25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

إرهاصات نظرية في النشأة الكونية

1) كيف سيتأتى للفلكي النهضوي الجديد قراءة أسرار الكون بلغة الرياضيات ؟

حوارات مجهضةإذا ما أمكن القول بأن الفلك العياني القديم، منذ السومريين والمصريين القدماء وإلى الفترة الإسلامية التي أقفلته، قد تأسس من أجل خدمة التخرص التنجيمي، الذي هو شرك بواح في عرف الإسلام، فإن فلك النهضة الأوروبي الذي سيعقبه سيتأطر، ومنذ النشأة، بثلاثة كتب، ستكون الإطار المرجعي للحقل فكراً وممارسة:

أ) كتاب كوبرنيكوس: "دوران الفلك السماوي" (De revolutionibus Orbium Coelestium). وهو يؤسس لـ"النظام المركزي الشمسي" بدل "النظام المركزي الأرضي" الذي ظل سائداً منذ أن كرسه الفلكي الإسكندري الإغريقي الأصل: كلوديوس بطليموس {القرن الثاني الميلادي) في كتابه: المجسطي".

ولا يفوتني التنبيه في هذا السياق، من باب الإنصاف ورد الاعتبار، إلى بعض الفلكيين الهنود الذين كانوا سباقين إلى القول بالنظام المركزي الشمسي، وإن لم تصل أعمالهم للأوروبيين سوى لاحقاً، أي: ما بعد عصر "كوبرنيكوس".

تمثال تذكاري لأريابهاتا الأول
تمثال تذكاري لأريابهاتا الأول
ويبرز من بين هؤلاء الفلكيين الهنود الفلكيان: "أريابهاتا الأول" (Aryabhata I ) (476 – 550 م) من القرن الخامس الميلادي (التمثال التذكاري إلى اليسار)، الذي ألف سنة 499 م كتاب: "الأريابهاتية) (Aryabhatiya ) وهو كتاب رياضيات وفلك، اقترح فيه نظاماً شمسيا بكواكبِ تدور حول محاورها وتتخذ لها مدارات إهليلجية (بيضاوية) حول الشمسِ. وهو سبق معرفي باهر بدون جدال، لأنه اعتمد الرؤية البصرية الحديد فقط.

 

بهاسكارا أشارياو"بهاسكارا أشاريا" (1114 م – 1185 م) (Bhaskara Acharya ) من القرن الثّاني عشر الميلادي (الصورة إلى اليمين). وهو أيضاً رياضياتي وفلكي وله عدة مؤلفات؟

ويتبادر إلى الذهن سؤال وجيه يستجدي إجابة شافية على مستوى: "تاريخ العلوم":

هل وقف المسلمون على أعمال هذين الرجلين ؟، مادام كتاب الرياضياتي الهندي: "براهماجوبتا" ( Brahmagupta) (598 م – 668 م) المعروف ب "السيدهنتا" ( Brahma Sphuta Siddhanta ) كان قد ترجم إلى العربية ومنذ سنة 156 هـ، زمن الخليقة المنصور العباسي (ت: 158 هـ/774 م) بأمر منه شخصياً.

ب) كتاب الإيطالي غاليليو جاليلي :"الحوار بين نظامي الكون الكبيرين" {الصورة} الصادر سنة 1632 م، والذي كان له وقع هائل في وقته، لأنه صدر إبان الحظر الذي أقرته الكنيسة ومنذ سنة 1616 م بمنع تداول الكتب التي تتحدث عن النظام المركزي الشمسي الذي يقول بدوران الأرض والكواكب حول الشمس وليس حول الأرض.

 

2) الحوار المُجهض بسبب من الفهم الكليل للنصوص وتحميلها ما لا تحتمل

المتحاورون الثلاث بمدينة البندقية
المتحاورون الثلاث بمدينة البندقية
وقد ارتكزت الكنيسة في منعها لمثل هذه الأطروحات على المخالفة الصريحة لما ورد به النص في سفر ";يشوع بن نون (10 :12-14)":

12 جينئذ قَالَ يَشُوعُ لِلرَّبَّ, يَوْمَ أَسْلَمَ \لرَّبُّ \لأَمُورِيِّينَ أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ, أَمَامَ عُيُونِ إِسْرَائِيلَ: «يَا شَمْسُ دُومِي عَلَى جِبْعُونَ, وَيَا قَمَرُ عَلَى وَ\دِي أَيَّلُونَ». 13فَدَامَتِ \لشَّمْسُ وَوَقَفَ \لْقَمَرُ حَتَّى \نْتَقَمَ \لشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ. أَلَيْسَ هَذَا مَكْتُوباً فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟(1) فَوَقَفَتِ \لشَّمْسُ فِي كَبِدِ \لسَّمَاءِ وَلَمْ تَعْجَلْ لِلْغُرُوبِ نَحْوَ يَوْمٍ كَامِل(2)ٍ. 14وَلَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ \لْيَوْمِ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ سَمِعَ فِيهِ \لرَّبُّ صَوْتَ إِنْسَانٍ. لأَنَّ \لرَّبَّ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ

 

ففهموا من الفحوى غير المباشرة لهذا النص المنقول عن مرجع مفقود : أن الشمس هي التي تدور حول الأرض مادامت قد توقفت هي والقمر ليوم كامل في كبد السماء إلى أن تم النصر لبني إسرائيل بقيادة يشوع على أعدائهم !.

ويدور "الحوار" في هذا الكتاب بين ثلاثة متحاورين التقوا في مدينة البندقية الإيطالية ليتناقشوا حول النظامين المركزيين للكون عند كل من بطليموس وكوبرنيكوس، وهم على التوالي:

-1) فيليبو سالفياتي {Filippo Salviati} ، وهو فلورنسي (نسبة إلى مدينة فلورنسا الإيطالية) الذي ينافح عن وجهة نظر كوبرنيكوس (ابن الشاطر الدمشقي عند المُحاقة}،

 

 

لوحة فنية تمثل صورة أوربان السابع
لوحة فنية تمثل صورة أوربان السابع
- 2) وجيوفاني فرنشيسكو ساغريدو {Giovan Francesco Sagredo} وهو بندقي متنور ومتفتح على المتحاورين ويلعب دور الحكم في النقاش. وهو الرجل وسط الصورة.

- 3) وسيمليسيو {Simplicio} ويظهره الحوار كمنافح سطحي عن فيزياء أرسطو مع جهله التام بها.

وتوحي صورة غلاف "الحوار" أنه الرجل إلى اليمين، بحيث لا تخطئ العين في ربطه بالبابا أوربان السابع (Urban VII) {الصورة}!، حتى وإن كان غاليليو حين جوبه بمثل هذا الإسقاط، تفطن للمخاطر والتبعات فقال بأن سيمليسيو الذي عناه هو: سيمليسيو الصقلي !

3) لماذا طابق مثقفو النهضة الأوروبية دوما بين العقلانية وممارسة العلماء المسلمين ؟

ويتبين من اللباس العربي لجيوفاني أن مصمم صورة الغلاف لا شك كان يطابق في ذهنه بين "العقلاتية" و"الحياد" والعلماء المسلمين.

وهو أمر كان شائعاً بين الأوروبيين المتعلمين آنذاك، الذين لم يأنفوا من اعتبار العلماء المسلمين أساتيذ ومعلمين لهم، كما حصل تماماً إبان فترة تأثر الإغريق بحضارتي وادي الرافدين ومصر حيث اعترف أفذاذ من عيار طاليس، وفيثاغورس وأرسطو والمؤرخ هيرودوت وغيرهم بما للشرق عليهم من أفضال، وهو الأمر الذي سيتكرر مع أحرار الفكر الأوروبي إبان النهضة، حال الراهب البنيدكني البريطاني الشهير أدبلار الباتي (Adelard of Bath) (1070 م – 1135 م) الذي جاب الأندلس، وصقلية، ومصر، ولبنان، وأنطاكيا بحثاً عن المخطوطات العربية في علوم الطبيعة والفلك والرياضيات ليترجمها، وعين عند عودته إلى بريطانيا معلماً للأمير هنري الذي سيصبح لاحقا ملك بريطانيا: هنري الثاني.

يقول أديلار في محاورة دارت بيته وبين ابن أخيه خريج الجامعات الكنسية :

أ)إني - وقائدي هو "العقل" – قد تعلمت من أساتذتي العرب غير الذي تعلمت انت ! فبهرتك مظاهر السلطة بحيث وضعت في عنقك لجاماً تقاد به قياد الإنسان الحيوانات الضارية ولا تدري لماذا ؟ ولا إلى أبن ؟.

أ)فقد مُنح الإنسان العقل لكي يفصل بين الحق وبين الباطل... فعلينا بـ "العقل" أولاً فإذا اهتدينا إليه – لا قبل لك بذلك ! – بحثاً في السلطة، فإن سايرت "العقل" قبلناها وإلا.....3

الحوار المحضِّر: البابا بنديكت 16 (benedict)قلت (عمراني): قارن هذا القول البليغ، من باب: "وشهد شاهد عيان من أهلها" ، الذي أدلى به راهب مثقف وصاحب دراية مباشرة بكتب المسلمين وبعلمائهم،{و لا يتعاطف قطعاً مع الإسلام، وإلا كان قد خرج من عباءته المسيحية}، مع الضجة التي أحدثها خطاب البابا الحالي: "بنيديكت السادس عشر" (الصورة) الذي ألقاه " يوم الثّلاثاء، 12 سبتمبر/أيلول 2006، أمام جمع من العلماء المسيحيين في جامعة "ريجنزبورغ"| (Regensburg) الألمانية، التي كان يدرس بها اللاهوت المسيحي قبل أن يتربع على كرسي "الباباوية"، تحت عنوان: "الإيمان، العقل، والجامعة: ذكريات وتأملات".

وبالرغم من اعتذار البابا مرتين أمام الملأ في خرجتين إعلاميتين:

أ)الأولى: استهجن فيها فهم الناس عامة والمسلمين خاصة، لما قصده في خطابه ! فلم يزد على أن سكب الزيت على النار !،

أ)والثانية: بعد أن اكتشف عقلاء الحوار، أن الاعتذار الأول لم يبدد الشكوك في قصد البابا من الحفر في ذاكرة القرون الوسطى ليعالج موضوعاً راهناً وساخناً وهو: الهجمة الشمولية الشرسة على الإسلام، بسبب وبغير سبب.

فالمآخذ على مداخلة البابا في محاضرته، وخصوصاً بعد صدور النص الرسمي لها، ليس في استشهاده بكتاب سجالي من هذا النوع، فهذا يندرج ضمن حريته المطلقة وحقه غير المشروط في الخلاف والاختلاف كإنسان فما بالك أن يكون حبرا أعظماً للكنيسة البابويةً !.

وقد ألف عقلاء المسلمين هذا النوع من الجدل، ولم يخرجهم قط عن طور اللياقة في التحاور، خصوصاً وهم مؤطرون بنص قرآني محكم وملزم يصرح بدون لبس ولا مواربة:

أ)(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)

وأقدم ما يمكن أن أشير إليه في نقد كتب وعقائد أهل الكتاب من يهود ونصارى ضمن هذا التوجيه الرباني كتاب: "المختار في الرد على النصارى"4 للجاحظ،5 ثم كتابي "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"6 و "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع"7 للأشعري،8 وكتاب "المغني"9 للقاضي عبد الجبار،10 وكتاب "الملل والنحل"11 للباقلاني، وكتاب "الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم"12 لابن طاهر البغدادي،13 وكتاب "شفاء الغليل في الرد على من بدل التوراة والإنجيل"14 للجويني،15، و"الملل والنحل"16 للشهرستاني،17 وكتاب "الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل"18 للغزالي، وكتاب "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"19 لابن تيمية، وكتاب "هداية الحياري في أجوبة اليهود والنصارى"20 لابن القيم الجوزية،21 وكتاب "الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة"22 للقرافي،23 وكتاب "الفارق بين المخلوق والخالق" لباجة جي زاده،24 وغيرها كثير.

وهذه الكتب كلها ألّفت في المشرق الإسلامي، ومن طرف أعلام ذائعي الصيت في العالم الإسلامي المثقف، قبل أن يظهر في الغرب الإسلامي مبدع النقدية التاريخية للكتب المقدسة غير مدفوع: الإمام المخضرم علي بن أحمد بن حزم الأندلسي الظاهري (ت: 456 هـ) ويؤلف كتابه الشهير: "الفصال في الملل والنحل".

ولم يجد مسيحيو الشرق، وهم يجيدون اللغة العربية لغتهم الأم، غضاضة في الرد على مثل هذه الرسائل أو المقالات وفي عصر مبكر وبأساليب لغوية عنيفة في أغلب الأحيان ورافضة، بل وعدوانية كما في كتابات يوحنا الدمشقي25 وابن ربن26 وابن زرعة27 وعبد المسيح28 وابن عدي29 وابن العسال30 وغيرهم. وتميزوا، بحكم معرفتهم باللغة العربية (وهذا يعني تمكنهم من قراءة القرآن في أصله بدل ترجمات مخلة كما سوف يحصل دائما في أوروبا وإلى عهد قريب) ونصوع الحجة القرآنية التي لا تدفع، إلى النزوع إلى الغلو في الدفاع المستميت الذي يتميز به عادة فاقد الأمن، المتشنج في المناظرة فيما يحسبه من مبررات قيام الذات التي لا تقوم لها قائمة إلا بذاك، والمدافع بيأس، المحشور في الأركان، عن أطروحات لا تستضيء بالعقل ولا تستنير بهديه من خلال موروث جاثم ومتمكن، مما كان يضطرهم في أغلب الأحوال إلى الخروج عن طور اللياقة في النقاش والتزام الحد الأدنى من الأدب في الجدل، ويدفع ببعضهم إلى تجاوز الحدود في هذا المجال إلى الاستفزاز الصريح ! بينما شهد حتى الخصوم على موضوعية المجادل المسلم،31 وما ذلك سوى لاختلاف المنطلقات. إذ المسلم مؤطر في جداله بإطار لا يجوز له تعديه ولا الخروج عنه، وتحت أي مبرر كان، لا من باب الغلبة ولا من باب السفسطة، وبآيات كريمة لا تقبل الرد أو التأويل المُخل:

أ)(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) 32 ثم:

أ)(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)33

وغيرها من الآيات.

وهنا تكمن المفارقة ويا لها من مفارقة!

واتسمت الكتابات الجدلية الإسلامية كلها بالتركيز على التناقضات الظاهرة للنصوص أو ما ورد من مفارقات في سلاسل الأنساب أو التواريخ المتشاكسة، والجدل العقلاني بالنسبة للمستحيلات عقلا.

ويعلل الأب روبير شدياق اليسوعي في المقدمة المسهبة التي قدم بها كتاب الغزالي، {أو بالأحرى حاول فيها توجيه فكر القارئ}، إحجام النصارى عن الرد على "الرد الجميل" وتفنيده "لقوة حجة الرسالة ونصاعتها وعمقها".

أ)وهذا يعني أن العقل وحده في التعامل مع أهل الكتاب لم يكن ذا نجاعة كبيرة، وبقي تأثيره محدودا، لأن المخاطبين كانوا قد وطنوا أنفسهم بالتنشئة على تعطيل عقولهم في هذا المجال بدعوى السر الذي لا يفسر.34

المستشرق الفرنسي إرنست رينان
المستشرق الفرنسي إرنست رينان
وهو واقع سيعاني منه المستشرق الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan) (1823 - 1892) ، الذي كان يعد نفسه للتخرج راهبا، حين صدمه أحد اساتذته أثناء استفساره عن بعض الاشكاليات في العقائد المسيحية بأن رد عليه:

أ)أن الذي يستعمل العقل وحده للتدليل على المسيحية ليس بمسيحي!

فكانت بالنسبة لرينان، وها قد طفح عصره بمكتشفات علمية تدحض ما ورد في العهد القديم، القشة التي قصمت ظهر البعير. فخرج من الرهبنة ولم يعقب!

أما الرافد الذي سيلعب الدور الأكبر في إحداث التغيير، أو ما يمكن أن نصطلح على تسميته بمنطق "الحجاجية الصلبة في الجدل"، فسيأتي من الأندلس التي لم تكن بمعزل عن كتابات المسلمين المشارقة، وإتميزوا فوق ذلك بالاحتكاك المباشر مع العنصر الأوروبي الغربي، ولمدة أطول مما حصل للمشارقة أثناء الحروب الصليبية.

وقد شاركت جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا في هذا الرافد، حيث حصل تتلمذ ودراسة وترجمة أدت بحكم التأثر ومنطق الأشياء إلى ردة فعل الإصلاح البروتستانتي، وما تبعه من تحرر من قبضة الإكليروس والرجوع إلى النص.

وهو شيء لا يمكن أن يفسر سوى بالاحتكاك بالمسلمين ونقل ذلك عنهم.

بل من المفارقات العجيبة، أن يجد المرء وفي القرن الحادي والعشرين، من يتبنى مغالطة تاريخية واجتماعية شائعة في الغرب مفادها أن:

مقومات الحضارة الغربية الحالية مقومات يونانية – يهودية - مسيحية !

وهي من أكبر الفريلت، ويراد منها إقصاء الإسلام من الساحة الأوروبية، لأنه في نظر الكنيسة يمثل نداً عقائدياً لا يمكن صده سوى بإبعاده !. وهذا أساس ممانعة البابا الحالي في التحاق تركيا بأوروبا لغالبيتها المسلمة !

أ)أي أن الكنيسة لم تشف بعد من مرض الهيمنة السياسية على أوروبا!

لكن، إذا ما علمت بأن الإغريق تتلمذوا على الشرق لقرون وانبهروا بهم واشتغلوا مرتزقة في عسكرهم، ليأتي الدور على الإغريق ليتبوءوا المد الحضاري، مع حملة الإسكندر المقدوني، ولا يجد المشارقة غضاضة من الأخذ من الإغريق، وقد عدوهم من المنطقة والجوار، ليأتي الإسلام ويهضم كل هذه الموروثات، ويصدرها مجدداً نحو الشمال، ليخرج أوروبا من عصورها المظلمة ويمكنها من النهوض من كبوتها التي عانت منها خلال عصورهم المظلمة، لينعكس المد الحضاري مجدداً ويتجه نحو الجنوب مع بداية الحملات الاستعمارية وإلى اليوم، أدركت ما في الشعار من مغالطة.

ومقارنة بسيطة بين كمية ما نقل الأوروبيون عن المسلمين من أفكار، وما نقل وينقل العرب والمسلمون عن الغرب وحتى وقتنا الحاضر، تبين بجلاء أن الحصيلة المعرفية والتبادل أخذاً وعطاءاً أكبر بأضعاف مضاعغة عن كل تأثير يهودي - مسيحي.

أضف إلى هذا كون الإسلام وارث ومصحح للديانتين، أي متضمن لهما، تدرك أن القسمة في آخر المطاف يونانية – إسلامية بالمعنى الواسع.

لذلك أقول بالفم الملآن، من دون تلعثم، بأن لقاء الأوروبيين بالمسلمين والتأثر بهم، على ما شهدت به شهادة أديلار الباثي وغيره، كان حاسماً في تحرير العقل الأوروبي من عقاله لينطلق في بناء صرح حضارته، ضمن سياق التداول الحضاري بين الأمم.

ويمكن اعتبار مفهوم: "العلمانية" الذي انتهت إليه أوروبا، الثمرة المباشرة لهذا الحوار على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، الذي لولاه ما استطاع أوروبي أن يعلن إسلامه في هذه الديار أسوة بغيره.

أوللتاريخ، وعلى عكس ما يفهم الكثير من المسلمين المتقوقعيين والخارجين عن عصرهم، فحليف الإسلام الطبيعي في حرية العبادة، وبكون "الدين لله" لم ولن تكون الكنيسة البابوية بحال، وهي التي حجرت عليه بكل السبل !، وإنما أحرار الفكر الأوروبي العلمانيين، الذين قضى المئات منهم، محرقين شُعلاً في محاكم التفتيش الكنسية السيئة السمعة والذكر بسبب من احتكاكهم بالمسلمين.

وهو ما يجب على مسلمي هذه الديار الوعي به، والعمل على الرفع من مستواهم الثقافي والديني، وأن يلموا بالتاريخ السياسي والحضاري لدولهم، وأن يعملوا على تفعيل مواطنتهم بإضافة نوعية للمجتمع الحاضن لهم، منفتحين على جوارهم في المطلق، حيث لا غيتو في الإسلام.

الآن، وبعد أن أحاط القارئ الكريم بخلفية الحوار الإسلامي – المسيحي في خطوطه العريضة خلال حقبة القرون الوسطى الأوروبية، فلنحاول معاً قراءة مستبصرة ومتأنية لخطاب البابا الرسمي، لنحكم له أو عليه من دون تحامل أو تشنج.

أ) لاحظ أولا، أن للبابا مطلق الحرية في الاستشهاد بنص سجالي قروسطي للإمبراطور البيزنطي "إيمانويل الثاني" الوارد في: "الحوار السابع" الذي ترجمه ثيودور خوري. فهذه أدبيات معروفة للمسلمين على ما لاحظنا في الرسالة السجالية ل "عبد المسيح بن إسحاق الكندي"، وإنما جاءت الصدمة من إضافة البابا لتعليقاته الهجومية الخاطئة، التي لا يُقبل صدورها من أمي، فما بالك أن تصدر من لاهوتي أفنى عمره في التدريس كالبابا !

فهو يقول في معرض تعليقه على سجالية الإمبراطور بأن الأخير كان يعرف ولا شك الآية 256 من سورة البقرة والتي تقول35:

(لا إكراه في الدين)

وعلق خطا بأن: هذه الآية، وبحسب المتخصصين !، هي من الآيات المبكرة في الدعوة المحمدية، عندما كان الرسول نفسه مهدداً ولم تكن لديه أية قوة !

وأضاف البابا من عندياته: أن الإمبراطور عرف أيضاً البنود المتعلقة ب "الجهاد" التي قررها القرآن.

فهذه ملاحظات ليست خاطئة تاريخياً فحسب، بل مغرضة لأن كل الخبراء بالقرآن: مسيحيين ومسلمين سواء، وعلى عكس ما ادعى البابا، يعرفون أن الآية المستشهد بها في عدم الإكراه في الدين آية مدنية متأخرة، وأنها نزلت عندما كان رسول الإسلام يمتلك السلطة والدولة، وليست آية مكية مبكرة كما زعم!

وهو ما يمكن لأي قارئ للقرآن أن يتثبت منه بنفسه بيسر.

وما هو مغرض هنا هو الإيحاء بأن رسول الإسلام هو مبتدع هذه الآيات، بحسب ظرفه!.

فأن لا يؤمن البابا بالقرآن، ولا بنبي الإسلام، ولا حتى بإله القرآن، بالرغم من تقريرات فاتيكان الثاني بأن المسلمين والمسيحيين يعبدون نفس الإله، ...فهذا حق من حقوقه المشروعة التي لا يمكن أن بُصادره عليها مسلم، مادام يتحمل وحده تبعاتها. لكن أن يعطي لسامعيه تفسيراً خاطئاً للوقائع، فهذا تدليس على سامعيه، ولا يليق أخلاقياً أن بصدر من مثله.

النقطةُ الثانية المثيرة للجدل في مقاربة البابا، هي في تبنيه لرأي الأستاذ ثيودور الخوري مترجم نص المحاورة السابعة مع تعليقاته الانتقائية وحكمه: بأن الله بالنسبة للمسلمين متعالي عن الفهم العقلاني،..... مع أن القرآن طافح بعشرات الأيات الداعية إلى التدبر وإعمال العقل36، حتى أمكن القول بأن "الإسلام" دين العقلانية بامتياز.

البابا بيوس الثاني عشر
البابا بيوس الثاني عشر

والمغالطة التي غالط بها البابا مستمعيه هنا تكمن في كون:

المسلمين لا يخوضون في ماهية الله، لأن عندهم نصاً صريحاً ومعقولاً يقول عن الله: (ليس كمثله شيء).

وبالتالي، فالعقل لا يسعف في الخوض في مثل هذا الموضوع، لأن الله هو خالق الإنسان وليس العكس !. وبتالي التوالي فلا يمكن للإنسان أن يعقل عن الله سوى ما يوحي له هو نفسه به لأنه خالقه، تماما، ومع الفارق الكبير، لو انتظرنا أن يتصور حاسوب متطور ما هو الإنسان، من دون أن يضع المبرج الذي برمجه الإجابة في ذاكرته !.

والدليل على أن الخوض في موضوع كهذا ممتنع عقلاً ولا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة أدركه الشاعر اليوناني كسينوفانيس( Xenophanes )( 570-475 ) حين أشارَ إلى كون الآلهةَ اليونانيةَ هي من صنع الشعب اليوناني، الذي صوّرَهم على مقاسه، كما صور الإثيوبيون آلهتِهم سوداً، وصور الثراسيون (Thracians) المشهورون بشَعرِهم الأحمرِ، آلهتهم مثلهم، ...وهلم جرا، ليستنتج بأنّ الآلهةَ كَانتْ مخلوقاتَ صنعها المتعبدون وليس العكس، إلى أن قال:

لو كان لبقرة أو فيل،..أن يفكروا مثلنا نحن البشر، لتصوروا آلهتهم، كل على انفراد، على شاكلته هو !.

فأنت ترى ان كسينوفانس توصل بعقله المحض إلى حقيقة يصعب القفز فوقها أو اللف والدوران حولها. ومن هنا تفهم لماذا تطور مفهوم: "اللاهوت" في الكنيسة، بينما انعدم بإطلاق في الفرعين الإبراهيميين الآخرين:"اليهودية و"الإسلام" المركزين على التوحيد المطلق. ف "اللاهوت" كمعرفة لا يمكن أن يكون له معنى سوى عند الفلاسفة الإغريق لكثرة ما عندهم من آلهة والشعب صانعها، وعند الكنيسة التي يعرف الخبراء مدى تأثر نواتها الاعتقادية الصلبة بالأفكار الوثنية.

هذا على صعيد المحتوى، أما من جهة التوقيت، فقد يقرأ الكثيرون في خرجة البابا فكاً لغزل ما نسج سابقوه القريبي عهد بالمنصب، ليعود "الحوار الإسلامي-المسيحي" القهقرى إلى مرحلة العداء السافر التي كانت سائدة خلال منتصف القرن العشرين، وتحّمل وزرها البابا "بيوس الثاني عشر" الذي ما انفك يصدر الرسائل والتوجيهات لرعيته من أجل معاداة المسلمين، لأنه كان يرى في الإسلام الخطر الداهم على كنيسته !

فقد صرح هذا الأخير في رسالة له بعنوان: "هبة الإيمان"  : (Donum Fides ) أصدرها أواخر سنة 1957 م بأنه:

يرى في انتشار الإسلام في إفريقيا خطراً على الكنيسة !

وصدرت في فترة ولايته توجيهات كنسية رأت في نشاط الإسلام وفعاليته العالمية كارثة تضاهي كارثة "الشيوعية" !، كما سيرد في كتاب: "الإرساليات الكاثوليكية"

4) لماذا مثل العداء للمسلمين دوماً القاعدة لدى البابوات وليس الاستثناء

والمستقرئ للتاريخ الكنسي، يكتشف بذهول بأن هذا الموقف العدائي والمتشنج حيال الإسلام مثل موقفاً بنيوياً ثابتاً في تعامل الكنيسة مع الإسلام والمسلمين عبر تاريخها كله ولأزيد من أربعة عشر قرنا.

ولا شك أن الفترة التي ساد فيها اللغط بالحوار، منذ صدور وثائق فاتيكان الثاني سنة 1965 م، وإلى وفاة البابا الأخير، لم تكن لتخرق هذه القاعدة كاستثناء، وإنما مثلت حالة نفسية عابرة أملتها الحرب الباردة، وأملاها وشجع عليها العم سام.

وبزوال العدو الإيديولوجي الروسي، فكان منتظراً أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة.

وهكذا بحث مؤدلجو السياسة وصناع القرار في أمريكا على عدو وهمي يشغل مكان الاتحاد السوفياتي الذي صار شاغراً، ليلوحوا به كفزاعة للمواطن الأمريكي، كلما داهمتهم مدلهمة، خصوصاً وأن الكثير من الدراسات الاستشرافية التي قامت بها مؤسسات متخصصة وازنة من شاكلة صنادق الأفكار (Think-Tank) المتأكدمة أجمعت على كون أمريكا قادمة على فترة تفكك خلال العقود القادمة، وبأن القرن ربما يكون من نصيب الصين أو الهند، ما لم تحصل معجزة على صعيد المؤسسات السياسية التي اهترأت لأسباب عديدة لعل أهمها اثنتان:

1) عقم النظام السياسي الأمريكي الحالي في تفريخ مبدعين في السياسة، بالرغم من إمكاناته الهائلة التي أسعفته في الماضي. ويعود السبب في ذلك عندي إلى خاصية التطفل الفئوي على الجهاز السياسي والتنفيذي لهذه الدولة العظمى، واستغلال مقدراتها لصالح لوبيات وأقليات أنانية، وهو داء عضال قاتل للديمقراطية، لم يتفطن له المنظرون الذين كتبوا الدستور الأمريكي ليحصنوا نظامهم منه!

2)تبؤ المهرجين والديماغوجيين والمتطرفين اليمينيين الدينيين العديمي الكفاءة والتجربة والرؤية المستقبلية مقاليد الحكم. وهو ما أفرغ المؤسسات السياسية والأكاديمية من المضمون والمحتوى، لأن مقدمي المقترحات والآراء بها، لم يعودوا يختارون بحسب الكفاءات، وإنما بمعايير المحسوبية والقرب أو البعد من الفئة الطفيلية المسيطرة.

لذلك، فأن يجد صناع القرار من صبيان النظرية المتصهينين في الولايات المتحدة عدواً في الإسلام:

الدين الرحمة المهداة للعالمين،

وأن يجيش الشعب الأمريكي الطيب، على ما خبر كاتب هذه السطور الذي كانت له من بينهم معارف وصداقات، في حرب صليبية لا ناقة له فيها ولا جمل، تحت ذريعة محاربة الإرهاب !، أو أقطاب الشر!، أو "الفاشيين"، وبمثل هذه البنية الزجاجية الهشة في الحكم ! دليل قاطع، على إفلاس الإمبراطورية، وبأن القيمين على رسم سياستها اختاروا الانتحار والفناء لهذا الشعب بدل التقدم والازدهار.

فليس إذن غريباً، ومن باب تربيع الدائرة، أن تعود الكنيسة البابوية إلى احتلال مربعها الأول أمام العسكر، إما تسبقهم إلى ميادين الحرب كجواسيس، أو تأتي بعدهم لتطوع الأرواح بعد أن احتل العسكر الأوطان وفتك بالأبدان.

مسرحية اعتادت الكنيسة البابوية على إخراجها ضمن تاريخها الطويل.

وبمجرد أن يلقي المرء نظرة ولو عابرة على السيناريو، فهو لا يعود بحاجة ماسة إلى معرفة من سيؤدي دوراً من الأدوار التي تتطلبها المسرحية.

والتفسير الموضوعي الوحيد عندي، بناءاً على هذه الخلفيات التاريخية، لخرجة بنيديكت، أو أي "بابا" آخر كان سيشغل منصبه بدله أو بعده في المستقبل القريب أو البعيد، ضمن هذه الظرفية الجيوسياسية، هو أداء دور ظرفي وثانوي بالأساس، يمكن أن يؤديه غيره لو استعفى!.

ومن هذا المنطلق، فلا يعدو بنيدكت قدره، مادام قد سبقة إلى عزف ذات النغمة أساطين اليمين المتطرف الأمريكي، من شاكلة بيلي غراهام، وجيري فالويل، وبات روبرتسون وغيرهم المحسوبين على البروتستانتيين !

بيلي غراهام جيري فالويل  بات روبرتسون 

فنحن إذن، وكأننا بإزاء سانفونية نقنقية لضفادع منتفخة الأوداج تتجاوب فيما بينها على أرضية مستنقع آسن بتواصل فطري على ضفتي المحيط.

5) كيف يمحو كلام النهار كلام الليل في تعامل الكنيسة مع المسلمين ؟

البابا جورجيوس السابع
البابا جورجيوس السابع
لا شك أن هذا موقف متذبذب عودنا عليه الباباوات عبر التاريخ، حيث يمحو دوما كلامهم الليلي كلامهم النهاري، ضاربين دوماً، ولأسباب سياسية عابرة، بوثائق وعهود رسمية، حال: أولاً:

رسالة البابا جريجوريوس السابع {الصورة} إلى الناصر بن علناس بن حماد بن زيري أمير بجاية سنة 1076 م، جاء فيها:

جريجوري، أسقف، خادم خُدّامِ الله، إلى الناصر، ملك موريتانيا، المحافظة السيتيقية بإفريقيا، سلام وبركة رسولية. كَتبتم إلينا معاليكم هذه السَنَةِ تُطْلَبون منا توسيم الكاهن الخادم (بحاضرتكم) أسقفاً، طبقاً للأعراف المسيحيةِ فعجّلنَا بالموافقة، لأن طلبَكم كَانَ صحيحاً. وقد أرسلتَم لنا في نفس الوقت هدية، وقد افتديتم ِإحلالاً للسعيد بطرس أمير الحواريين، وحباً لنا، الأسرى المسيحيين الذين كَانوا بمملكتكم، ووعدتم بفك من تجدونه منهم. فالله، خالق كُلّ الأشياء، الذي من دونه لا نملك شيئاً مطبقاً، ألهمَكم بالتأكيد هذه الشفقةِ وأعد قلبكم لهذا الفعل الكبيرِ. الله العظيم، الذي يُريدُ الخلاص لكل الناس وبأن لا يهلك أحد في الحقيقة، لا يرضى عن أيّ شئَ أكثرَ في جوارنا، سوى حبَّ أمثالنا، بعد الحبِّ الذي نَدِينُه له، والحفاظ على هذه النصيحةِ: إصنع مَع الآخرين ما توَدُّ أن يصنعوا معك. يجب علينا، أكثر مِنْ الناسِ الآخرينِ، مُزَاوَلَة هذه الخصلة مِنْ الصدقةِ، أنتم ونحن الذين، نعبد نفس الإله الواحد، والذي نُمجد فيه خالق القرونِ وسيدِ العالمِ. الأشراف بمدينة روما، بَعْدَ أَنْ علموا بواسطتنا بالفعل الذي ألهمكم الله، قدروا علو همتكم وأذاعوا بالثناءُ عليكم. إثنان منهم، وكلاؤنا، الأكثر ألفة، "ألبريك" ( Alberic ) و (Concius"، اللذان تربيا مَعنا منذ شبابهما في قصر روما، يَتمنّيان إلى حدٍ كبير أن يَكُونَا قادرين على إرضائكم في هذه البلادِ. لقد أرسلا بعضَ رجالِهما إليكم، ليخبروكم بمدى تقدير سيداهم لتجربتِكمَ وعظمتكم، وكَمْ هما سَيَكُونانَ سعيدين لِكي يَكُونا مفيدينَ لكم هناك. نَوصي بهما إلى فخامتكم، ونَطلب منكم لهما ذلك الحبِّ وذلك الولاءِ الذي سيكون لنا دوماً حيالكم وتجاه كل ما يتعلق بكم فاللَّهُ يعلَمُ أن تمجيده يلهم الصداقة التي كرّسنَاها لكم وكَمْ نَتمنّى خلاصكم ومجدَكم في هذه الحياةِ وفي الأخرى. وندعوه من أعماق القلبِ أن يستقبلكم، بعد حباة مديدة، في كنف غبطة الأب إبراهيم القديس الأعظم ”

أنظر:

Relations and trade of Septentrional Africa or the Maghreb with the Christian nations, Paris, 1886, pp. 42-43

لاحظ أن المبادرة جاءت من الناصر الذي طلب من الكرسي البابوي أن يزود مسيحيي بجاية برجالات دين معتمدين لدى البابا. وهو ما لم يكن إمكان تصور انعكاسه، أي مد مسلمين بفقيه في بلد يحكمه مسيحيون في تلك العصور!. بل إن الكنيسة ستستفرد فقهاء الأندلس بالذات بالتحريق لكونهم ذاكرة الإسلام الحية إبان محاكم التفتيش بإسبانيا.

لكن إذا ما علمت أولاً بان هذا البابا قرر في البند الحادي والعشرين من وثيقة وجدت ضمن ملفاته وتتفق مع افكاره بان:الكنيسة الرومانية مَا سَبَقَ أَنْ أخطأتْ؛ ولا أنها سَتخطئ أبد الدهر بشَهادَة الكتاب المقدّسِ.وهو ما سيعترف صائغوا وثائق فاتيكان الثاني عن مضض بخلافة فقط سنة 1965. وإذا ما علمت ثانياً بأن هذا البابا هو أول من خطط للحروب الصليبية التي سينفذها لا حقاً خلفاؤه على الكرسي البابوي أدركت أن شيئاً ما ليس على ما يرام في مودة البابا الظاهرة تجاه ناصر بجاية !

وسيكرر فاتيكان الثاني ذات الصيغة المبتذلة !: أي كون المسلمين والمسيحيين يعبدون نفس الإله (الأب في عرف ثالوثهم) التي هي من تحصيلات الحواصل، كما سيرد في إحدى وثائقه الرسمية لسنة 1965 م، المبررة للحوار مع المسلمين، لعدم وجود غيرها!

فلم يكن إذن حافز البابا، الذي تولى كرسي البابوية سنة 1073، من مراسلة الأمير البجاوي مودة اكتشفها أخيراً حيال المسلمين، ملمحاً قيها إلى البنوة في إبراهيم عليه السلام، وبكون "الخلاص" يشمل أمثال الناصر ! بقدر ما كانت رداً عاطفياً على التفانة من الناصر تجاه مسيحييه !، إبان ظرفية تاريخية كان البابافيها مشغول البال بالشجار المصيري الذي تكرس بينه وبين الإمبراطورية خلال الفترة الممتدة بين سني: 1076 م – 1122 م.

وهو الشجار المعروف تاريخياً ب: "شجارَ الترشيحاتِ"، نسبة إلى تعيين الأساقفة من طرف الإمبراطور أو البابا.

وقد كان للإمبراطورية سيطرة تامةُ على الكنيسةِ، إلى درجة أنها خَلْعت عِدّة باباوات من مناصبهم.

وبما أن البابا انتخب إلى كرسي البابوية سنة 1073 م، بالرغم مِنْ المعارضةِ الإمبراطورية، فلن يحتاج المرء أن يحفر أكثر في التاريخ الداخلي الأوروبي، ليدرك أن المراسلة بين الرجلين ظرفية في المطلق.

ثانياً:

وثيقة مجمع فاتيكان الثاني (1962 – 1965 م) الداعية إلى نسيان ترهات الماضي وبدء "الحوار الإسلامي – المسيحي"، على أسس أكثر عقلانية وموضوعية، إلا لينقض روحها وفحواها البابا الجديد بنيدكت السادس عشر بحفره في ذاكرته القروسطية التي لا تبلى عن دردشة حصلت بين الإمبراطور مانويل الثاني المعروف بجهله المطبق بالإسلام وبرسوله، مادام الباباوات أنفسهم كانوا دوماً بمثل هذه الضحالة المعرفية، ومسلم من تركيا (قاضي !)، ثلاثة قرون بعد أديلار !

فإذا ما علمت بأن الحوار بين المسيحيين والمسلمين كمؤسسات يندرج ضمن النوافل لقلة غُنيته، لأن الموضوعات التي يمكن أن يتناولها الفرقاء بالنقاش وبتبادلون الرأي فيها محدودة جداً بطبيعتها، ولا تتعدى تبادل الرأي في المسائل الاجتماعية والأخلاقية، مادامت السياسة كالعقيدة تعتبران خارج النقاش بين الطرفين.

الأولى: لأنها محظورة على الكنيسة في الدول الغربية من باب فصل الدين عن الدولة بحسب القول المنسوب إلى المسيح عليه السلام: إعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر (ولم تقبل به الكنيسة البابوية سوى مرغمة!).

والثانية، لأن المكون العقدي الصلب للطرفين: المسلم والمسيحي معروف لكليهما بما فيه كفاية، ولا مطمح لطرف في أن يغير أو يبدل من قناعات الآخر.

فما بالك وأن تكون مثل هذه القناعة لدى المسلم مبنية على نصوص ثابتة الدلالة والمعنى ولا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها مثل ما جاء في سورة {آل عمران، الآية 45}:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

بل لا تجد مسلماً ملماً بدينه يذهب به الشنآن، وتحت أي ظرف من الظروف، إلى التحامل الأعمى على من يخالفونه في الاعتقاد، ليكبكب كل أهل الكتاب في سلة واحدة بحسب ما جاء في منطوق {الآية 77 من آل عمران} :

(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)

ولعل ما يخفف من وقع الضجة التي أحدثها رجع صدى القرون الوسطى على لسان بنيديكت، طلسم أديلار نفسه، الذي يقول بالفم الملآن بأن:

لا قبل لأمثال البابا بهذا: أي "العقل" أو "التعقل" !

6) للخائف عذره

نسخة الترجمة الأولى للقرآن الكريم إلى الإنجليزية
نسخة الترجمة الأولى للقرآن الكريم إلى الإنجليزية
لذلك أجد بعض العذر لأمثال: "كوبرنيكوس"، و"هارفي"، و"تيخو براهي"... وكل من متحوا من مؤلفات المسلمين،دون ذكر اسمهم، لخشيتهم من الوقوع تحت طائلة محاذير الكنيسة، التي يمكن أن ترى في مثل هذا الصنيع الأريحي تعاطفاً مع الإسلام. وهو ما حصل مع الكثيرين، إلى درجة أن البلوى بهذا الحجر على الفكر الحر، لم تقتصر على محاكم التفتيش البابوية لوحدها، بل تعدته إلى الكنيسة الأنجليكانية البريطانية أيضاً، حال المترجم الأول للقرآن إلى اللغة الإنجليزية: "جورج سيل" (George Sale) في ترجمته الصادرة سنة 1734 م (صورة الغلاف )، الذي لم تشفع له المقدمة غير المنصفة التي صدر بها ترجمته، إلا ليتهم مع ذلك بإخفاء إسلامه !

وهو ما سيتكرر للأسف مع تلميذ نيوتن وخلفه على الكرسي اللوكاسي للرياضيات (): ويليام وينستون (William Whinston) (1666 – 1753 م) الذي سيفقد كرسيه ومنصبه بسبب من ذات التهمة التي لا تقوم على أساس منطقي معقول!

لقد كان من المستحيل على مسيحي أن يكتشف الإسلام بأوروبا القرون الوسطى، على خلفية الدعاية المضحكة التي كان تروجها الكنيسة ورجالاتها حول الإسلام، والرسول والمسلمين.

لذلك كان الاتهام بالإسلام، جنحة كافية لأن تنتهي بصاحبها، متى ألزقت به، إلى الانتهاء "شعلة كرنفالية" فوق خازوق، تسلية لساديي الكنيسة، على ما خلد رسام اللوحة المقابلة.

 

Imageوقد عانى كل أحرار أوروبا والأقليات الدينية المختلفة من هذا العسف المصادر للفكر إلى درجة أن الكثير من هؤلاء كانوا يبدلون ما في الوسع لتلافي التهمة، حال الفيلسوف الفرنسي الشهير روني ديكارت (Rene Descartes René 1596- – 1650 م) المعاصر لجاليليو {الصورة)، الذي سيتنكب عن نشر مؤلف لسيق بموضوع حوار غاليليو حمل عنون: "رسالة العالم والنور" (Traité du Monde et de la Lumière))، عندما بلغه ما تعرض له غاليليو. بل سيغير وجهته الفكرية وجهة أخرى ليشتغل بالفلسفة بدل الفلك للمخاطر المتوقعة، وهو ما يستشف المرء من عناوين مؤلفاته اللاحقة التي شهرته كفيلسوف وليس كفلكي.

ت) كتاب : "المبادئ الرياضياتية للفلسفة الطبيعية" { Philosophiae naturalis principia mathematica } الذي نَشرَه البريطاني إسحاق نيوتن (1642-1727) {الصورة إلى اليسار} في سنة 1687 م.

ومن عجائب الصدف التي لها دلالتها الخاصة، أن يولد نيوتن في ذات السنة التي توفي فيها غاليليو غاليلي محجوراً على فكره ومعزولاً عن العالم في غياهب سجون الكنيسة البابوية إبان محاكم التفتيش السيئة السمعة والذكر.

 

إسحاق نيوتن
إسحاق نيوتن
ويمثل كتاب "المبادئ" بِداية الرَّيْضَنَة النظرية لمظاهر ا لطبيعة {Physics’s mathematisation}، المجسدة لتوصية غاليليو القائلة بأن الكون إنما كتب بلغة الرياضيات.

وقد اشتمل الكتاب على كُلّ القواعد الرئيسية للميكانيكا التقليديةِ مثل:

مساواة الفعل لرد الفعل،

ومبدأ القصور الذاتي،

وقانون الجاذبيةِ الكونيةِ.

وقد قسم نيوتن كتابه هذا إلى ثلاثة كتب فرعية.

ويبدأ الكتاب الأول بثمانية تعاريفِ وثلاث بديهياتِ. وتعرف الأخيرة الآن ب "قوانينِ حركة نيوتن". وهي كالتالي:

(1) يَستمرُّ كُلّ جسم على حالتِه مِنْ الاستقرار، أَو في حركة موحّدة خطية مستقيمة، ما لم يُرغَمُ على تَغيير تلك الحالةِ بقوى خارجية (وهو ما يمثل: مبدأ الققصور الذاتي).

(2) يتناسب التغيير في الحركةِ مع القوةِ الحافزةِ ويحصل في اتجاه الخَطِّ المستقيمِ الذي تعمل فيه تلك القوةِ بحسب القانون (القوة= الكتلة × العجلة).

(3) يوجد دائما لكل فعل ردّ فعل مساوياً له في القيمة ويعمل في الاتجاه المعاكس.

وينتقل نيوتن بعد هذه البديهياتِ، ليعالج الفروض والنظريات والمسائل بطريقة منهجية خطوة فخطوة.

وقد خصص نيوتن كتابِه الثّاني لوصف حركة الأجسامِ التي تتعرض لمُقَاوَمَة الأوساطِ التي تتحرك فيها بالإضافة إلى حركةِ المائعات الحاوية لها.

رونيه ديكارت
رونيه ديكارت
وقد أثبت في هذا الكتاب بأنَّ الدوّاماتَ (vortices) التي لجأ إليها الفرنسي روني ديكارت (Descartes ) لتَفسير الحركةِ الكوكبيةِ لا يُمكنُ أَنْ تَكُونَ مكتفية ذاتياً؛ وبين أن النظريةَ الدوّاميةَ لا تتسق مع القوانين الكوكبية الثلاث التي قال بها الفلكي كيبلر (Kepler).

وبعد أن انتهى نيوتن من دحض نظرية ديكارت، شرح بوضوح: كيف تتم هذه الحركات في الفضاء الحرِ بدون دوّاماتِ، وذلك من خلال الاستعانة بما أورد في الكتابِ الأولِ.

أما الكتابِ الثّالث المعنون ب: "نظامَ العالمِ"، فقد خصصه لشرح التطبيقات العملية لقوانين حركته الثلاثة في إطارِ مرجعي للعالمِ، مثبتاً َأخيراً: بأنّ هناك قوَّة الجاذبيةِ التي تَخضع لها كل الأجسام ومنطوقها كالتالي:

 

كل جسمين يتجْاذبانِ فيما بينهما طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسياً مع مربعِ المسافة الفاصلة بينهما.

قانون الجاذبية (اضغط على الصورة لتكبيرها)وهو ما عبر عنه رياضياتياً بالصيغة التالية:

قوة الجاذبية بين جسمين (ق) = {مربع المسافة بين الجسمين (س2) }/ ثابت كوني (ث) × كتلة الجسم الأول (ك1)× كتلة الجسم الثاني (ك2) أي اختصاراً:

ق = س2/ث×ك1×ك2

وتعتمد قيمة الثابت الكوني (ث) على الوحداتِ المستعملة لقياس الكتلةِ والمسافةِ.

وختم نيوتن الكتاب الثالث، بتطبيقات لقوانينه على حركةِ الكواكبِ وأقمارِها،و مبادرة الإعتدالين، والمَدِّ والجزر، وحركة المُذَنّباتِ، من باب إظهار قوة نظريته.

ويمكن القول بأن كتاب " المبادئ" لنيوتن وحّدَ عمل الجاذبية في السماء وفي الأرض بمجموعة وحيدة مِنْ القوانينِ. وهو ما مثل طفرة نظرية هائلة في الحقل، سيكون لها أثرها البالغ في التوقع بوجود كواكب غير مرئية للفلكيين لأول وهلة!

وسيمثل هذا الكتاب الشق الرئيس من الإطار المرجعي للمنظورية الجديدة للعالم الطبيعيي من خلال الرياضيات.

الرياضيات التي ستكتسب من الآن فصاعداً شرعية تفسيرية ملازمة للحقل.

7) الإسقاطات العقدية الدينية للميكانيكا النيوتونية

وقد عالجتْ نظرية نيوتن الميكانيكية الكونَ كما لو كان آلة، بناها الخالق لتجري على مبادئِها الخاصةِ ومستقلة عن تدخله ! مع العلم بأن نيوتن لم ينف على الله القدرة على التدخل وإنما قالَ بأنّه لا يحتاج إلى ذلك!.

وسيمد منظرون آخرون بعد نيوتن هذا المفهوم الميكانيكي ليسقطوه على حقول أخرى مثل: البنى الإجتماعية، والاقتصاد، والسياسة، وهلم جرا، والتي ستعتبر جميعها مستقلة عن تدخل الله وفعله !

فكُلّ هذه الحقول في نظر الميكانيكيين، يُمْكِنُ أَنْ تُفْهَمَ وتُعالجَ بطرق عقلانية، ما دامت جميعها تخضع لقوانين ثابتة يفهمها العقل البشري.

وسيتولد عن هذه التأويلية الميكايكية مذهب جديد في الاعتقاد سيكون له رواج كبير بين مثقفي النهضة وهو: : "التأليهيية" Deism) وهو مذهب يقر بوجود الله الواحد الأحد، إلا أنه ينكر الوحي والمعاد !.

وسيعتبر نيوتن مسترشداً بهذه المنطلقات النظرية: أن "التثليث المسيحي"، خرافة مسلية في أحسن أحوالها، لعدم معقوليتها!.

وسيقفو أثره في هذا المنحى حذو القدة بالقدة تلميذه "وبليام وينستون" (William Whinston) الذي سيطرد من الجامعة لاتهامه بأنه مسلم يُخفي إسلامه!

وهي وقائع تبين بالملموس لمن ألقى السمع وهو شهيد، أن مسيحيي القرون الوسطى، وعلى اختلاف مشاربهم وأطيافهم، لم يتعرفوا قط على الإسلام الحق الناصع الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

ولن يتغير الحال كثيراً في عصرنا الحاضر، بالرغم من مرور قرون على هذه القراءة الخطأ للإسلام، وبالرغم من مرور نصف قرن على دعوى التحاور مع المسلمين، وإعادة النظر في الأطروحات القديمة، التي أطلقها مجمع فاتيكان الثاني سنة 1965 م !

فلجوء البابا، وفي القرن الحادي والعشرين، إلى الاستشهاد بسجالية إمبراطور من القرون الوسطى، عما جاء به محمد ( من جديد ! يكرس هذا الفهم.

وردا على اعتراض إيمانويل الثاني، وتبني البابا بنيديكت لاعتراضه، بخصوص سؤاله: ما الجديد فيما جاء به محمد من جديد، أقول:

1) لقد أعاد الاعتبار للتوحيد المطلق وهو أساس كل الدعوات من قبل،

(2)كل ما قال به القرآن بخصوص الكتب المقدسة، وبدخول التحريف عليها، أو بخصوص بعض الشخصيات التاريخية، أو في العلوم وعلى اختلاف تخصصاتها، وجد مصداقيته على محك الواقع، وهذا رائز فيصل للحكم على الدعاوى. وهو ما لا يمكن ادعاء تحقق مثله في أي كتاب آخر.

3هانز كونج) جاء بنظام شرائعي كامل،

فإن لم تكن هذه معايير للنبوة، بالمدلول القوي، كما سيصرح بذلك اللاهوتي الألماني هانز كونج (Hans Kung)، ليطرد من جوار بابا حواري آخر !، فما تكون النبوة إذن ؟

انتهى

ويليه إرهاصات نظرية لتفسير تكون المجموعة الشمسية

الهامش:

1 كتاب مفقود ليس له اثر بعد عين، حال كل أصول "العهد القديم" و"العهد الجديد" ! فكل هذه الكتب كتب ثانوية استنسخت من أصول فقدت وإلى الأبد. ولا مقارنة لمثل هذه النصوص مع النصوص الإسلامية. إذ لا مثيل لنص القرآن لدى اليهود أو النصارى كمرجع موثوق ومحفوظ، بل إن أضعف الروايات الإسلامية أوثق من أوثق مصدر يهودي-مسيحي، لأن لها سنداً نعرف به من روى الخبر ومن نقله عنه لاحقاً إلى أن تم تدوينه، وبالتالي إمكان إصدار حكم حول الراوي والمروي من جهة النقل بل ودرجة وثوقية هذا النقل. أنظر ما نكتبه على هذا الموقع.

2 لاحظ أن كاتب النص يذكر مرجعاً مفقوداً متح منه نصه وأعاد كتابته بأسلوبه الخاص!. وهو ما جعل أب النقد التاريخي للكتب المقدسة: الإمام علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (384 هـ/994 م – 456 هـ/1064 م) رحمه الله ينعت مؤلفي أسفار العهد القديم ب: "المؤرخين الرديئين" أنظر كتابنا: "مدرسة ابن حزم الأوروبية في النقد التاريخي للكتب المقدسة".

3 أنظر: نجيب العقيقي: "المستشرقون" (1: 111)، نشر دار المعارف، ط. رابعة، القاهرة.

4 الرسالة اكتشفها المستشرق الأمريكي ج فنكل ونشرتها المطبعة السلفية بمصر سنة 1344هـ/1925م، ثم حققها وعلق عليها د. محمد عبد الله الشرقاوي ونشرها عند دار الصحوة 1405هـ/1985م.

5 أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الكتاني البصري المشهور بالجاحظ (وفاة: 255هـ/868م)، رئيس مذهب في الاعتزال يعرف باسمه "الجاحظية"، وصاحب التصانيف الشهيرة كالبيان والتبيين، والحيوان، والبخلاء، إلى غير ذلك. وقد اهتم بتحقيق رسائله المستشرق الهولندي فان فلوتن (1866-1903م) والمستشرق الفرنسي شارل بيلا (1914-1981م).

6 نشره المستشرق الألماني هـ. رتر (1892-1971م) في إصطنبول سنة 1929م في جزئين، ثم محمد محيي الدين عبد الحميد في مكتبة النهضة سنة 1950م.

7 حققه ونشره الراهب اليسوعي الأمريكي الأب ر.ر.ج مكارثي (1913-1977م) سنة 1954م.

8 أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري (260هـ/873م-324هـ/935م) صاحب التصانيف الكلامية، كان معتزليا وتتلمذ لشيخهم في عصره أبي علي الجبائي (وفاة: 303هـ) وصحبه أربعين سنة واشتهر بالمناظرة، ثم خرج من الاعتزال وتوسط فيما عرف فيما بعد بمذهب أهل السنة والجماعة حتى صار العمدة في العقائد عند المغاربة والمشارقة على السواء.

9 بدأ في إملاء هذا الكتاب في مدينة رامهرمز من نواحي خوزستان بفارس سنة 360هـ ولم يفرغ منه إلا بعد عشرين سنة ينقحه ويهذبه. والكتاب ينقسم إلى عشرين جزءا ولازالت تنقصه ستة أجزاء لم يعثر عليها بعد. وقد عثرت عليه بعثة دار الكتب المصرية في مكتبة صنعاء باليمن وعملت على تحقيقه. وفيه بسط لآراء المعتزلة بعد أن كان لا يوقف عليها سوى من خلال أقوال الخصوم. وهو يتعرض للملل في كتابه الخامس المقسم ستة أقسام، الأول للمانوية والمزدقية والديصانية والمرقونية والمهانية والصابئة والمقلاصية والثنوية. ويعرض القسم الثاني للمجوس، ثم القسم الثالث للنصارى وفرقهم ويبطل قولهم في التثليث والحلول والاتحاد.

10 أبو الحسن عبد الجبار بن عبد الجبار الهمذاني الأسد آبادي (324هـ/935م-414هـ/1023م) القاضي الأصولي المتكلم بلغت كتاباته أكثر من 400 ألف ورقة في الكلام والتفسير.

11 ذكره له حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1840، وهو مفقود، و"دقائق الكلام والرد على من خالف الحق من الأوائل ومنتحلي الإسلام" وهو مفقود كذلك، و"إعجاز القرآن" وهو مطبوع. وغيرها.

12 حققه المستشرق الألماني كارل بروكلمان (1868-1956م) ونشره سنة 1925م، وكان قد طبع سنة 1328هـ/1910م بعناية محمد بدر عضو الجمعية الملكية بأدنبرة والمحرر بدائرة المعارف الإسلامية بليدن.

13 أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (وفاة: 429هـ/1037م) الأصولي المتكلم.

14 نشر من طرف الرئاسة العامة للبحوث العلمية بالرياض سنة 1403هـ/1982م.

15 أبو المعالي عبد الملك بن يوسف بن محمد الجويني، إمام الحرمين (419هـ/1028م-478هـ/1085م) شيخ الإمام أبي حامد الغزالي.

16 نشره المستشرق الأنجليزي وليم كورتن (1508-1864م) في مجلدين بلندن سني 1842-1846م وطبع بالمطبعة العنانية سنة 1846م، وطبع بهامش "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم في مصر سنة 1317هـ/1899م.

17 أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني (467هـ/1074م-548هـ/1153م) المتكلم الأشعري.

18 نشره الأب اليسوعي روبير شدياق سنة 1939م في باريز وأعاد تحقيقه د. محمد عبد الله الشرقاوي سنة 1406هـ/1986م ونشر بدار الهداية، مصر. وقد أورد مصادر عدة في نفس الموضوع ورسائل مما حقق الدكتور الشرقاوي.

19 نشر بعناية الشيخ فرج الله الكردي بمطابع النيل سنة 1322هـ/1904م، وإدارة البحوث العلمية بالرياض سنة 1404هـ/1985م.

20 طبع بمطبعة التقدم سنة 1322هـ/1904م، مصر، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1403هـ/1982م.

21 شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب، الشهير بابن القيم الجوزية (691هـ/1291م-751هـ/1350م) أحد أعلام الإسلام.

22 نشر مع كتاب "الفارق" لباجه جي زاده و "هداية الحيارى" لابن القيم في مطبعة التقدم بمصر سنة 1322هـ/1904م.

23 شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن إدريس الصنهاجي البهنسي المصري (وفاة: 648هـ/1285م).

24 عبد الرحمن بك بن سليم التركي البغدادي (وفاة: 906هـ/1500م) رئيس محكمة تجارة بغداد.

25 يوحنا الدمشقي، القديس (54هـ/675م-122هـ/741م) فيلسوف من معلمي الكنيسة الشرقية، كان جده رئيس ديوان المالية على عهد معاوية بن أبي سفيان (وفاة: 60هـ) واشتغل هو عند الخليفة هشام بن عبد الملك الأموي (وفاة: 125هـ/744م)، ثم اعتزل وأنهى حياته في دير مارسيا، قرب القدس. وله كتاب "ينبوع المعرفة". وهو أول من قال بأن الإسلام ما هو سوى هرطقة مسيحية.

26 أبو الفضل علي بن ربن (162هـ/780م-207هـ/823م) فيلسوف نسطوري له كتاب "البرهان" يدافع فيه عن المسيحية ويرد على علماء المسلمين.

27 أبو علي عيسى بن إسحاق بن زرعة المنطقي (وفاة: 398هـ/1007م) فيلسوف يعقوبي ويكنى بالمنطقي. له رسالة "مواضع الاختلاف بين المسلمين والنصارى : التثليث، والتشبيه، ونبوءة محمد". ورسالة في أمر العقل وتمثيل الأب والإبن والروح القدس بالعقل والعاقل والمعقول!!!

ونشرها القس بول سباط في مباحث دينية فلسفية للقدماء من علماء النصرانية سنة 1929م، انظر الدكتور عبد الله الشرقاوي في "الرد الجميل" للغزالي صفحة 175.

28 عبد المسيح بن إسحاق الكندي، لا يعرف عنه سوى اسمه ووصلتنا رسالة في جدل ديني بينه وبين صديقه! عبد الله إسماعيل الهاشمي! في حضرة الخليفة المأمون العباسي (وفاة: 218هـ/833م). وطلب من الكندي المسيحي في هذا الجدال أن يعتنق الإسلام و لكنه أجابه برفض حاد وقاطع. ولقد درس المستشرقون هذا الجدال دراسات كثيرة تبينوا منها أنه غير حقيقي وأنه ملفق موضوع. ويظن أنه ألف في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي. والسابقة هنا هي أن المؤلف جعل الهجوم على الإسلام في شكل محاورة على ما ألف الكتاب المسيحيون في تلك الفترة وقبلها ظنا منه أن ذلك له تأثير أوقع على النفس. وحتى يظهر وكأن الهجوم حقيقي فإنه اختار له شخصياته وجعله على لسان أحد أبناء كندة، قبيلة الملوك القديمة التي امتازت على بقية العرب وقريش في كل شيء حتى اللغة كما في نصه العربي للرسالة. وجعل منازله صديقا له حتى لا يكون الهدف الكشف عن جوانب الضعف بدافع حقد شخصي، ولذلك جعله ابن عم الخليفة المأمون! وهذه من أول الرسائل التي يمكن أن نطلق عليها بدون مبالغة رسائل الحروب النفسية والانتصارات الورقية. بمعنى أن المسيحي ما دام قد حرم النصر على صعيد الواقع في جدال المسلمين، فقد نفس عن ذلك تحت هذا الواقع المؤلم والمعذب للروح! بالانتصار على الورق وبخلق مسلمين خياليين. وهو ما سوف نرى تبنيه من طرف الكنيسة بعد ذلك في مؤتمر فيينا.

المخطوط الوحيد المعروف عن هذه الرسالة محرر بالعربية مدون بالخط السرياني، فهو مخطوط حققه ونشره أنطوان تيان في لندن 1880، 1885، 1912م وفي القاهرة سنة 1895م. وقد رد على هذه الرسالة أبو البركات نعمان خير الدين الألوسي (وفاة: 1317هـ/1899م) بعنوان يليق بها وهو "الجواب الفصيح لما لفقه عبد المسيح" وطبع في لاهور سنة 1306هـ/1888م. انظر: فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي المجلد الأول، الجزء الرابع "العقائد والتصوف" صفحة 55-57. وقد تكرر طبع رسالة عبد المسيح في مطابع النيل الأنجليزية.

29 أبو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا التكريتي المنطقي (وفاة: 364هـ/973م) فيلسوف نصراني يعقوبي. تتلمذ لأبي نصر الفارابي وله رسالة "البرهان" يرد فيها على رسالة لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف (184هـ/801م-250هـ/865م) بنفس العنوان "البرهان" كما في الفهرست لابن النديم صفحة 363. وهي مفقودة، ولا يعرف محتواها إلا من خلال رسالة ابن عدي. ونشر هذه الرسالة المستشرق الفرنسي أغوستان بيربي من أساتذة المعهد الكاثوليكي بباريز سنة 1920م.

وليحيى بن عدي "رسالة في صدق الإنجيل" أوردها بولس ساباط في مجموعة "مباحث دينية فلسفية للقدماء من علماء النصرانية" المنشور سنة 1939م. ومن بين هذه المجموعة رسالة لأيشوعاب بن ملكون مطران نصيبين الدنيسري (وفاة: 654هـ/1256م) عنوانها "رسالة في البراهين على صحة الإنجيل". لاحظ ورود "الصحة"، "الصدق"، "البراهين" في الرسالتين الأخيرتين مما يعني أن الإسلام كون لهم هاجسا ضرب المعتقد في الصميم، ولم يعد يجرؤ أحد حتى من أكثر المسيحيين غفلة أن يستعمل هذه المفردات فيما استعمله فيها هؤلاء من قبل، فضلوا كثيرا كما يحكي عن أمثالهم القرآن. ولأبي الخير بن الطيب المتطبب من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، رسالة في نفس المجموعة تحت عنوان: "رسالة في رد وإدحاض ما يفتئتون على النصارى من الاعتقاد بثلاثة آلهة". والقرآن كما علمت لا يفتئت في هذا وإنما يصرح بكل وضوح وجلاء {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} سورة المائدة، الآية 73. ومجموع هذه الرسائل مذكورة مع غيرها في تحقيق كتاب "الرد الجميل" للدكتور الشرقاوي. صفحة 175-176 في جرد المراجع.

30 أبو إسحاق بن أبي الفضل بن العسال القبطي المصري (وفاة: 638هـ/1240م أو بعدها) قال عنه إسطفان عواد السمعاني الماروني (1711-1782م) في فهرسة الكتب الشرقية: اشتهر ابن العسال شهرة كبيرة بقلمه حتى كناه النصارى الشرقيون أبا الفضائل! والفهرسة الشرقية هذه التي أنجزها السمعاني راسله بشأنها البابا بندكتوس الرابع يقول له: إنه عمل عظيم لدرس عميق ودأب مدهش واهتمام جزيل يستحق عليه ثناء الكرسي الرسولي وعطفه. انظر المستشرقون (3: 329).

وقد بدأ اتصال موارنة سوريا ولبنان عندما ذهبوا إلى روما ليدرسوا في جامعتها ابتداء من سنة 1579م. وأنشأ البابا غرغوريوس الثالث المدرسة المارونية سنة 1584م وتأسست مطبعتها الشرقية سنة 1653م، مما يعني أن كل الجدل الشرقي وجد طريقه إلى الفاتيكان عن طريق العرب المسيحيين أنفسهم، وإن كانت الترجمة قد حصلت قبل هذا التاريخ بكثير على ما سنقف عليه.

31 لأنه لا يجادل المسيحي أو اليهودي بقصد إلغائه، وإنما من باب الإعلام والتبليغ فحسب.

32 سورة العنكبوت، الآية 46.

33 سورة الأنعام، الآية 108.

34 وقد مر بنا أن كثيرا من المسيحيين اشتهر بلقب المنطقي! لاشتغاله بالمنطق كابن زرعة ويحيى بن عدي المنطقيان! انظر الفهرست لابن النديم في ترجمتهما صفحة 369.

35 النص الرسمي الفرنسي للخطاب وقد سطرنا على تعليق البابا:

Dans la septième conversation (controverse) éditée par le Professeur Khoury, l'empereur aborde le thème du jihad, de la guerre sainte. L'empereur ne devait pas ignorer que la sourate 2, 256 dit : « Il n'y a pas de contrainte en religion ». Selon les experts, il s'agit d'une des sourate des débuts, alors que Mahomet n'avait pas encore de pouvoir et était menacé. Mais naturellement, l'empereur connaissait aussi les instructions développée plus tard et inscrites dans le Coran concernant la guerre sainte. Sans entrer dans les détails comme la différence de traitement accordé à ceux qui ont le « Livre » et aux « infidèles », il interpelle son interlocuteur avec une brusquerie surprenante sur la question centrale de la relation entre religion et violence en général, en disant : «Montrez-moi seulement ce que Mahomet a apporté de nouveau, et alors vous ne trouverez que des choses mauvaises et inhumaines, comme son commandement de diffuser par l'épée la foi qu'il préchait ».

36 أورد هنا النص الرسمي لهذه الفقرة التي فهمت خارج إطارها التاريخي، كمسألة افتراضية من طرف الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله وعُممت على الإسلام ككل، مع أن هناك العديد من المدارس الفكرية في الإسلام لها تأويلات مختلفة. وهذه عملية مغرضة، لأنها تعمم الشاذ من الأقوال أو الضعيف من الأخبار، وتحاكم الإسلام كله إليها !.

La déclaration décisive dans cet arrgument contre la conversion violente est ceci : ne pas agir selon la raison est contraire à la nature de Dieu. L'éditor, Théodore Khoury, observe : Pour l'empereur, en tant que bizantin formé par la philosophie grecque, cette déclaration est une évidence. Mais pour l'enseignement musulman, Dieu est absolument transcendant. Sa volonté n'est liée à aucune de nos catégories, pas même à la raison. Ici, Khoury cite un travail du réputé islamiste français R. Arnaldez, qui fait remarquer que Ibn Hazn alla jusqu'à déclarer que Dieu n'est pas même lié par sa propre parole, et que rien ne l'obligerait à nous dire la vérité. Si c'était la volonté de Dieu, nous pourrions même devoir pratiquer l'idolatrie

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق