الثقافة الإغريقية والشرق.
فثقافة الإغريق مثلاً، سادت الشرق قرابة تسعة قرون ( من زمن الإسكندر المقدوني إلى ظهور الإسلام ) ومع ذلك، لم يجاريهم من الشرقيين المحليين من تمثل فلسفتهم أو منظورهم في الفنون أو الآداب أو العلوم بلغته الأم، ولا نازعهم السبق منهم أحد في هذه الميادين من خلال هذا التزاوج بين الشرق والغرب. فمثلا يتعذر العثور على مصري واحد من بين المشاهير الذين جعلوا من الإسكندرية العاصمة الثقافية الهلِّنستية للبحر الأبيض المتوسط !. إذ تسمية المدينة نفسها: " الإسكندرية المحاذية لمصر" ( Alexandria ad Aegyptum ) وليس "الإسكندرية بمصر"!، تنبئ عن الرمزانية المفارقة والأجنبية التي مثلتها هذه المدينة بالنسبة للمصريين الأقحاح ، أبناء النيل طوال فترة حكم البطالمة لها.
فهي بالنسبة لعامة المصريين، مدينة اليهود والإغريق على أرض مصر.ونفس الشيء يمكن ملاحظته إبان الحكم الروماني لمصر ( 30 ق.م ~ 324 م ) أو الحكم البيزنطي لها من سنة 324م إلى فتح عمرو بن العاص سنة 641 م. لأن ثقافتهما إنما كانت كلاًّ وعالة على الإغريق بالأساس، ومثلت هجيناً هزيلاً ملفقاً لها.
فظهور بعض الأعلام الفينيقية، مثل زينون الرواقي ( 336 ~ 264 ق.م ) المولود في قبرص والذي أخذ معارفه في أثينا التي قصدها سنة 314 ق.م، ثم أنشأ له رواقاً له بها سنة 301 ق.م على عادة الإغريق، لينشر كتابه: "الجمهورية" باليونانية على غرار أفلاطون، إنما كان مقلداً لأفلاطون وللإغريق حتى في اسمه الإغريقي "زينون" الذي سماه به والداه. بل وإن سلمته الجمعية الأثينية مفاتيح الأسوار وأهدته تاجاً من الذهب وكتبت على قبره : "لن يضيرك منبتك في فينقيا ضيراً!..الخ، فلن يتعدى هذا أن يكون تنويهاً عنصرياً في حد ذاته!. أو أدريانوس الصوري ( ~ القرن الثاني الميلادي ) الذي تصدر كرسي البلاغة في أثينا واشتهر بعبارته المأثورة : " هاقد عادت الآداب مرة أخرى من فينيقيا! " واستمع إليه كل من القيصرين الرومانيين هادريان ( 117 ~ 138 م ) ومركوس أوريليوس ( 121 ~ 180 م ) وخلعا عليه الذهب والضيع والعبيد وانتهى أستاذاً للبلاغة في روما. لقد عادت الآداب، لكن بالإغريقية!. أو فورفوريوس الصوري ( 305 ق.م ~ 233 ق.م ) الذي درس على أفلوطين السكندري ( 205 ~ 270 م ) الأفلاطونية المحدثة وتنقل بين الإسكندرية وروما وأثينا، ونشر دروس شيخه أفلوطين بتقسيمه لها ستة أقسام، كل قسم منها تسعة فصول واشتهرت ب " التساعيات" ، التي ترجمت إلى السريانية لتترجم منها لا حقاً إلى العربية إبان الحكم العباسي بذلك العنوان الخطأ التاريخي الشهير، الذي لم يلتفتوا إليه!: "أثولوجيا أرسطوطاليس".
فكل هؤلاء إنما يشبهون أشباحهم من المعاصرين الذين يبرزون في ترجيع المعارف الوافدة التي تعلموها في المهجر، دون أصالة أو إبداع يذكر، كما نشاهد في عصرنا، من إغداق للجوائز على أمثالهم من طرف الدول التي استعمرت بلدانهم، ثم مسحت بالتنشئة ذاكرتهم التاريخية والمرجعية بتلك الطرق الفجَّة!. طواويس معرفة يصلحون للزهو وطُعُم صيد بقصد التهجين بتزيين نموذج المستعمِر أمام المستعمَرين لمحاكاته من خلال هذه النماذج المحلية المهجنة كمسوخ وليس لأي شيء آخر!.
وأثر المثاقفة البارز والوحيد الذي سيصمد لعوادي الزمن، وينتقل عبر التاريخ والأجيال كأرضية وموروث خلفي لكل الأمم اللاحقة في المنطقة، سيتمظهر بالخصوص في الغنوص ( العرفان ) المتصوف المتفلسف الأسراري الشرقي، الذي يخلط ويعجن ويهجن ويجمع بين متنافرات حضارية ودينية مختلفة، لا يجمع بينها جامع!.
الثقافة الإغريقية والشرق
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode