25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

توطئة

ضعيف الصحيحين: نظرة النهضوييين الأوروبيين لسعة الكون الجزء الأوليمكن اعتبار فترة الرصد النجومي التي قامت في ديار الإسلام منذ بداية القرن الثالث وحتى نهاية القرن العاشر الهجريين، مرحلة إقفال لنمط من الرصد المشاهداتي، ابتدأ بالسومريين والمصريين القدماء منذ الألفية الرابعة فبل الميلاد، واستمر من دون تغيير يذكر سواء من جهة الرصد، أو الممارسة، أو الاستغلال لأغراض التنجيم، مع الكلدانيين، والبابليين، والحيثيين، والجوديين (الكوتيين) والأشوريين، والفرس ثم الإغريق، الذين ورث عنهم المسلمون هذه التركة، ليسلموها بدورهم إلى أوروبا الناهضة، بعد أن أضافوا إليها مساهمات كل من الهند والصين ومساهماتهم القيمة الخاصة.

تيخو براهيلقد نضج هذا العلم مع المسلمين، الذين أقفلوا دورته، بحيث لم يعد بإمكان أي فلكي مستقبلي يعتمد فقط على حدية بصره في الرصد، أن يتجاوز إنجازاتهم، أو بضيف إلى الحقل من جديد!

وكشاهد على هذا المآل الحتمي، فقد شاهد الفلكي الدانماركي تيخو براهي (Tycho Brahé) (1546 – 1601 م) نجماً متفجّراً عظيماً (supernova) بالعين المجردة سنة 1572 م، إلا أن الحدث مر مرور الكرام، ولم يثر استغراب أحد. بل سيتبين لاحقاً أن الصينيين كانوا قد شاهدوا مثله ودونوه في مدوناتهم الفلكية لسنة 1054 م، دون أن يتبين لا الصينيون ولا تيخو القيمة الفعلية لما عاينوا وشاهدوا!

نشأة الفلك الأوروبي

يبدأ التاريخ الفلكي الأوروبي بحادثين مهمين:

تمثالل لكوبرنيكوسأ) الحدث الأول: نشر نيكولاوس كوبرنيكوس 1473-1543)) (صورة تمثاله إلى اليسار) لكتابه (Revolutionibus De) (الصورة) سنة 1543 م الذي كان قد أخذ جل المعلومات التي أودعها فيه من ابن الشلطر الدمشقي ورصودات مرصد مراغة على ما أثبتنا في الحلقة السابقة.

وقد صدّر كوبرنيكوس كتابه هذا بإهداء موجه إلى البابا بولص الثّالث (تولى منصب البابوية بين سني: 1534-1549 م) الذي اشتهر بميولاته التنجيميِة !1، وسبق له أن رَقّى المنجم "لوقا جوريكو" (Luca Gaurico) إلى منصب كاردينال لتَوقّعَ الأخير بانتخاب البابا مرّتين إلى سدة البابويةِ !.

De Revolutionibusفلم يكن الملوك إذن، ولا الأباطرة ولا المتغلبين على الحكم وحدهم من كانوا يوظفون الفلك لمعرفة ما سيحمله لهم المستقبل من خلال تراتبية مواقع النجوم فوقهم !، فالباباوات عندما استأثروا بالحكم وطغوا فيه اقتفوا آثار هذا الملأ حذو القدة بالقدة.

وقد صرح كوبرنيكوس في مقدمة الكتاب بأنه يصبو إلى إعادة الحركةِ الدائريةِ الموحّدةِ إلى النظريةِ الكوكبيةِ لبطليموس كما سطرها الأخير في كتابه: " المجسطِي"، وبأنه يتوخى الإصلاح في النظام الفلكيِ مستشهداً بالسوابقِ الكلاسيكيةِ دون أن ينبس ببنت شفة في حق من كان لهم الفضل الأول والأخير في فكرة نظامه وهم المسلمون !.

ولا شك، أن للرجل عذره، بحسب ظرفه وزمانه، لما عرف من موقف الكنيسة المتشنج تجاه كل ما هو إسلامي إبان عصور أوروبا المظلمة.

وتظهر المصادرة على الفكر العلمي لائحة في هذا الكتاب، حيث أضيفت في المرحلةِ النهائيةِ للطِباعَة، مقدّمة مجهولة ذُيّلتْ الكتاب بدون ترخيص لا من طرف المُؤلفِ ولا من طرف الناشر يقول فيها مؤلفها المجهول بأن مركزية الشمس التي يقول بها كوبرنيكوس، ليست حقيقة، ولا تتعدى كونها فرضية من الفرضيات !.

لوحة زيتية لصورة يوحنا كيبلروسيكشف الفلكي "يوحنا كيبلر" (1571 م – 1630 م)) (Yohanes Kepler (الصورة) لاحقاً بأن مؤلف المقدمة هو أندرياس أوسياندر (Andreas Osiander) (1498-1552) وهو قَسّ لوثري من مدينة نوريمبيرج الألمانية.

لكن، وبالرغم من الهالة التي سيسبغها بعض المؤرخين الأوروبيين لاحقاً على الكتاب، بنعته ب "الثورة الكوبرنيكية"{ متجاهلين لخلفية السطو التي لن تكتشف أدلتها القاطعة التي لا ترد سوي في سبعينيات القرن العشرين}، إلا أن غالبية معاصري كوبرنيكوس لم يروا في نظريته القائلة بمركزية الشمس بدل الأرض ، سوى إمكان حصول بعض التحسن في توقعات المنجمين، تجعلها أكثرَ دقّةً في تحديد مواقعِ النجوم، وبالتالي تقديم تنبؤات تنجيميةِ أكثر دقة !.

وقد صدر الكتاب لأول مرة بمدينة نورمبورج سنة 1543 م من حوالي 400 نسخةِ ثم طبع ثانية بمدينة بازل السويسرية سنة 1566م .

لوحة فنية تمثل محاكمة غاليليو غاليليوسيخضع الكتاب للحظر ويمنع من التداول سنة 1616 م على خلفية المحاكمة الشهيرة التي حضع لها غاليليو غاليلي من طرف الكنيسة البابوية (صورة المحاكمة) ، بسبب قوله بمركزية الشمس ، إلا ليعاد نشره مصححاً ! من طرف الكنيسة سنة 1620 م !.

الحظر الذي لن يرفع سوى سنة 1758 م.

ويتبين من هذه الصيرورة التاريخية أن الممارسة الفلكية في أوروبا الناهضة، ستعاني ومنذ النشأة من عدة نقائض على مستوى العلم والممارسة والأخلاق، لعل أهمها اثنتان:

أ 1) خلفية إغماط المسلمين حقهم في الاكتشافات، إما سطواً لضعة في النفوس، أو خوفاً من ردة فعل الكنيسة تجاه من يظهر يعض مودة تجاه نظرائه من المسلمين، وهي محاذير ومركبات نقص لم يعاني منها أساطين الفكر الإغريقي إبان أخذهم عن المصريين أو الرافديين.

2)خلفية الصراع بين العلم والدين المسيحي، بسبب من المنطلق العقائدي الخاطئ الذي تبنته الكنيسة، التي آمنت بعدم دخول التحريف على الكتب المقدسة، كما صرح بذلك القرآن الكريم، مع أن وقائع الكتب المقدسة، كالحقائق الطبيعية تفند مثل هذا الاعتقاد !

وكلاهما عقدتان قاتلتان ستصاحبان الكنيسة لقرون وقرون قبل أن تقر أخيراً في وثيقة رسمية أصدرها مجمع فاتيكان الثاني سنة 1965م بوجود مثل هذا التحريف !

ب) الحدث الثاني: نجاح نظاراتي هولندي اسمه هانز ليبرشي (1570 م – 1619 م) (Hans Lippershey)) في وضع عدستين على نهاياتِي إنبوب، ليكتشف بذهول أن أداته، وعلى بساطتها، جَعلتْ الأجسامَ البعيدةَ تَبْدو أكبر.

وسيهدى ليبرشي مقرابه هذا إلى الأمير موريس ده ناسو ( 1567-1675 ) أمير اورنج ( 1618-1625) بالأراضي المنخفضة، الذي ستربطه بالمغاربة والموريسكيين {سكان إسبانيا المسلمين الذين طردهم فيليب الثاني من إسبانيا وشرد بهم} علاقة صداقة ووداد متميزة وخاصة.

مقراب غاليليو غاليليوما أن سمع العالم الإيطالي غاليليو غاليلي (1564-1642) في يونيو 1609م بهذا الاكتشاف حتى قام ببناء منظاره المُحسَّن الخاص (الصورة)، وعرضه على زعماءِ مدينةَ البندقية، بغرض استعماله في تبين السفن بالبحر.

وقد ثمن التجار البندقيون هذا الاكتشاف، لأنه مكنهم من رؤية السُفُنَ التجاريةَ القادمةَ ساعتان قبل منافسيهم، وهو ما يعني ربحاً مؤكداً باستغلال السبق المعلوماتي.

لكن، ولئن ربح غاليليو بعض المال من هذا الاستعمال، إلا أنه لم تمض سنة حتى ألهم توجيه آلتَه نحو المشهد الأعظم الأليق بالمشاهدة عن قرب الذي تمثله نجوم السماء.

وكم كانت دهشته وإعجابه وهو يجوب به كبد السماء!

 لقد بدا له درب التبانة في مجرتنا على حقيقته : مجموعة متزاحمة من النجوم (الصورة)، لا سديما يعكس بهاء الشمس والقمر ولا نيزكا كما كان يتخرص بذلك أرسطو!

واكتشف في « الثريا » لوحدها ستا وثلاثين نجما متراكبا.

وشاهد توابع لكوكب المشتري تشبه تماما في حركتها حركة توابع الشمس، وهو ما جعله يؤيد ما توصل إليه ابن الشاطر واشتهر بنظام كوبر نيكوس ( 1473-1543) القائل بدوران الكواكب حول الشمس ومنها الأرض، بدل نظام بطليموس الذي تبنته الكنيسة، والذي يجعل من الأرض مركزا "للكون". !

سيديروس نونسيوسوقد نشر غاليليو مشاهدته في كتاب « سيديروس نونسيوس ماغنا » (Siderius Nuncius) الجاثي{الرسول النجمي الكبير} وأخرجه للناس بمدينة البندقية في شهر مارس 1610 فأحدث ضجة.

ويظهر رسم لغاليليو على صفحة من الكتاب وبه كل النجوم التي اكتشفها في مجموعة كوكبة « الجاثي » (الصورة)، وبدل التسعة نجوم المرئية بالعين المجردة فقد أورد هو ثمانين منها.

ولم تكتمل السنة حتى اكتشف تلميذه الفرنسي نيكولا كلود ده برسيك (1580-1637) الذي تتلمذ له قبل ذلك في جامعة بادوى، وهي قلعة الرشديين بأوروبا (نسبة إلى ابن رشد الحفيد شارح أرسطو)، سديمية « الجوزاء » في 24 نوفمبر 1620 على سيف «  الجاثي».

ثم توالت الاكتشافات بواسطة الهواة والعلماء على السواء.

ويمكن اعتبار سنة 1610 م سنة مفصلية في علم الفلك، حيث أقفلت مرحلة رصدية دامت أكثر من 4600 سنة منذ أن دشنها كاهن في سومر بالعراق بتسجيله لكل ما يراه في قبة السماء، ستة وثلاثون قرنا قبل نزول الأمر بالقراءة على النبي الأمي محمد في غار حراء.

وضمن هذا السياق التاريخي فقد دش ناظور غاليليو المتواضع بدوره القراءة الجديدة للكون بلغة الرياضيات، اللغة التي قال عنها غاليليو:

ومن لم يفهم الرياضيات فلن يفتح له فهم الكون بعد الآن لأنه إنما بها كتب

وصدق حدس الرجل وتوقعه.

ومع توالي الاكتشافات بدأ يتطور علمان:

1) علم الكونيات الوصفية.
2) وعلم كونيات النشأة.

والكونيات الوصفية أو "الكوسمولوجيا" هي علم وصف الكون على ما هو عليه في حالته الحاضرة، ويبحث فيه عن القوانين التي تحكمه، بينما تعنى كونيات النشأة أو علم "الكوسموغونيا" ببداية الخليقة الكونية والشروط السائدة آنذاك وتطورها ومآلها.

والفرق بين العلمين واضح جلي لا لبس فيه، فلئن كانت الكونيات الوصفية تصف ما هو موجود، بالرصد الدقيق لمظاهره، على ما هو عليه(2) وبإعلان القوانين التي تحكمه أو تظهر أنها تفعل ذلك، فإن الكوسموغوينا ببحثها في الماضي، أو المستقبل المغيبين عن المشاهدة والتجربة، هي أقرب ما تكون إلى الخيال العلمي لتبنيها الرجم بالغيب والتخرص الاحتمالي على قدر فهمنا للقوانين الطبيعية التي هي بدورها في تكشف مستقبلي مستمر.

لذا فالكوسموجونيا قابلة للتوظيف الإيديولوجي. وميزتها الحقيقية هي بالأساس في تحفيز الأبحاث داخل الإطار الأيديولوجي التي تنطلق من أوالياته. فهي من هذه الوجهة تمثل الجانب الإعتقادي لدى العالم المسلم من منطلق القران وتمثل الجانب الفلسفي عند غيره.

فهي بهذا الاعتبار محك حجية القرآن لانطباق الكثير من دعاواه عليها فيما يخص النشأة والمآل.

ويمكن تلخيص هذا بقولنا:

إن علم الكونيات الوصفية مشترك بشري يتفق الجميع على تشخيص معالمه كما يتفقون حول إجرائياته العملياتية، فهو يمثل من هذه الحيثية الآلية التي تتحقق بها دعاوى النشأة والمصير. أو بلغة الأصوليين المسلمين، فإن علم الكونيات علم آليات بالنسبة لعلم النشأة والمصير الذي هو بمثابة علم المقاصد.

انتهى

ويليه: إرهاصات نظرية في النشأة الكونية

الهامش:

1 حاله حال غالبية المسلمين الذين اشتغلوا بهذا الجقل، على ما نبين لنا في الحلقة السابقة.

2- هذا ما كان يظن من قبل عند بداية هذا العلم، أما اليوم فلا. إذ نحن لا نعرف الظاهرة إلا من خلال أجهزة، وما الظاهرة في آخر المطاف سوى المعرفة التي نكونها نحن من خلال أجهزتنا عنها. الاثنان في تطور مستمر. فالشمس التي أراها بالعين المجردة، هي غير الشمس التي أراها بأشعة الرادار أو الأشعة السينية أو أشعة غاما أو الحمراء أو البنفسجية...الخ. فالشمس كل هذه وأكثر. فالمعرفة بالشمس في ازدياد إلا أنها لا تستنفذها تماما، كتحدثنا عن قوانين الجاذبية دون معرفتنا لها.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق