المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية: تحقيق معنى الفطرة
(12) كيف تعامل المفسرون مع خبر عمر بن الخطاب
قال ابن كثير في تفسيره (2: 263)، طبعة دار الفكر بيروت لسنة 1401 هـ ملخصاً:
قال الإمام أحمد حدثنا روح (الطريق رقم 12 على اللوح 8 أ) هو ابن عبادة، حدثنا مالك، وحدثنا إسحاق (الطريق رقم 13 على اللوح 8 أ)، حدثنا مالك (الطريق رقم 5 على اللوح 8 أ)، عن زيد بن أبي أنيسة: أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية:
{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}، الآية.
فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال:
إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.
فقال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بأعمال أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار.
وهكذا رواه أبو داود (الطريق 3 على اللوح 8 أ) والنسائي في "السنن الكبرى" (الطريق 10 على اللوح 8 أ) عن قتيبة، والترمذي (الطريق 4 على اللوح 8 أ) عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى (عن مالك)، وابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب (الطريق 1 على اللوح 8 أ)، وابن جرير عن روح بن عبادة وسعد بن عبد الحميد بن جعفر(الطريق 5 على اللوح 8 أ)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (من الطريقين 11 و12 على اللوح 8 أ) من رواية أبي مصعب الزبيري كلهم عن الإمام مالك بن أنس ((الطريق 5 على اللوح) به.
قال الترمذي: وهذا حديث حسن!!! ومسلم بن يسار لم يسمع عمر!
قلت (عمراني): وهذا نموذج من المنقطعات التي يحسنها الترمذي فاعجب!
وأضاف ابن كثير:
كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة. زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة {الأودي وهو مجهول الحال}.
وهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه عن: محمد بن مصفى عن بقية، عن عمر بن جعثم القرشي عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بن ربيعة. (الطريق "هـ" على اللوح 8 أ).
قال:
كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} فذكره.
وقال: الحافظ الدارقطني: وقد تابع عمر بن جُعثم بن زيد بن سنان أبو فروة الرهاوي (الظريق "ز") وقولهما أولى بالصواب من قول مالك والله أعلم.
قلت (عمراني): وكلام الحافظ الدارقطني: أبو الحسن علي بن عمر (306 هـ - 385 هـ) أورده في كتاب: "العلل" له (2: 221/235) {ط. أولى: 1405 هـ/1985 م، بتحقيق محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الرياض} وجاء فيه:
وسُئل {يعني الحافظ الدارقطني} عن حديث نعيم بن ربيعة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل يسأله عن قوله تعالى: {وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهرهم ذرياتهم} فقال عليه السلام: {إن الله لما خلق آدم مسح بيمينه ميامنه فأخرج منها ذرية طيبة فقال: {هؤلاء للجنة} الحديث فقال:
يرويه زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة عن عمر (بن الخطاب) {الطريقان 4 و 5 على اللوح}، حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وجود إسناده ووصله، وخالفه مالك بن أنس فرواه عن زيد بن أبي أنيسة ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله عن مسلم بن يسار عن عمر (الطريق رقم 5 على اللوح).
وحديث يزيد بن سنان متصل وهو أولى بالصواب والله أعلم.
وقد تابعه عمر بن جعثم فرواه عن زيد بن أبي أنيسة كذلك قاله بقية بن الوليد عنه (الطريق رقم "هـ" على اللوح 8 أ).
انتهى كلام الدارقطني.
قلت (ابن كثير):
الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدا لما جهل حال نعيم (...)
ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ويقطع كثيرا من الموصولات والله أعلم.
(انتهى كلام ابن كثير).
قلت: أي أن الإمام مالكاً رحمه الله بإسقاطه ل " نعيم بن ربيعة " المجهول الحال هذا، دلس هذا الخبر تدليس تسوية.
ويعد هذا الصنيع من شر أنواع التدليس كما لا يخفى. وقد اشتهر بمثل هذا النوع من التدليس الخطير: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي (ت: 150 هـ).
ومن هنا تتبين أخي السائل المساهمة القيمة والفذة للإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 هـ - 204 هـ)، تلميذ الإمام مالك (ت: 179 هـ)، حين منع من الاحتجاج بالمراسيل والمدلسات في الأخبار، لما فيها من وهن صريح.
ولو كان قد عمل بتقليد شيخه في هذا المسلك، وهو من هو في الجاه والعلم، لما اختلفت تراثية المسلمين عن تراثية اليهود والمسيحيين في شيء.
قال الشافعي رحمه الله في "الرسالة" (1: 379):
وكان قول الرجل: سمعت فلانا يقول، سمعت فلانا يقول، وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق، فقبلنا منه حدثني فلان عن فلان. ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته.
وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق.
قلت (عمراني): وبحسب هذا الموقف الصلب من الشافعي رحمه الله، فكان يجب أن يُصنف الإمام مالك رحمه الله من بين "المدلسين" ما صُنف: ابن جريج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة وغيرهم من الأعلام، ولا فرق!
ويمكن لمعترض أن يقول: لكن بالنسبة لمالك رحمه الله فقد درست أحاديثه ومحصت من طرف أجيال من النقاد المتأخرين عنه وبالتالي حصرت رواياته التي رواها أحياناً عن بعض المضعفين، لعدم وقوفه على حالهم تحسيناً للظن بهم، لكونهم من الواردين على الحجاز، كحال خبرنا هنا!
قلت (عمراني): وكذلك محصت كل روايات: ابن جريج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة،..إلخ. ولا فرق!
فكيف نفسر هذا الخلف غير الموضوعي في التعامل مع الرواة؟
ولرب قائل يقول: إن هؤلاء الحفاظ اندثرت مدارسهم وقل المنافحون عنهم، أما مالك فله مذهب يتقوت منه الأتباع المقلدة وإلى اليوم، وأقل ما ينتظر منهم للحفاظ على مكاسبهم ومناصبهم هو عدم المساس بشخص ولي نعمتهم!
ولهذا التفسير شاهد من التاريخ في تعامل مالكية المغرب والأندلس مع الإمام علي بن احمد ابن حزم الظاهري (ت: 456 هـ)، بسبب الانتقادات اللاذعة التي كان قد وجهها لمنهج الإمام مالك خاصة في تعامله مع الأخبار، وفي ترجيحه لعمل أهل المدينة على بعضها، حتى وإن صحت مخارجها بالنسبة للمنهج القديم غير المعزز.
وهو الخلاف الذي يمكننا اليوم البث فيه بعلم بمنهج علمي موضوعي من خلال "مقياس الوثوقية المعيار" للحكم لمالك رحمه الله أو لمخالفيه من المدارس الفقهية المناوئة.
وهو ما يثبت لك أخي السائل مرة أخرى وبالملموس: أن التقليد شر مطلق.
وعوداً على بدء
فكيف نفسر إذن، جرأة ابن حبان على مثل تأويله المتعسف ذاك، والخبر المستشهد به باطل لا تقوم به حجة!؟
الجواب:
تغليب المعتقد القِبلي على المنهج الموضوعي
ولا شك أن الإمام مالك رحمه الله سبقه إلى هذا.
ذلك أن الإمام مالك يعد من أعلم الناس بروايات كل من: عمر بن الخطاب وروايات ابنه عبد الله وكل ما يتعلق بهما وبفقههما إلى درجة أن عده الحفاظ في الطبقة الأولى من أصحاب: نافع مولى عبد الله بن عمر غير منازع ولا مدفوع {أنظر: "طبقات النسائي" (1: 131) بعناية محمود إبراهيم زايد، ط. أولى 1369 هـ، دار الوعي، حلب، سوريا}.
فهو يروي عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في الكتب التسعة حوالي 394 رواية مع بعض التكرار.
وبما أنه لا توجد رواية عن أسلم مولى عمر بن الخطاب تشهد لهذا القول من طرف عمر بن الخطاب، أو من طرف ابنه عبد الله أو نافع نفسه أو الرواة عنهم فكيف تسنى لمالك إرسال الخبر عن عمر، وهو يعلم يقيناً أنه لم يحدث به!؟
ثم كيف تجرأ أبو حاتم على تصحيحه وهو ممن لا يخفى عليه حاله، مع علمه بأن البخاري ومسلم قبله لم يعرجا عليه!؟.
ثم كيف تجرأ الحاكم النيسابوري على الاستدراك بمثله على الشيخين وحال حال الخبر ما علمت؟
وانتقلت البلية من هؤلاء إلى المؤلفين في العقائد فأدخلوها حشواً وبدون تمحيص مؤلفاتهم، وهم لا يعلمون من حالها شيئاً!
قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ اللالكائي (ت: 418 هـ)، وهو المحسوب على "أهل السنة والجماعة"، في شرحه لموقف المعتزلة من أمثاله في مقدمة كتابه: "اعتقاد أهل السنة والجماعة" (1: 13-15)1:
موقف المعتزلة من أهل السنة والجماعة: ما قذفوا به المسلمين (يعني بهم: أهل السنة والجماعة} من "التقليد" و"الحشو". ولو كشف لهم عن حقيقة مذاهبهم كانت أصولهم المظلمة وآراءهم المحدثة وأقاويلهم المنكرة كانت ب "التقليد" أليق وبما انتحلوها من "الحشو" أخلق إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق مخالف أو موافق.
إذ فخره على مخالفيه بحذقه واستخراج مذاهبه بعقله وفكره من الدقائق، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق. فليس بحقيق، من هذه أصوله، أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما! وأذعن لهما! واستسلم لأحكامهما! ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص واستحالة أن يطعن عليه لأن بإجماع المسلمين: أنه على طريق الحق أقوم!، وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم! وبنور الاتباع! اسعد!!، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولا، ولا الاعتصام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بنو أو متعجبا، ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرا مستهزيا، لا شيء عنده إلا مضغ الباطل والكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده!
وإنما دينه: الضجاج، والنفاق، والصياح، واللقلاق، قد نبذ قناع الحيا وراءه، وأدرع سربال السفه فاجتابه وكشف بالخلاعة رأسه وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم {ألا ساء ما يزرون}.
فهو كما قال الله تعالى:
{وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون}
فهو في كيد الإسلام وصد أهله عن سبيله ونبز أهل الحق بالألقاب أنهم "مُجبرة" ورمى أولي الفضل من أهل السنة بقلة بصيرة! والتشنيع،....، والتعدي على القوّامين بحقوق الله والذابين عن سنته!!! ودينه.
فهم كلما أوقدوا نارا لحرب أوليائه أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين،....
قلت: واللالكائي رحمه الله، كغيره من المقلدة المحسوبين على "أهل السنة والجماعة"، يستشهد بمثل هذه الواهيات في كتابه، وهو لا يعلم أنها كذب صراح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، من الوعيد ما فيه!
والحقيقة كما تبدت لك الآن أخي السائل، أزال الله حيرتك، لا هي في "حشو" المعتزلة ولا هي في"حشو" من ينتسبون إلى "أهل السنة والجماعة" وإنما في المنهج الصلب على ما أوقفناك من طريقة تشغيله. وهو ما يستحق وحده أن تعض عليه بنواجدك.
أما الديناصورات والأحافير فمكانها المتاحف وليس صناعة التاريخ.
وبهذا أكون قد أتيت على آخر ملحظ في أسئلتكم، التي أخذت من الوقت المتواصل زهاء السنة إلا شهراً، منذ أن وردت علينا لأول مرة بتاريخ التاسع من نوفمبر سنة 2003 م.
ومنه تعلمون، لا نغص الله حياتكم بعد اليوم بدردشة المتطفلين على علم الحديث، أن ما قمنا به هنا بخصوص مرويات مصعب، هو ما يجب أن ينجز في أقرب الآجال، كفرض من فروض الكفاية، مع كل رواة الحديث (وهم يعدون بالآلاف)، وذلك لما تجدد من تحديات معاصرة على كل الصعد المعرفية ذوات الصلة الوثيقة بالحديث النبوي الشريف، وكذلك لتجدد آليات النقد، وعلوم الدراية.
وهذا أمر لا يستطيع أن يقوم به شخص لوحده ولا عدة أشخاص في جيل واحد، خصوصاً وقد تبين لكم بالملموس أن تحقيق رواية راوي مقل كمصعب بن شيبة أخذ منا كل هذا الوقت، كما لا تستطيع أن تضطلع به المؤسسات التقليدية، حتى لو رامت ذلك، لخلو القصد أولاً، ولضعف الهمة ثانياً، ثم لضعف الطالب والمطلوب ثالثاً، مادام فاقد الشيء لا يعطيه، حيث أن:
- لا نوعية الأساتيذ،
- ولا نوعية الطلاب الذين يلجون هذه المؤسسات، تتوفر فيهم أقل الشروط الدنيا للقيام بمثل هذا العمل.
وكلي أمل في أن تكون هذه الإجابة شافية بقدر ما هي كافية في إزالة الحيرة التي أوقعكم فيها من لا دراية لهم بمثل هذه الأمور، مستشرفاً في ذات الآن، أن يتخلص الحقل من أمثالهم وأن نتخذ عليهم مقابر، وأن يستنهض مثل هذا الرد فيكم وفي الأحياء من هؤلاء المتحزبين خارج عصرهم، الغيرة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعناية به من أجل إحيائه من جديد، وتبويئه المكانة اللائقة به.
وهل لي أن أقرر كختام مسك: بأن لا استئناف حضاري ممكن خارج هذا المطلب الملح.
تم بحمد الله يومه الإثنين، الثالث عشر من شعبان 1428 هـ/السابع والعشرون من أيلول (سبتمبر) 2004 م، على الساعة السابعة مساء بتوقيت الرباط (غرينيتش)..
والحمد لله رب العالمين.
محمد عمراني حنشي.
الهامش:
1 نشرته دار طيبة بتحقيق د/أحمد سعد حمدان، ط. أولى 1402 هـ، الرياض.
(12) كيف تعامل المفسرون مع خبر عمر بن الخطاب
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode