25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

صناعة الفقه(9): المقاصد الشرعية والسياسية عند علا
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

 فسحة المقاصد عند علال الفاسي

قد يستغرب المرء، من خلال هذا المسار السياسي المتقلب والمتعرج ل علال الفاسي ، المليء بالأحداث والمنافي والانشغالات السياسية، أن يجد له مؤلفاً في المقاصد، ككتابه: "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها".

قلت:

والكتاب نفسه يدخل ضمن كتب التبسيط المفاهيمي والترويج للفكرة، وليس بكتاب تأصيل ولا تخصص.

لذلك لن نعجب أن يشير محمد الطاهر الميساوي، وهو يقدم لكتاب ابن عاشور: "مقاصد الشريعة الإسلامية" إلى فقرات بكاملها سطا عليها علال الفاسي من نص ابن عاشور المقاصدي، دون أن يشير إلى الرجل، لا بالاسم مباشرة، ولا بالإشارة، كأن يورد اسمه أو اسم كتابه من بين مراجعه!1.

قلت:

وهذا السطو المبين على نص ابن عاشور، مع التكتم على اسمه، لا يجد تبريره، سوى في كون ابن عاشور، رحمه الله كان قد صنف من طرف القوميين التونسيين، ضمن قائمة المتعاونين مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية بتونس!.

وربما اعتبر علال، تضامناً مع القوميين، أن هذا عذر كاف في عدم الإشارة إلى الرجل ولا الإشادة بفضله بما قد يعلي من ذكره!2.

4.1) علال ومفهوم الفطرة

عالج علال الفاسي مفاهيم: "الفطرة"، و"الحرية"، والمساوة" ما عالجها ابن عاشور في مؤلفه: "مقاصد الشريعة الإسلامية"، كما أفرد فصولاً للحديث عن: "مكارم الأخلاق"، و"منهاج الحكم في الإسلام"3، و"حقوق الإنسان" وغيرها من الموضوعات.

قلت:

وقد اتسمت معالجة علال الفاسي لهذه المفاهيم بالتقريرية والتعليمية والإنشائية في الغالب، كما وأن بعض تلك المعالجات، لم تخل من لبس في أحايين، ومن قلق عبارة في أحايين أخرى، بل وحتى التناقض!.

قال علال الفاسي بخصوص "الفطرة"4:

والفطرة هي غير الطبيعة!، على خلاف ما يظنه الناس!.

الطبيعة لغة: الجبلة، وهي من ذاتية الأشياء، لا تنفك عنها طبقاً لنواميس معينة. أما الفطرة، وإن كانت مشتقة من فطر البعير!، عن نابه إذا انشق، فإن استعمالها الإسلامي في معنى: "المروءة" التي وضعها الله صفة للإنسان منذ أن أصبح إنساناً!!، أي منذ تحمل المسؤولية وأدرك "الحرية"!!

قلت:

فهو يفرق هنا بين بشرية الإنسان من حيث وصفه بجلده، وإنسانيته، من حيث وصفه بأنسه واجتماعه، والوصف واحد لأن المدلول واحد ما دام قوم نوح عليه السلام قد اعترضوا عليه كما يقص القرآن الكريم عنهم في سورة نوح الآية 27:

(فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين(.

قلت:

فهل قوم نوح لم يكتشفوا إنسانيتهم!؟.

وبمثله قالت نسوة مصر عند امرأة العزيز في سورة يوسف الآية 31 ، بعد نوح بقرون وقرون في ما يقص القرآن من خبرهن:

(وقلن حاش الله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم(

ومثل هذا وارد في آيات أخرى.

والظاهر أن هذا التفريق بين الفطرة والطبيعة قلق عنده، لأننا وجدناه يذكر تحت باب: "الإسلام دين الفطرة"5:

سبق أن بينا معنى الفطرة وأنها الجبلة!!!.6 وقد جاء في المصباح7: "الجبلة "بكسرتين وتثقيل اللام، و"الطبيعة"، و"الخليقة"، و"الغريزة" بمعنى واحد. وجبَلَه الله على كذا: فطره عليه. وشيء جِبِلِّي: منسوب إلى "الجبلة"، كما يقال: طبيعي أي: ذاتي منفعل عن تدبير الجبلة في البدن بصنع بارئها.

وقوله كذلك8:

والفطرة هي الجبلة، ولكن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي فطرة الإنسان بصفته إنساناً!!، أي مطلق الإنسان الذي يملك جملة من العقل وقدرة على اكتساب المعرفة، واستعداداً للمدنية، ومرونة على الطاعة إلى جانب ما له من حواس يدرك بها المرئيات والمسموعات والمتصورات، وحب في الاستطلاع يهديه إلى بعض المعرفة وبعض السلوك. كل ذلك ليقوم بأفعال خاصة به كإنسان تميزه عن غيره من الحيوانات. منها العادة ومنها العبادة. ومعنى كون الإسلام دين الفطرة: أنه الدين المتفق مع ما جبل عليه الإنسان بصفته إنساناً من جملة العقل والاستعداد للحضارة، والقدرة على اكتساب المعرفة والمرونة على الطاعة والذي يساعد على تنمية معارفه وسد حاجته فيما يخص العادات والعبادات.

قلت:

ولو لم يدلس علال على نص ابن عاشور رحمهما الله، لكنا انتظرنا منه أن يعالج ما قاله الأخير بهذا الصدد، ويدلو لنا بدلوه في الموضوع منتقداً أو مصوباً أو مضيفاً، كي يحصل من مثل هذه المعالجة نوع من التراكم المعرفي، إلا أن هذا لم يحصل قط، مع الأسف، للحيثية التي قدمنا.

4.2) علال ومفهوم الحرية

ترد كلمة "الحرية" في الكثير من نصوص علال، حتى أنه أفردها بكتاب خاص حمل عنوان: "الحرية". ويقول علال الفاسي بخصوص هذا المحور9:

الحرية الإسلامية "جعل" قانوني يتفق مع إنسانية الإنسان وفطرته، وليست حقاً طبيعياً يستمد من غريزة الرجل المتناقضة. فالإنسان ما كان ليصل لإدراك حريته على الوجه الذي أراده الإسلام لولا نزول الوحي، ولولا الرشد الديني الذي جاء به القرآن.

ويقول في تفسير قوله تعالى:

(لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة(10

والعجيب! أن المفسرين قاطبة! لم يدركوا قيمة هذه الآية!!، لأنهم لم يهتدوا للمراد بالانفكاك فيها، مع أن أقرب! دلالة لغوية هي: "التحرير"!. فلم يكن الكفار "منفكين" أي: "متحررين" من ما عبدهم لغير الله إلا بعد أن جاءتهم الحجة القاطعة التي ليست سوى رسول يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة تخاطب العقل وتدعو إلى التفكير وتنادي بالحرية.

قلت:

حتى لو تجوزنا وقبلنا من علال هذا الوجه من تفسير "الانفكاك" ب "التحرر" ، إلا أننا ستصدم عندما نكتشف بذهول أن التنزيل العام لمفهوم "الحرية" عنده مدخول ومدغول على صعيد الممارسة والتطبيق، حيث نجده يطابق بين الحرية وبين مفهوم "الديمقراطية" كمفهوم في الحكم وليس "الشورية"، مع أن "الشورية" ناسخة لمثل هذا المفهوم الأثيني (نسبة إلى مدينة أثينا الإغريقية) وجاءت بعده بحوالي ألف عام!. {وانظر على موقعنا باللغة الإنجليزية: "أسس الشورية الإسلامية" (Foundations of Muslim's Shuracracy)}.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق