25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

1) المجموعة الشمسية كمدخل لتفسير النشأة: جيل الرواد

1.1) مساهمة ريتشارد بِنْتْلي

ريتشارد بنتليأول المحاولات التفسيرية للنشأة، بناءا على ماجد في الكونيات الوصفية، هي محاولة القس البريطاني: ريتشارد بنتلي (1662-1748) (Richard Bentley) (التمثال على اليمين)، الذي حاول مباشرة بعد اكتشاف إسحاق نيوتن (1642-1727) لقوانين الجاذبية الكونية تطبيقها بإطلاق على الكون كله، فتوصل إلى نتيجة منتظرة وهي:

أن الكون إذا ما كان خاضعا للجاذبية فقط، فلابد وأن يكون في تقلص مستمر، لأن كل جسم مادي سوف يعمل على جدب ما يحاذيه من الأجسام الأخرى وينجذب هو ذاته إليها.

 

  

1.2) مساهمة طوماس رايت

طوماس رايتوسيأتي بعد بنتلي الفلكي والرياضياتي البريطاني طوماسي رايت (Thomas Wright) (1711-1786) (الصورة) في منتصف القرن الثامن عشر وينشر في سنة 1750 م كتاب "نظرية أصيلة أو فرضية جديدة حول الكون » (An original Theory or New Hypothesis of the Universe) سيدّعي فيه بأنه توصل إلى حل للغزَ قديم طالما أرّق مضاجع الفلكيين وهو تفسير طبيعة دربِ التبّانة.

وتقوم فرضية رايت على اعتبار "درب التبّانة" مُكون من عددِ لا نهائيِ مِنْ النجومِ الصغيرةِ، التي تسبح في وسط لا نهائي محصور بين سطحين (الصورة).

درب التبانةومن منظور رايت، فإن أي مشاهد متواجد قُرْب المركزِ (النقطة (أ) في الصورة) ستظهر له النجوم القريبة منه أشد لمعاناً من غيرها، ثم نجوماً أخفت فأخفت مع ازدياد المسافة الفاصلة بينه وبينها.

أو بحسب قوله:

تخيل فقط كم سيكون عددُ النجومِ لا نهائيا عند تلك التخوم البعيدةِ، حيث يَظْهرُ مِنْ احتشادهم المستمرِ وراء بعضهم البعض، (تماماً) كما تفعل كُلّ الأجسام الأخرى عند نقطةِ أفقَ منظورِهم، التي توجد عند ما لا نهايةِ: حيث تتحد كُلّ أشعتها أخيراً لتتجمع في العينِ وتظْهر لنا، وكأنها متصلة، مكونة لمنطقةَ ضوءِ تامة.

فأنا أقول بان هذا يمثل الطبيعة الحقيقية لدربِ تبّانتنا في واقع الأمر.

ولا يكتفي رايت بهذا التفسير لمجرتنا التي جعلها على شكل قرص مفلطح، بل يقول بأن هناك عدد لانهائي من "العوالم" الأخرى، تملأ الفراغ اللانهائي بعدد لانهائي أيضاً مِنْ الكائنات، التي خلقت مِن طرف "قوَّة فغّالة ولا نهائية"

وليلاحظ القارئ بأن الخالق هنا، لم يسم باسمه المعهود: "الله"، وإنما باسم" "الكائن الأسمى" (The Supreme Being) !

وهو اسم سيشيع بين مدعي العقلانية الأوروبيين عامة والفرنسيين منهم خاصة، وخصوصاً بعد نجاح الثورة الفرنسية، إلى درجة أن "العقلانية" (Rationalism) كمفهوم ستؤله لتحل محل الثالوث الكنسي اللاعقلاني ! على ما لاحظنا من قبل في "تأليهية" (Deisme) إسحاق نيوتن نفسه.

تصوير لعوالم رايتوهو ما سيفضي بالثوار الفرنسيين لاحقاً إلى اختراع ديانة بديلة عن المسيحية، تتمركز حول عبادة هذا: "الكائن الأسمى" بالذات (Le Cult de l’être Suprême)، الذي سيطابقون بينه وبين الطبيعة في آخر المطاف.

وتظهر الصورة المقابلة عوالم رايت كأقراص، حيث كُلّ قرص يُمثّلُ عالماً مثل عالمنا، " وتتوزع أفرادها على شكل مجاميع تحيط بكائن "أمثل لكل الكائناتِ !"، كما هو واضح من الصورة ! (اضغط على الصورة لمعاينتها بحجم أكبر)

وواضح أن "دربِ التبّانة"بالنسبة لرايت ليس سوى، ظاهرة بصرية خادعة، تظهر لنا على ما هي عليه، بسبب انغمارنا وانغماسنا محلياً فيما يشبه شريحة مِنْ النجوم المنتشرة على شكل سطحِ مفلطح!

1.3) مساهمة الفيلسوف إيمانويل كانط

إيمانويل كانطولم تمض خمس سنوات على نشر كتاب رايت، حتى وجدت أفكاره طريقها إلى الفيلسوف الألماني إمانوئيل كانط (Immanuel Kant) (1724-1804م) (الصورة) صاحب التقدبات العقلية الشهيرة:

أ) نقد العقل الخالص (1781 م)، حيث انتقد فيه العقل النظري في إمكان تمييزه بين الخطأ والصواب، وخلص فيه إلى عدم قدرته على إدراك الواقع.

ب) نقد العقل العملي (السلوكي) (1788 م)، حيث انتقد فيه العقل مجدداً، لكن من جهة إمكانه التمييز ما بين الخير والشر، لينتهي فيه إلى القول بأن العقل السلوكي يساعد على اٌلإقرار بوجود الله، والنفس، والعالم.

ت) نقد الحاكمة (1790)، حيث انتقد فيه قدرة العقل على إدراك غائية الأشياء وجمالها، ليخلص إلى القول ب "ذاتانية" الغائية والجمال.

ث) الدين في حدود العقل البسيط (1793 م) الذي سيتسيب له في مشاكل مع فريدريش-غليوم حاكم ألمانيا. وهو إشكال راهن بالأمس، واليوم وفي المستقبل المنظور، لا ملة ولا وطن له ويرفع دوما كسيف مسلول يتهدد رقاب أحرار الفكر، بغض النظر عن معتقداتهم أو انتحالاتهم، من طرف الطغاة والمتجبرين الكونيين.

لكن، قبل أن يؤلف كانط مجموعته العقلية التي أذاعت صيته في ألمانيا، ثم أوروبا لاحقاً، كان قد أبدى اهتماما بعلم الكونيات في مؤلف لا يقل شهرة نشره سنة 1755 م تحت عنوان: «  التاريخ الكوني لطبيعة ونظرية السماء»(Allgemeine Naturgeschichte and Theorie des Himmels) .

وقد تبنى كانظ في كتابه هذا فكرة رايت السديمية ، وحاول البرهنة عليها باستعمال الميكانيكا النيوتونية (نسبة إلى إسحاق نيوتن) التي عرضها الأخير في كتاب : "المبادئ" (Principia).

ولكي بأخذ القارئ فكرة عن نبض العصر وما كان يشغل بال الفلاسفة والفلكيين منتصف القرن الثامن عشر، فلا ضير من قراءة بعض فقرات من المقدمة المسهبة التي صدر بها كانط كتابه.

يقول كانط:

لقد اخترتُ موضوعاً، يُمْكِنُ أَنْ يَجنح بالعديد مِنْ القرّاءِ لأول وهلة إلى إصدار حكم غير مناسب، بسبب الصعوبات المتأصّلةِ في الموضوع وأيضاً مِنْ (وجهة نظر) الدينِ.

وقد تَبْدو محاولة التبصر في اكتِشاف النظام الرتيبِ الذي يَرْبطُ أجزاءَ كبيرةَ مِنْ الخَليقة في اتساعها اللانهائيِ، ومحاولة إظهار تطور الأجسامِ الكونيةِ ذاتها وسببِ حركاتِها مِنْ الحالةِ الأولى للطبيعةِ (أي السكون)، بواسطة المبادئِ الميكانيكيةِ، تجاوزا كبيرا لسلطان العقل البشري.

ومِنْ منظورِ آخرِ، نجد الدين يتوعد بوعيد ناري من يسمح لنفسه بالمغامرة في إسباغ مثل هذه النتائجِ على الطبيعة في ذاتها ولذاتها، وهو يدرك اليَدَّ المباشرة ل "الكائن الأسمى"، خشية أن يصادف أثناء البحث تقاطعاً مع وجهاتِ النظر التي تدافع عن الإلحاد.

فأنا مُدرك في الواقع لكُلّ هذه الصعاب ولَستُ جباناً. وأحس بكُلّ قوَّة العقباتِ التي سوف تعترضني، ولَستُ يائساً مع ذلك.

لقد تَجشمت القيام برحلة خطرة على أساس فرضية بسيطة، وأَرى من الآن معالم الأراضي الجديدةِ التي سيدخلها أولئك الذين يمتلكون العزيمة للانطلاق في هذه المهمة، ليَتشرّفُوا بإطلاق أسمائِهم الخاصةِ عليها.

ولم أعزم على هذا الأمر، حتى اعتبرت نفسي محصنا (بما فيه كفاية) مِنْ وجهةِ نظر الواجبِ الدينيِ.

لذلك تضاعف حماسي عندما رأيت في كُلّ خطوة (أخطوها)، تبدد الغيومِ التي كان يظهر من وراء غُمُوضَها، وكأن وحوشاً تختفي من ورائها، والتي، ما أَنْ تنقشع، حتى تكشف عن جلال "الكائن الأسمى" في أبهى تألقه.

وسأقدم الآن بإخلاص، وكلي يقين بِأَنَّ هذه الجُهودِ خالية مِنْ كُلّ زعم، ما يمكن أن يعتبره أناس من ذوي النيات الحسنة أَو ضعفاءَ العقول صادما لهم في اقتراحي، وأنا مستعد، وبرحابة صدر، لإخضاعه لتفتيشِ صارمِ من طرف "مجلس المؤمنين الحقيقيينِ"، وهو ما ادلل به على أن قصدي صادقِ. ....

المجموعة الشمسيةوطبقاً لكانط،، ودون الخوض في التفاصيل التي أطال النفس في عرضها بإسهاب لافت ضمن كتابه المشار إليه، فإن نظامنا الشمسي لا يعدو أن يكون مجرّد نسخة مصغرة مِنْ أنظمةِ النجوم الثابتةَ، مثل دربِ التبّانة والمجراتِ الأخرى.

وسوف يلخص كانط ما توصل إليه في هذا الكتاب في رسالة لاحقة حملت عنوان: "المسلمة الوحيدة الممكنة للبرهنة على وجود الله ! " (The Only Possible Premise for a Demonstration of the Existence of God).

وقد أخذ كانط على عاتقه في كتابه هذا أَنْ يُبين حكمةَ الله والغائية في الخلق، للتدليل على وجودِه.

وكان هذا أقصى ما يمكن أن يصدر من عقلاني مؤمن في مثل هذا العصر، خصوصاً وأن القرآن، الذي كان كانط وجيله وأجيال أوروبية لاحقة، لا تدري عنه ولا عن دعاويه ولا عن منطقه الداخلي، سوى ما لفق المترجمون الرديئون أو المغرضون !

1.4) مساهمة يوهان هاينريش لامبير

يوهان هاينريش لامبيروسيأتي بعد كانط الرياضياتي والفيزيائي والفلكي المخضرم الألماني الآخر: يوهان هاينريش لامبير (LAMBERT, Johann Heinrich) (1728-1777) ليدلي بدلوه ه في الموضوع بكتابه: « رسائل كوسمولوجية  حول ترتيب العالم» (Kosmologische briefe über die Einrichtung des Weltbaues. ) الذي نشره سنة 1761م.

وكان سبب اهتمام لامبير بالموضوع أن قرأ رسالة كانط: "المسلمة الوحيدة الممكنة للبرهنة على وجود الله ! " فأعجب بما ورد فيها من أفكار، ليشرع في مراسلة مثمرة مَع الفيلسوفِ بخصوص نظريته.

وقد نتج عن هذه المراسلة أن اختمرت الأفكار في ذهن لامبير، لتتجسد في النهاية في نسخته الخاصة للفرضيةِ السديميةِ لأصلِ النظام الشمسي، التي نشرها في: "الرسائل الكوسمولوجية".

وميز عالم لامبير، مقارنة مع سابقيه أمران:

1)العالم متناهي ومحدود،

2)اشتمال هذا العالم على مجرات وأنظمة نجومية عليا، كل منها مزود بحركة دوران حول مركزها الخاص.

وبالرغم من تخصص لامبير في الفيزياء والرياضبات، إلا أن هذين التخصصين الصلبين، لم يحصناه ليحولا بينه وبين التخريف الحر الذي لا تسنده المعطيات الميدانية!.

وكمثال على هذا التخرص المتفلت من عقاله، قوله: بأن كُلّ مركز من هذه المراكزِ يشغله "وصي" (regent)، الذي هو عبارة عن جسم كثيف جداً، وكبير فوق العادة، وفوق هذا وذاك: معتمً.

وقال بأن "الجسمِ المركزي" أَو "الوصي الأعلى" (supreme regent) يتحكم في هذا العالم كما سماه، وبأن الأخير هو المحرك لكل العالم حوله !

لكن، وبالرغم من هذا الشطح اللائح والمصادم للعقل في عالم لامبير، إلا أن معالجته لموضوعه اتسمت بمنهجية علمية فذة، من جهة استعراضه لمعطيات الرصد المتوفرة له آنذاك ومناقشة النظريات والمقارنة فيما بينها، مع ترجيح ما يترجح منها، واهتمامه بقوة التوقعات النظرية وطرق التحقق منها.

وهو منهج لن يحاكيه أحد بعده سوى مع حلول القرن العشرين.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق