المبحث الرابع: في تقدير العمر الافتراضي لمصعب
لاحظ أن أكثر الشيوخ اللذين يروي عنهم مصعب الأصغر كالرواة الذين يروون عنه هو نفسه، رواة مهملون مثله، لا نعرف عن سني ولادتهم ووفياتهم شيئاً، اللهم ما كان من انتمائهم إلى طبقة ضمن الطبقات الإثنتي عشرة لابن حجر العسقلاني كما رسمناهم في "اللوح رقم 1". ويعقد من مهمتنا كون أكثر أخباره أخبار مراسيل ومنقطعات، يتخللها رواة مضعفون لا يوثق أصلاً بمروياتهم.
وسنحاول مع ذلك تحديد فترة تحديث مصعب وعصره أو عمره الافتراضي، ورسم معادلة دائرته العمرية بالاستعانة بمعطيات غير مباشرة من خلال من التقى بهم وكذلك من خلال محيطه الأسري بالدرجة الأولى.
رسمنا في اللوح رقم 4 الدوائر العمرية لكل من:اللوح رقم 4 (اضغط هنا لتكبير الصورة)
- عبد الملك بن عمير (33 هـ - 136 هـ) وقد عمر 103 سنة.
- عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة (32 هـ - 93 هـ) وعمره 61 سنة.
- سعيد بن جبير (46 هـ - 95 هـ) محددة بقطرها ويساوي 49 سنة.
- عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (80 هـ - 150 هـ)، وعمره 70 سنة.
- سفيان بن عيينة (107 هـ - 198 هـ) ، وعمره 81 سنة.
- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (119 هـ - 182 هـ)، وعمره 63 سنة.
ومجموعهم يغطي فترة زمنية تقارب 160 سنة وتشمل التلاميذ المتأخرين نحو اليمين على محور الزمن، ثم شيوخهم في الوسط وشيوخ الشيوخ إلى أقصى اليسار.
وقد رسمنا على محور الزمن سني وفيات كل من شيبة الأكبر (ت: 59 هـ)، وعبد الله بن مسافع (ت: 99 هـ)، وزكريا بن أبي زائدة (ت: 147 هـ)، ومسعر بن كدام سنة (ت: 153 هـ).
وعلى ضوء هذه الخلفية سنحاول:
أولاً: تقدير العمر الافتراضي لمصعب (الثاني) بن شيبة (الثاني).
ثانياً: ثم من خلال هذا العمر، سنحاول التحقق من تجانس المعطيات الخبرية الأخرى التي مرت بنا، مع بعضها مع بعض، والتي كانت مثار خلظ، أو أوهام.
قلت: لاحظنا أثناء تخريجنا للخبر رقم 13 أن مصعباً سمع ذلك الخبر قبل سنة 93 هـ، وهي سنة وفاة شاعر قريش: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة.
وعرفنا كذلك من فحوى الخبر 13، أن عطاء بن أبي رباح (ت: 114 هـ) كان أول شيوخ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (80 هـ – 150 هـ)، الذين ابتدأ بالأخذ عنهم منذ سنة 97 هـ. أي: يوم كانت سن ابن جريج لا تتجاوز 17 سنة، ثم صحبه ولازمه، دون سائر الشيوخ، لمدة 17 سنة أخرى إلى وفاة عطاء سنة 114 هـ.
فالمتيقن إذن من هذه المعلومية، هي أن مصعباً حدث بالخبر في حضرة ابن جريج بحلقة عطاء العلمية ما بين 97 هـ و114 هـ.
هل كان ذلك في أول سنة 97 ، أم في آواخر سنة 114 أو غير ذلك هو ما نجهله!.
وقد علمنا كذلك أن مصعباً يحدث عن قريبه عبد الله (الأصغر) بن مسافع (ت: 99 هـ) وحدث الأخير عنه. وأن كل هذا حصل قبل وفاة عبد الله.
فإن نحن أخذنا بما جاء في: "تهذيب الكمال" (9: 344/1980) من كون:
بينها بن مصعب بن شيبة العبدري الحجبي يروي عن:
أبيه: مصعب، ويروي كذلك عن الشاعر: الحارث بن خالد بن العاص (ت: نحو 80 هـ)، الواسطة بينه وبين عائشة أم المؤمنين (ت: 57 هـ)، ويروي عنه بدوره: ابنه عبد الله بن بينها (ت: ؟)، الذي يروي عنه، بدوره، سفيان بن عيينة (107 هـ - 189 هـ)، أمكننا افتراض فرضين معقولين ومحافظين:
أولاً: أن بينها (أو زرارة) بن مصعب سمع من الشاعر: الحارث، وعمره لا يقل عن 15 سنة ولربما أكثر. وهو ما يجعل ولادته، بحسب هذا الافتراض الأٌقلي، تحصل في حدود سنة 65 هـ.
ثانياً: وبناءاً على هذا الافتراض الأول، فإن افترضنا أيضاً بأن والده مصعب نفسه ربما ولد "بينها" وعمره لا يتجاوز 14 أو 15 سنة بدوره، بحسب الأعراف المتوارثة، فتكون سنة ولادة "مصعب"، إن صح هذان الفرضان هي سنة 50 هـ!.
وهي النتيجة يجب أن تتساوق وتتماشى مع المعطيات التحديثية الأخرى لمصعب ومنها:
1) ان مصعباً لم يحدث مباشرة عن عائشة (ت: 57 هـ) ولا عن جده الأكبر: شيبة (الأكبر) بن عثمان (ت: 59 هـ).
وهو ما يتساوق في حد ذاته مع النتيجة - بمعنى أن مصعباً لم يكن قادراً على التحمل منهما لصغر سنه -، بينما وجدناه يروى عن صفية ابنة عم أبيه، عن عائشة.
ولو كنا نعرف سنة وفاة صفية لاستطعنا تحديد زمن تلقي مصعب منها بدقة أكبر، وبالتالي تحديد عمره بدقة أكبر.
2) وجدنا أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (119 هـ - 182 هـ) لا يحدث مباشرة عن مصعب (الثاني)، وإنما من خلال روية والده زكريا (ت: 147 هـ) عنه. وهذا يمكن أن نفسره بأمور:
3) أن مصعباً توفي قبل أن يولد يحيى، أو قبل أن يبلغ سن التحمل، أو قبل أن يحج أول حجة له. إذ ابن أبي زائدة كوفي، ومصعب مكي. لكن وجدنا ابن عيينة، وهو المولود قبل يحيى، يقول في حق يحيى بن أبي زائدة في "تهذيب التهذيب" (11: 183)، طبعة دار الفكر، بيروت، 1404 هـ/1984:
ما قدم علينا مثل (عبد الله) بن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة
لا يهم متى!، مادام ابن عيينة نفسه الأسن ب 12 سنة من ابن أبي زائدة لم يدركه.ووالد يحيى بن زكريا بن أبي زائدة لا يسعفنا كثيراً هنا، مادمنا لا نعرف معادلته العمرية، وإنما سن وفاته فحسب، وهي سنة 147 هـ. ومعادلة ابن جريج تغنينا عنه.
وبناءاً على هذه المعطية وحدها من ابن جريج، أمكن القول بأن العمر الافتراضي لمصعب ربما امتد إلى سنة 114، سنة وفاة عطاء بن أبي رباح. فإن اعتمدنا هذا التقريب فتكون المعادلة العمرية لمصعب هي الممثلة في اللوح 4 منقطة بدائرة عمرية، تحمل رقم 7، وتقطع محوري الزمن في سنة 50 هـ، وهي سنة ولادة مصعب الافتراضية، و114 سنة وهي سنة وفاته. أي أنه عاش حوالي 64 سنة تقل أو تزيد.
من اللوح 4 نجد أن الدائرة العمرية لعبد الملك بن عمير عاصرت العديد من الرواة روة عنهم مصعب أو رووا عنه، وتقاطعت مع دوائر أعمار ابن جريج، وابن عيينة، ويحيى بن زكريا. وقد حدث عن عبد الملك بن عمير: مصعب الثاني، وابن جريج، وزكريا بن أبي زائدة، و مسعر، وابن عيينة، وابن جريج، إلا ان يحيى بن أبي زكريا لم يحدث عنه بالرغم من كونه بلديه.
وهذا يعني:
- إما أن يحيى شرع في التحمل بعد أن جاوز سن 17 سنة على الأقل!
- أو منعه مانع.
ثم لاحظ أن العمر الافتراضي الذي قدرناه لمصعب يتفق تماماً والمعطيات المتاحة.
لكن، وكما يستشف القارئ الآن بوضوح، فهذا منهج ديناميكي يتحسن بتحسن معطياته. ولو أردنا بلوغ النهاية من حيث دقة التقدير لعمره الافتراضي، للزمنا تحقيق أعمار كل الرواة الذين يروي عنهم أو يروون عنه، ورسمنا لهم جميعاً معادلاتهم العمرية.
وهذا ليس مطلوب منا الآن في هذا الجواب بالذات.
المبحث الرابع: في تقدير العمر الافتراضي لمصعب
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
