كيف تمسك منهجية المحدثين بخناق المرجفين؟
المقالة نشرت بجريدة: "الشرق الأوسط"، العدد 5634، الإثنين 2/5/1994أول ما نبدأ به في التعرف على تهافت آراء بعض أدعياء الغربة في المنهج، هو حديث: “الذباب” الشهير.لنقرأ للدكتور: حسن حنفي في كتاب “مقدمة في علم الإستغراب” صفحة 105، بعد كلام فارغ حول المركز والأطراف :
الحلقة الأولى
دين/ Religion
وصاحبنا، صاحب هذا الكلام، يروج لكلامه في كل محفل، كأحد أقطاب اليسار، في كلام فضفاض تنقصه الدقة العلمية في أكثر جوانبه. وهو أشبه ببائع شعارات في منظومته الفكرية التي بناها على غرار باقي “أصنام المشاريع”. أنظر كتابنا: "أصنام المشاريع وثقافة الذباب: حسن حنفي، محمد أركون، عبد الكبير الخطيبي، محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي نموذجاً"}.
وصاحبنا هذا، ليس وحده ممن يخوضون في مستنقع الذباب، فله صنو يتغذى فوق مائدته، وهو نصر حامد أبو زيد في كتابه: “مفهوم النص : دراسة في علوم القرآن” .
يقول في صفحة 20 :
“أليس مما له دلالته في هذا الصدد أن تكون القدس وبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين، تحت سيطرة الصهاينة، ويبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو مباركة صامتة ؟ ولكن حين يتجرأ مفكر (ما أتعس الفكر) على إنكار حديث الذبابة يتصدى له كبيرهم فيقيم الدنيا و لا يقعدها”.
لاحظ كيف يوطئ لدعوى فارغة، (هذا يدعي تفتيق النص القرآني بما لم تهتد إليه الأوائل ) ولأطروحة فاسدة، بمقدمة ونتيجة فاسدتين مثلها!
فالمقدمة تضرب على الوتر الحساس النفسي للمؤمن بتذكيره “بأهمية السجد الأقصى” على غرار” بانت سعاد”.
ثم يتهم العلماء “بمباركة الصلح مع إسرائيل”، وهو يعلم قبل غيره، أن لا أحد يستشير العلماء، لا في الصلح مع إسرائيل و لا في الحرب معها، ولكنه الإرجاف!
والمرجف لا يهمه المنطق، بقدر ما يهمه أن يروج لبضاعته الأيديولوجية حتى إن كبكب حديث “الذباب” مع “القدس” !
أو ليس هو من المفكرين؟
وفيما يفكر صاحبنا من بين كل ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن؟ الذباب!
وكان أحق به وأهلا له.
أما حديث "الذبابة" فهو يروى عن:
1) علي بن أبي طالب،
2) وأنس بن مالك،
3) وأبي سعيد الخذري،
4) وأبي هريرة.
ومنطوقه عند البخاري في كتاب: "الطب"، باب:" إذا وقع الذباب في الإناء".
قال البخاري :
حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عتيبة بن مسلم -مولى بني تميم - عن عبيد بن حنين- مولى بني زريق - عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر داء .
والحديث مستفيض، فهو في:
1) صحيح البخاري،
2) وصحيح ابن خزيمة،
3) وصحيح ابن حبان،
4) وصحيح ابن السكن،
5) وصحيح والسلسلة الصحيحة للألباني،
6) وسنن ابن داوود،
7) وسنن ابن النسائي،
8) ومعرفة السنن والآثار للبيهقي،
9) وسنن الدارمي،
10) وسنن البيهقي،
11) ومسند أحمد،
12) ومسند عبد بن حميد،
13) ومسند البزار،
14) ومسند أبي يعلى الموصلي،
15) ومسند الربيع بن حبيب، واستذكار ابن عبد البر،
16) ونصب الراية للزيلعي،
17) والمعجم الأوسط للطبراني،
18) والتمهيد لابن عبد البر،
19) ومسند البزار،
20) ومشكل الآثار للطحاوي،
21) وشرح السنة للبغوي،
22) والمنتقى لابن الجارود،
23) وتلخيص الحبير لابن حجر،
24) وكنز العمال للمتقي الهندي،
25) وتاريخ جرجان للسهمي،
26) وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة،
27) وغريب الحديث لابن سلام،
28) وعلل الحديث لابن حاتم،
29) وفي إتحاف السادة المتقين للزبيدي،
30) ومنحة المعبود للساعاتي،
31) ومشكاة المصابيح للتبريزي.
والحديث خرج طرقه الدكتور:
خليل إبراهيم ملا خاطر في كتاب مطبوع منذ سنة 1405هـ 1984، سماه :
"الإصابة في صحة حديث الذبابة" طبع دار القبلة.
وصاحب (مفهوم النص)، نصر أبو زيد، طبع كتابه سنة 1411هـ 1999، مما يعني أنهما (حسن حنفي ونصر أبو زيد)، لو كانا عالمين حقا، لأدركا أن هناك كتابا يطرق الموضوع منذ ستة سنوات، وسبع سنوات لكل منهما!
وبما أنهما شغوفان (بحضارة الذباب)! أما كان أولى لهما أن يتعرفا على ما قيل في الموضوع يدل الإرجاف والتناوش من مكان بعيد ؟ هذه طامة المغتربين المتفلسفة عامة!
هذه الفلسفة التي هي مضحكة العقلاء، كما يصفها الغزالي في "التهافت" ولم يعد لها وجود في الغرب نفسه!
ويكفي قراءة أي مرجع أوربي أو أمريكي للوقوف على هذا، ومع ذلك نأبى إلا أن نستمر في تفريخ مثل هذا النوع من المثقفين والمتفيقهين، اللذين لا هم في العير ولا في النفير، ويضرون ولا ينفعون!،
وفلاسفة الغرب، منذ مدة، وهم يصيحون لمن يريد أن يسمع بموت الفلسفة، ولكن لا حياة لمن تنادي!
والعصر عصر علم، ولقد نعى الفلسفة والفلاسفة إلى مزبلة التاريخ وإلى غير رجعة، منذ قرن خلا أو يزيد.
فهذه الأحاديث التي مرت، لها أكثر من ستين طريقا (60) ومخرجة بالصحاح، كما ترى!
لكن ماذا يعني المحدثون بالصحيح، حين يقولون: حديث صحيح ؟
تعريف الحديث الصحيح
يقول ابن الصلاح في "علوم الحديث" في تعريف الحديث الصحيح مايلي :
الحديث الصحيح : هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده (يعني رجاله الذي الذين يروونه) بنقل العدل (أي الثقة الأمين)، الضابط (أي الذي يحفظ الحديث إما في صدره أو في كتابه، غير مغفل ولا متساهل) عن العدل الضابط إلى منتهاه (إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم) ولا يكون شاذا (الشاذ هو الذي يروي حديثا يخالف فيه راويا أكثر ثقة منه) ولا معللا (أي سلامة الحديث من علة تقدح في صحته)
ويضيف ابن الصلاح :
ومتى قالوا هذا حديث صحيح، فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس أمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول.
وهل هناك احتراس أكثر من هذا ؟
لعلمك، فلا أحد يعلم من ألف "العهد القديم" ! أو "الجديد" !
وأضاف ابن الصلاح:
وكذلك إذا قالوا في حديث: إنه غير صحيح، فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقا في نفس الأمر، إنما المراد به أنه لا يصح إسناده على الشرط المذكور.
فأنت ترى، ومن خلال هذا التعريف، أننا نهتم بالخبر من حيث هو كخبر:
- هل يحتمل الصدق أو الكذب؟
ثم نهتم بحامل الخبر كحامل،
- هل هو ممن يوثق له أم لا؟ مغفلا أم ضابطا؟ متمذهبا أم لا؟
والخبر نفسه يسميه المحدثون (متنا)، والرجال الذين يروون الحديث جيل بعد جيل يسمون (سندا).
فهناك شرطان لقبول الحديث:
1) شرط ضرورة،
2) ثم شرط كفاية،
فشرط الضرورة: رواية الثقاة،
و شرط الكفاية1: صحة المعنى.
لذلك اقتضت منهجية المحدثين البحث في أحوال الرجال: كالصدق والكذب والحفظ والضبط وخوارم المروءة، والتمذهب السياسي أو العقائدي...الخ، لأسباب تاريخية نرجئ الحديث عن خلفياتها إلى حين.
وفي علل المتن التي يرد بها الحديث وهي ستة عشرة حالة :
1. ألا يخالف صريح محكم القرآن، أو محكم السنة أو المعلوم من الدين بالضرورة.
2. ألا يكون مخالفا للمشاهدة والحس.
3. ألا يكون مخالفا لما ثبت من قوانين الطبيعة وسننها في الكون والخلائق.
4. ألا يكون ركيك اللفظ بحيث لا يقوله فصيح أو بليغ يليق بما هو منتظر من جوامع كلم الرسول.
5. ألا يكون منافيا لبديهيات العقول، ولأي دليل مقطوع به.
6. ألا يخالف القواعد العامة في الأخلاق والحكم.
7. ألا يكون مخالفا البدهي في الطب.
8. ألا يكون داعية إلى رذيلة يتبرأ منها شرع القرآن.
9. يكون الراوي الداعية إلى مذهبه، فيما يذهب إليه، ويتعصب له.
10. ألا يشتمل على سخافات وسفاسف، يترفع عنها العقلاء.
11. ألا يخالف الوقائع التاريخية المتواترة عن عصر النبوة وما قبلها من الأمم من خلال الحفريات.
12. ألا يخبر عن الأمر العظيم الذي يشهده الكافة، بخبر متفرد به راو واحد.
13. ألا يكون مخالفا للمعقول في صفات الله ورسله في أصول العقيدة.
14. ألا يرد بالثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة في الوعيد على الأمر الحقير.
15. ألا يكون للراوي بواعث نفسية، تحمل الراوي على روايته.
16. ألا يكون من موروثات الحضارات الغابرة القولية أو الفعلية.
فأي منطوق لمتن حديث خالف أي من هذه القواعد رد ولم يؤبه به.
فعندنا إذن غربلة على ستة أصعدة أو طبقات.
1. نصية مرجعية، (القواعد): 1، 6، و8
2. علمية: 2، 3، و7.
3. منطقية عقلية: 5، 10، 12، 13 ، و14.
4. تاريخية حفرية: 11، و 16.
5. لغوية: 4.
6. مذهبية عقائدية نفسية: 9، و 15.
ولا يخرج كلام البشر عن هذه الحواجز بحال.
من هذه القواعد في: شرطي الضرورة والكفاية، يتحصل لنا أربع حالات لا خامس لها، كلها مردودة عدا واحدة.
1. إما أن يكون الحديث صحيح السند، صحيح المعنى، فهو مقبول.
2. إما أن يكون الحديث صحيح السند، فاسد المعنى، فهو مردود.
3. إما أن يكون الحديث ضعيف السند، صحيح المعنى، فهو مردود.لأن الذي يهمنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كلام أي أحد وإن صح
4. إما أن يكون الحديث ضعيف السند، فاسد المعنى، فهو مردود.
لنعرج الآن على حديث "الذباب"، ولنخضعه منهجية المحدثين.
فبما أن الحديث مستفيض في الصحاح، فمعناه:
أن ناقلي الخبر ثقات، فيتركز البحث إذن على المتن.
وهنا نجد أن من بين قواعد رد الحديث، إنما ننتفع بالقواعد العلمية: أي 2 و3 و 7 .
فالبدهي من الطب يرد الحديث، لعلمنا بأن الذباب ناقل جراثيم وميكروبات، وهذا لم نعرفه إلا أخيرا.
وحافزنا في هذا، منطوق الآية الكريمة في سورة النمل 93 :
(وقل الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها)
إذن، فهذا أول ما عرفنا، وهو أن:
بالذباب داء،
وهذا مشاهد الآن ومحسوس. إلا أن منطوق الحديث أضاف شيئا زائدا، غير متوقع، ولا هو بدهي، و لا هو مشاهد، وهو كون:
وجود شفاء في أحد الجناحين، أي الدواء،
وهنا لا ننتفع سوى بالقاعدة المخبرية 3 للقيام بتحليل كيميائي.
وهذا ما قام به فعلا طاقم من دكاترة جامعة الملك عبد العزيز بجدة وهم الدكاترة :
1) نبيه باعشن،
2) عبد الوهاب عبد الحفيظ،
3) ومنصور سجيني ومحمد زكي.
وتركزت تجاربهم حول تأثير كل:
من السقوط، أو الغمس مرة، وثلاث مرات للذباب المنزلي في ماء مقطر.
وأجريت التجارب على:
ماء مقطر عادي، ثم على ماء مقطر مضبوط الحموضة والقلوبة، كما في معدة الإنسان.
وأظهرت التجارب ما يلي :
* أعداد الميكروبات كانت أقل في الماء الملوث عن طريق الغمس عن نظيرها بالسقوط فقط
* أن تحضين الماء الملوث من الغمس، أو السقوط لمدة ساعة يبين أن عدد الميكروبات تظهر تناقصا في حلة الغمس من نظيرتها بالسقوط فقط، مما يبين أن غمس الذباب يفرز عاملا مثبطا لنمو الميكروبات.
* أن تأثير عملية الغمس، هي على الجراثيم المرضية، أكثر مما هي على الجراثيم الكلية التي لا تحمل الأمراض.
* أن الغمس أظهر فعالية أكثر في القضاء على الجراثيم في الظروف المخبرية المشابهة لدم الإنسان وجسمه، بخلاف ما يحدث في وسط متاعدل.
خلاصة هذه الأبحاث نشرت في الأبحاث العلمية زيادة على نشرها في جريدة (المسلمون).
ماذا نستنتج من كل هذا ؟
وهذا هو موضوع حلقتنا المقبلة2
الفهرس
1 كتبنا هذا عشر سنوات، قبل أن نطور المنجية الحديثية إلى منهجية علمية صلبة، كما شرحنا ذلك في كتابنا:
"الهندسة الحديثية: السلم الرياضياتي المعيار لقياس درجة وثوقية الأخبار لإلى الرسول ("
2 لم ننشر التتمة في "الشرق الأوسط" وسوف ننشرها هنا على موقعنا، تتميماً للفائدة.