربي عموماً وأن أقدر فيه حبه لبلده وتفانيه في صالحها، وتمسكه بالدستور الجديد وعمله الدائم في دائرته، وأعتقد أنه ما كان ليستحق الحكم بالإعدام مع احترامي للحاكمين عليه!! (..) وإني أطالب السيد بورقيبة بذلك لأنه الذي يملك زمام الحكم ويستطيع أن يخطو الخطوات الإيجابي نحو إخوانه!!...}. 

ولم يشفع هذا للرجل عند المجاهد!!! الأكبر!!! كما كان يحلو لبورقيبة أن يطلق على نفسه!4. 

وقد تم اغتيال صلاح من طرف عصابة في مدينة فرنكفورت في 2 يونيو 19615.

قلت:

وبالرغم من هذا المشوار الحركي الطويل لعلال، المليء بالمنافي والتقلبات السياسية وعدم الاستقرار، فقد استطاع أن يختلس مع ذلك من وقته ما يكفيه لتأليف العديد من الكتب في العلوم الشرعية6، والسياسة7، والاقتصاد8، والتاريخ9، والسير10،..إلخ.، وأن يشغل لاحقاً عدة مناصب وزارية11 وتعليمية مختلفة12 قبل أن يوافيه أجله المحتوم في مدينة بوخارست، العاصمة الرومانية، بسكتة قلبية في 20 ربيع الثاني سنة 1394 هـ/1974 م رحمه الله.

3) حفريات في السياسة المغربية

ونظراً لكون علال الفاسي، وعلى خلاف كل أبناء جيله الذين شاركوه الدراسة برحاب جامع القرويين، أو الذين التقى بهم واختلط مساره بمسارهم خارجها، مازج بين السياسة والعلوم الشرعية، ما لم يحصل لغيره في جيله، فيجدر بنا، قبل معالجة مقاصدياته كما فهمها هو نظرياً وممارسة، أن نحيط علماً، زياة على هذا الظاهر المشاع من سيرته، الذي سلطت فوقه بعض الأضواء الكاشفة حتى عرته، ولم يبق فيه من زوايا مظلمة أو تحت الظل، بما ظل خفياً من هذه السيرة، أو لفه الغموض، وبحاجة ماسة إلى حفر وتنقيب، حتى تستكمل صورة الرجل.

فعلال الفاسي، من وجهة نظر سياسة - اجتماعية محضة، وإن فتح عينيه على "دولة محصلة الصفر"13 بمميزاتها ومحدداتها المعروفة يوم ولادته سنة 1908 م، إلا أن قدر حياته سيكتب مع دولة الاستعمار الفرنسية، التي نحت بهذه الدولة القروسطية التنظيم والتشكيل إلى منطقة الظل، أثناء إدارتها لشؤون البلد باسم "الحماية"، في مخاض عسير سيدوم من سنة 1912 إلى سنة 1956 م. 

ولن تخرج الدولة المخزنية من نفق هذا الاستلاب قط كما دخلته. أضف إلى هذا، أن لهذا البعد نفسه تاريخ وجذور، عالجها علال في غير ما كتاب من كتبه14.

وقد بدأ الاستعمار الأوروبي، والفرنسي منه خاصة، يدق أبواب المغرب بعنف مع منتصف القرن التاسع عشر، بينما لم يكن المغرب، قد مر من تجربة سياسية، كتلك التي مر منها المشرق الإسلامي مع مطلع القرن التاسع عشر الميلادي أثناء احتكاكه بالغرب، ولا أن أحداً من المغاربة يومها، في ظل "دولة محصلة الصفر" كان مهيئاً لأن يشغل نفسه، أو وقته، أو عقله، بتصور إمكان حدوث مثله للبلد، أو وجد من رأى من نفسه، توفر الكفاءة والكفاية، في أن يجتهد لمستقبل البلد، مستشرفاً لما كان يمكن أن يترتب عن كل ذلك من سيناريوهات، لو حصلت!، ولو كتمرين ذهني افتراضي، بالرغم:

أولاً: من القرب الجغرافي للأوروبيين من المغرب، الذين ظلوا بحكم التاريخ والجغرافيا، على مرمى حجر من شواطئه الشمالية، بل والقابعين على أرضه، كما هو الحال بالنسبة لتواجد الإسبان المباشر في كل من مدينة مليلية المحتلة من طرف الإسبان منذ سنة 1497، ومدينة سبتة15  المحتلة من طرف البرتغال أولاً، والمسلمة للإسبان منذ سنة 1580، واللتان ظلتا مثار حروب ومناوشات وقلاقل مستمرة بين حاميتيهما العسكريتين، وبين المجاهدين المغاربة المرابطين حولهما، في محاولاتهم المستميتة من أجل استرجاعهما يوماً ما إلى الوطن الأم ،

 وثانياً: من وجود بعض التجار المغاربة، المعروفين باسم: "تجار السلطان" الذين كانت لهم معاملات تجارية مع الخارج سواء أيام دولة السعديين (960 هـ/1553 م - 1070 هـ/ 1659 م) أو دولة العلويين (1080 هـ/1669 م  -).

وهو ما ظل معمولاً به كعرف مخزني حتى منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن تقضي عليه الاتفاقية التجارية المجحفة في حق المغرب، المبرمة مع الإنجليز سنة 1273 هـ/1856 م، وباسم الصاقة!، في عهد السلطان عبد الرحمن بن هشام  رحمه الله، حال:

أ) - التاجر والسفير التطواني: عبد الكريم بريشة (1240 هـ/1830 م - 1315 هـ/1897)، الذي كانت له تجارة خارجية زاولها بنفسه صغيراً، ومنذ سنة 1853 في كل من "السويس" بمصر ومدينة "جدة" بالحجاز، زيادة على ما كان له من أعمال تجارية داخلية موزعة في بعض المدن المغربية كتصريف للمنتجات التي كان يستجلبها من الخارج، شبيهة إلى حد ما، ومن عدة وجوه ب "الكونسورتيومات" التجارية الكبيرة بفروع في كل من مدن: تطوان، وفاس، والجديدة، ومراكش16، أو حال:

ب) – التاجر: محمد بن عبد الهادي زنيبر السلاوي (كان حياً حوالي 1300 هـ/1882) الذي أثرى ثراءاً فاحشاً من تجارته مع مدينة مانشيستر ((Manchester في بريطانيا وتوليته من طرف المخزن على أمانة مرسى العرائش وكذلك على الحسبة17، أو حال:

ت) – التاجر: الطالب بن الحاج المكي بوهلال الفاسي، ثم الصويري الذي تخصص وعائلته في تصدير الصمغ، واللوز، وزيت الزيتون وغيرها من المواد الفلاحية لجنوب المغرب عن طريق ميناء مدينة الصويرة18 إلى كل من جبل طارق، ولندن وغيرها من الأسواق الأوروبية،...إلخ.

قلت:

أبراهام كوركوسوما ميز هذه الطبقة من التجار الانتهازيين، سواء أعملوا لحسابهم الخاص أو كتجار للسلطان، أو كأمناء في الموانئ، أو محتسبين، هو انتماؤهم للأقلية الحضرية الأندلسية، التي اشتهرت بخدمة المخزن، ما اشتهر "تجار السلطان اليهود" من أمثال عائلة أبراهام كوركوس (Abraham Corcos) الصويرية19 وعائلة المالح (El--Maleh) الرباطية-الصويرية وغيرهما20. 

و ستمازج عائلة المالح هذه، وتخلط ما بين حقلي الدين والتجارة، لتتحكم في دواليب التجارة المغربية مع الإنجليز إلى درجة الاحتكار المطلق21، ما سيمزج بينهما لاحقاً القاضي أحمد بن المأمون البلغيثي (ت: 1348 هـ/1930 م)، الذي سيعمل قاضياً ب فاس ثم ب الصويرة، ويؤلف في ذلك كتابه الدال على الوجهة التي بدأت تتجه نحوها قرائح رجالات القضاء والحسبة ومن هم دونهم رتبة في هذا العصر، بعنوانه اللافت: "بيان الخسارة في بدعة من حط من قيمة التجارة"22، على غرار ما ألف أبو عمرو الجاحظ (150 هـ/767 م - 255 هـ/869 م) ومنذ دهر في كتابه: "مدح التجارة وذم عمل السلطان"!23. 

قلت:

وحال مغاربة هذا العصر، هو أنهم تجاوزا خيار الجاحظ، ليجمعوا بين محاسن الوظيفتين!، مادامتا تكملان بعضهما بعضاً وبأحسن وجه يمكن تخيله أو تصوره، من حيث مراكمة المال بالاستعانة بوظيف المخزن، وخزنه آمنا كل الإتمان عليه، من بطش ذات المخزن، حتى أمكن للكثير من هؤلاء القضاة والمحتسبين والأمناء،..إلخ. الجمع بين الوظيفتين في تناغم لافت!. 

وهو ما صار بعد فتوحات هؤلاء الرواد الأوائل، ديدن نخبة عصر بأكمله، أغرى وأسال لعاب أبناء وحفدة القاضي وغيره، الذين تقطّع بينهم الآن وبين أخلاقيات ما يدرس ب جامع القرويين إلى غير رجعة!، حتى أننا عبثاً نبحث أن نجد لأحدهم من ذكر، في قائمة خريجي القرويين ضمن الفوج الذي تخرج فيه علال الفاسي. 

لقد شقوا طريقهم المعبد الموازي مع المخزن، في خدمة مصالحهم أولاً، قبل خدمة المخزن أو غيره، وتركوا لأصحاب القرويين طريقهم المتعرج المليء بالحفر!.

يقول المؤرخ الرباطي بوجندار (ت: 1345 هـ/1926 م) عن النهاية التي ستنتهي إليها كل هذه الأجيال كمأزق عام 24:

وكانت تلك الأيام على ما فيها من كثرة الغزوات والحركات كلها خيرات ومبرات، لم يُكدر صفوها إلا تسرب أقوام من التجار للمناصب السامية والمراتب العالية، فارتفعت منزلته ونفذت كلمتهم، وصار بيدهم الحل والعقد والأخذ والرد، ولكنهم لسوء تصرفهم أوقعوا بالدولة الوقعة الأخيرة وأصابوها بالأزمة الخطيرة. وزاد الطين بلة، تفاحش المظالم والتعديات من باقي الحكام، فنشأ عن ذلك مزيد من التخل الأجنبي لحماية أفراد من ألهالي من سيطرة حكامهم.

وبقي الأمر يتزايد إلى أن اضطر الدول، لتقديم اقتراحاتهم في شأن إقامة ميزان العدل والمساواة في الحقوق وبث النظام الوقتي، من إصلاح الطرقات، وتسهيل المواصلات. فكان السلطان المولى الحسن يدافع عن ذلك بالتي هي أحسن إلى أن توفي. 

وبوفاته اتسع الخرق على الراتق واستوت الفرازن والبيادق، بل اختلط الحابل بالنابل، إلى أن حل بنا ما حل، وليس المسؤول بأعلم من السائل.

قلت:

بل إن الكثير من وجهاء وأعيان هذه النخبة المستفيدة من خدمات المخزن كقضاة، ومحتسبين، ووكلاء، وأمناء موانئ، المغتنين بخدمة المخزن خدمة لمصالحهم، ممن كانوا يدرسون بالقرويين، قد توصلوا بحدسهم الفطري وحاستهم التجارية السادسة، دونما حاجة إلى أن يذكرهم، لا القاضي البلغيتي ولا الجاحظ قبله، إلى ذات النتيجة المنطقية تقريباً، وهي: أن القرويين لم تعد بالمرقاة إلى الاغتناء أو الإثراء، فحولوا وجهتهم وقبلتهم مبكراً، شطر اهتمامات أكثر دنيوية، وأبلغ نفعاً لهم في دنياهم وأجدى، (وإن ضيعت على الكثير منهم آخرتهم) مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى المغرب، ليحولوا أبناءهم أيضاً من حصير القرويين المغبر وغير المريح إلى كراسي المدارس الفرنسية الأكثر نظافة وراحة، والتي ستكون بمثابة تكأتهم وعكازتهم، المؤهلة لهم ولذريتهم من بعدهم إلى السيطرة المطلقة على كل دواليب الاقتصاد ومرافق التجارة بالمغرب دون أن يرتد لهم طرف!.

لكن، ورغماً عن كل هذا، فلم يكن من مطمح لأيّ من هؤلاء الفرقاء، في أن يشارك في صنع القرار السياسي، حتى ولو دعي لذلك، لما جبل عليه من خوف، من مخزن كانت له جرأة كبيرة على سفك الدماء، ولأتفه الأسباب.

يقول علال الفاسي عن هذه النخب التجارية،25:

[تكملة الموضوع بملف البي دي إف المرفق بهذه الصفحة]

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق