أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟
صليبية النواب الفرنسيين ومواقف أوروبا وأمريكا.
قلت: المعاهدة سيوافق عليها مجلس النواب الفرنسي بأكثرية الأصوات 443 صوتاً ضد 85 صوتاً!. أليس هذا بلد الأخوة والمساواة والحرية على مقاس الثوار؟ المعارضة كانت من الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه جان جوريس، الذي طالب بإلغاء المعاهدة وإبدالها باتحاد! مغربي فرنسي!؟. وأشد المعارضين الاشتراكيين لتدخل فرنسا في شؤون المغرب مثله غوستاف هرفي (Gustave Hervé) ) وعبر عنه في صحيفته " لاغير سوسيال (La Guerre Sociale) " الحرب الاجتماعية" مشجعاً السلطان المولى عبد الحفيظ ضد تدخل الجيش الفرنسي. إلا أن موقف الحزب الاشتراكي ضل يتذبذب ولا يستقر على أي مبدأ أخلاقي ثابت أو إنساني مسؤول، وإنما يزايد على الحكومة طالما كان في المعارضة، ليتبنى ذات مواقفها وهو في الحكم!. ثم صادق عليها مجلس الشيوخ في 11 يوليو (تموز) 1912 م. وصدر قانون المصادقة الرسمية ونشر بالجريدة الرسمية بعد أربعة أيام أي بتاريخ 15 تموز.
ثم أقنعت الحكومة الفرنسية نظيراتها المُسْتَعمِرات من الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى حيث وافقت كلها مع حلول سنة 1913 م على ما فرضت من إجحاف في حق المغاربة والإنسانية، ولم تتخلف سوى الولايات المتحدة على الرّد. إلا أن انتظارها لم يدم طويلاً، إذ بحلول الحرب العالمية الأولى ودخول الولايات المتحدة أتونها مع الحلفاء ومن ضمنهم فرنسا كتب سكرتير الدولة لانسيغ (Lansing) المكلف بالعلاقات الخارجية كتاباً مؤرخاً في 20 تشرين أول (أكتوبر) 1917 م إلى سفير فرنسا بواشنطن جاء فيه: 
"حكومة الولايات المتحدة قررت الاعتراف، وتعترف صراحة طبقاً لهذا الكتاب بحماية!!!؟؟ فرنسا في المغرب ما عدا الحقوق الخاصة، وامتيازات إسبانيا في المغرب".
قلت:هذا ما كان ليحدث مطلقاً لو لم ينعزل المغاربة سياسياً ودولياً منذ عهد السلطان أبي الربيع سليمان بن محمد (1180 هـ/1766 م ~ 1238 هـ/1822 م) رغم الوثيقة الدولية المهمة التي كان والده محمد (الثالث) بن عبد الله قد وقعها مع الولايات المتحدة وجعلت المغرب من أول الدول المعترفة باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية بوثيقة رسمية وقعها ممثلها السفير ويبستر بلاونت (Webster Blount ) في مدينة مكناس بتاريخ 20 أكتوبر(تشرين أول) 1777 ، سنة فقط بعد إعلان الاستقلال في 4 يوليو ( تموز) 1976 م. والتي جعلت المغرب يكاتب باي تونس وباشا ليبيا بعدم التعرض لبواخر الدولة الجديدة الفتية في جهادهم البحري،
من ثمار هذه الوساطة المغربية أن وقع داي الجزائر وثيقة مع الولايات المتحدة في 15 سيبتمبر 1795 م، ثم اتفاق مع باشا ليبيا في 4 نوفمبر سنة 1796 م وأخيراً مع باي تونس في أغسطس سنة 1797 م. وكتب الرئيس الأمريكي جورج واشنطن إلى محمد الرابع رسالة جاء فيها:
…بعد تعييني بإجماع للوظائف العليا لرئاسة الأمة، تسلمت رسالتكم بتاريخ 17 أغسطس 1788 م، التي ظلت بسبب حل الحكومة السابقة، دون جواب. تسلمت أيضاً رسائل جلالتكم الإمبراطورية التي تفضلتم بكتابتها لصالح الولايات المتحدة لباشاوات تونس وليبيا. أعلمكم بتسلمي لها وأقدم لكم التشكرات الخالصة للولايات المتحدة لمثل هذا التعبير الكبير من الصداقة نحونا.. 
- أسأل الله العظيم أن يمتع جلالتكم الإمبراطورية بأنواره وحفظه.
- حرر في مدينة نيويورك بتاريخ أول يوم من كانون أول ( ديسمبر) سنة 1798 م.
- ج. واشنطن.
أثناء عرض معاهدة الحماية على مجلس الشيوخ الفرنسي تكونت لجنة خاصة لدراسة الموضوع كان المقرر لها هو المسيو بودان (Baudin)، وبعد موافقة اللجنة على تقريره وصدوره بالجريدة الرسمية في 10 يوليو (تموز) 1912 م يمكننا قراءة ما جاء فيه بخصوص ما سموه ب " المسألة الدينية المسيحية في المغرب وجنسية المبشرين الكاثوليكيين " حيث أن الجلسة التي عقدت في 11 تموز تناقش فيه المجلس لمدة ساعتين هذه النقطة وخطب فيها النائب جينوفريي (Jenouvrier) بخصوص تنظيم الديانة الكاثوليكية بمنطقة الحماية الفرنسية!، وتجديد علاقات الجمهورية مع الفاتيكان!!!؟".
قلت: وهذا ما يليق بدولة لا تتدخل في الدين كما تزعم إيديولوجيتها!. أما عن صليبيتها فحدث ولا حرج! فسان لوي خرج من هنا، ونابليون خرج من هنا! ودوغول، نعم دوغول وفي القرن العشرين، خرج من هنا!
ويكرر التاريخ نفسه بعفوية ملفتة للأنظار وبدون أصباغ أو مساحيق اللياقة والبروتوكول! فعندما اعترف دوغول بجهود المغاربة في المجهود الحربي وقوفاً إلى جانب فرنسا المهزومة، وإلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، قرّ قرار الحكومة الفرنسية على استدعاء ملك المغرب محمد الخامس الى حضور حفل تكريم بهذه المناسبة، اعترافاً له بالفضل وبجهود التسعين ألف مغربي (90.000) الذين زجي بهم في أتون هذه الحرب الكونية التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل بالأساس!، لولا دعوى " النازية" التي تستحق المحاربة من كل إنسان، حفاظاً على إنسانيته. عدا قرابة النصف المليون الآخر(500.000) المتطوع على الجبهات الأخرى.

أو تعجبون!؟
بلا!، وكل العجب!
فحسب مؤلف كتاب " أوفقير"1 .فقد وشح صدر الملك المغربي المسلم بوسام " حرية الصليب!". نعم " الصليب!" وليس " الفارس"! أو " الجندي!" أو " رفيق السلاح!"..الخ.الحيادية كما يليق بدولة تدّعي العلْمَنة! حسب تخريفات مؤدلجيها النرجسيين!
وهكذا أهان ضيفه!!؟؟ في حين ظن أنه يكرمه!؟. بينما القرآن صريح حول أسطورة الصلب التي لم تحصل قط!.
فحصل جهل بمعتقد الضيف!
وحصل فضح صارخ لأرضية الاعتقاد!
لعل لقائل أن يقول إنها هفوة!2 أو قلة ذوق وأدب وبروتوكول، إلا أن الأمر على التحقيق من الثوابت حسب ما استقرأته من تاريخ المتعاقبين على سدة الحكم الفرنسي سواء ملوك قرونهم الوسطى أم رؤساء جمهورياتهم المُثَوّرَة!، مهما تعددت التسميات أو تلونت الأحزاب: صليبية دفينة حتى النخاع ومتجذرة في عمق الأعماق!. شافاهم الله منها.

كم مرّة سمعت وزراء أو وجهاء مغاربة يقولون عن رجالاتنا السياسيين:
كيف سيمكنهم احترام سلطاننا وهم جمهوريون؟
وكيف سيمكنهم احترام ديننا وهم لا يحترمون دينهم؟!؟..
وهذا يلخص كل البلاء الذي ابتلي به المغاربة في حريتهم وإنسانيتهم، التي يجب على فرنسا الرسمية أن تعوض المغاربة عمّا ألحقته بهم من أضرار لا زالوا يعانون منها إلى اليوم!.
فقد شاهدنا على شاشة التلفزيون تلك الآلاف المؤلفة التي سارت على خطى الصليبيين مشياً على الأقدام إلى أن وصلوا القدس في 12 يوليو (تموز) 1999 م ليعتذروا للمأتي ألف (200.000) مسلم والستة ألف يهودي ( 6000 ) الذين ذبحهم الصليبيون الأول. وهم يقولون: لم تكن تلك المخازي من شيم المسيحية الحقة!
ونحن نقول معهم: لا علاقة للمسيح بذلك!.
ثم على الداعية الفرنسي خاصة أن يلمّ بهذه الخلفية ويعمل جهده بالتعاون مع الجمعيات الحقوقية المختلفة لاجتثات هذه الدودة وهذا الشّر من مخيال السياسة والاجتماع والدين في هذا المجتمع المثقل بالموروث الغير متسامح مع المخالفين والأغيار، من أجل عالم إنساني وكوني يسوده وئام أفضل.
الهامش:
1 يقول المهدي بنونة في كتاب: "المغرب..السنوات الحرجة"، ص. 83 : {..مما أدى بالجنرال دوغول لاحقاً، أن يمنح وسام المقاومة الفرنسية للملك محمد الخامس، وهو أول وسام يُمنح لغير فرنسي! ولا يوجد أي زعيم أو مسؤول غير فرنسي حصل على وسام رفقاء المقاومة الفرنسية باستثناء الملك محمد الخامس، ووضع على صدره تحت قوس النصر بعد انتصار الحلفاء، وتحرير فرنسا.}
قلت: فإن صح ما قاله بنونة خلافاً لمؤلف كتاب "أوفقير"، فيظهر ما قلناه وهي أن الصليبية ملازمة لهذه النوعية من الكتاب كيفما قلبت الأمور!. وبين صليبية سميث مؤلف "أوفقير" أو صليبية دوغول فمجال الاختيار يضيق ويضيق جداً!.
2 أنظر إن كان يساورك شك فيما ندعي وما شهدت به وقائع الأحداث ما أورده ألان بييرفيت في كتابه: " كان دوغول" (Alain Peyrefitte, 1995: C'était de Gaulle, Paris, Fayard) حيث بدل إصلاح ذات البين بين المغرب والجزائر في ما عرف بحرب الرمال فإنها امدت كل منهما بالسلاح ليقتتلا حتى آخر مسلم!. وكانت الذخيرة الحربية والعتاد تشحن لكل منهما من مينائين رئيسين يعلم بها طرفا النزاع!:
إذ لم تكن سوى حرب قذرة بين عرب مساكين وليِّني العريكة يعملون على قطع رقاب بعضهم البعض بنفقات باهضة بمساعدة أخوية يا سماء!، كم هي عَطوفة! لأنوار الجمهورية الخامسة المخزية!
Ce n'était qu'une sale guerre entre de pauvres bougres d'arabes entrain de s'égorger et de se saigner aux quatre veines avec l'aide fraternelle et ô ciel!, combien bienveillante! des lumières honteuses de la 5eme République!.
قلت: المعاهدة سيوافق عليها مجلس النواب الفرنسي بأكثرية الأصوات 443 صوتاً ضد 85 صوتاً!. أليس هذا بلد الأخوة والمساواة والحرية على مقاس الثوار؟ المعارضة كانت من الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه جان جوريس، الذي طالب بإلغاء المعاهدة وإبدالها باتحاد! مغربي فرنسي!؟. وأشد المعارضين الاشتراكيين لتدخل فرنسا في شؤون المغرب مثله غوستاف هرفي (Gustave Hervé) ) وعبر عنه في صحيفته " لاغير سوسيال (La Guerre Sociale) " الحرب الاجتماعية" مشجعاً السلطان المولى عبد الحفيظ ضد تدخل الجيش الفرنسي. إلا أن موقف الحزب الاشتراكي ضل يتذبذب ولا يستقر على أي مبدأ أخلاقي ثابت أو إنساني مسؤول، وإنما يزايد على الحكومة طالما كان في المعارضة، ليتبنى ذات مواقفها وهو في الحكم!. ثم صادق عليها مجلس الشيوخ في 11 يوليو (تموز) 1912 م. وصدر قانون المصادقة الرسمية ونشر بالجريدة الرسمية بعد أربعة أيام أي بتاريخ 15 تموز.