25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

المبحث الخامس : في تسليط الضوء على المتون الخبرية المنكرة

(2) التحليل النصي لمتن: عشرة من الفطرة

في تحقيق معانى "الفطرة"

وردت في متن هذا الخبر لفظة "فطرة" وهي لفظة متخثرة بالحمولات الدلالية، وحمالة أوجه من جهة المعاني التي يمكن أن تنسحب عليها.

وبالتالي، فهي بحاجة إلى سبر واستقصاء وتصنيف، بغية حصر معانيها كلها، وفرز مداليلها حتى نتبين ما يقصد منها في سياقات المتون الخبرية المختلفة، إن أردنا تجنب الوقوع في شرك الالنباسات: اللغوية، أو العرفية، أو المفهومية، أو العقدية، أو العلمية،...إلخ. وكلها واردة هنا.

أ) في المفهوم القرآني للفطرة: الفطرة التكوينية

ورد هذا المعنى في نص قرآني صريح1:

(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم)

فمفهوم "الفطرة" هنا، ربطه ( بـ "الخَلْق"، ثم بـ "الدين".

وبخصوص الرابطة الأولى وهي: الخلق، فيتنزل بحسب المعرفة العلمية الحالية بمعنى "البصمة" الخلقية المميزة للخليقة بصفتها مخلوقات لله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى في سورة "الإسراء"، الآية 51:

(فسيقولون من يعيدنا. قل الذي فطركم أول مرة)

أي: أن الذي قدركم كفكرة، ثم أخرجكم كصورة، وخلقكم كنشأة، أول مرة، لا يتعذر عليه بالأولى إعادة خلقكم دون المرور بكل هذه الأطوار، وها قد وجدتم فعلا في عالم الوجود، بعد أن لم تكونوا!.

وهذه "البصمة" المميزة في الخَلْق بينتها الآية 11 من سورة "لقمان":

(هذا "خلق الله" فأروني ماذا خلق الذين من دونه)

أي أن خلق الله وصنعه، متميز جداً ولا يمكن أن يلتبس مع أيّ شيء آخر.

فكل الخليقة إذن، ومن ضمنها الجنس البشري، تحمل هذه "البصمة التكوينية" الطابعة كصفة خَلقية ملازمة لأفرادهم، لا تنفك عن أحدهم بحال، ولا يخروجون إلى عالم الوجود بدونها.

وهذه "البصمة التكوينية" بالنسبة للجنس البشري، وبمعارفنا الحيوية المعاصرة، تعد من "مُوَرِّثاتهم" الذاتية، التي يحملها "مجينهم" (Genome) كبرامج تحتفظ ب "صورهم" و"وظائفهم"، طبق الأصل، كهوية ثابتة مميزة لهم يتوارثونها كلهم جيلاً بعد جيل.

قلت: وقد تم أخيراً توصيف المجين البشري: "البصمة الوراثية للإنسان" ضمن "مشروع المجين البشري" (Human Genome Project)، في شهر أبريل من سنة (2003)، بعد أبحاث استمرت لأزيد من عقد من الزمن وبميزانية ضخمة ناهزت الخمسة عشرة بليون دولار. (الصورة إلى اليسار).

وبهذا الإنجاز العلمي الباهر، أصبح في مقدور الإنسان، أكثر من أيّ وقت مضى، ليس فحسب تحديد هوية أي شخص، بل صار قاب قوسين، من تحقيق ذلك الحلم الجهنمي القديم لإبليس في إمكان تغيير سلوكيات البشر، فقط بالوحي إلى أوليائه الغافلين عن كل هذا، بأن يعبثوا ب "البرامج التكوينية للإنسان"!

وظاهر أن "المجال" الذي يتحقق فيه الإسقاط التنزيلي للأخبار، أو "العلم" الذي سنتخذه كرائز لمعايرة صدق أو كذب المتون التي سترد فيه لفظة "فطرة" بهذا المعنى التكويني الخاص، هو: "علم الوراثة" المعاصر.

وهذا مطلب ضروري من مطالب "علم الدراية"، لا يجوزو لمن لا يلم بمبادئه العامة أن يخوض فيه بجهل ولا بتخرص، دون استشارة أهل الاختصاص فيه!

ولا يخفى عليك أخي السائل، من خلال بعض ما تقدم، أن المهندس الحديثي المعاصر، الجامع والمزاوج ما بين:

العلوم العصرية، بكل تشعباتها المختلفة، والمنهجية الحديثية، بالصرامة الصامدة الضرورية هو القادر وحده اليوم على أحياء الحقل مجدداً وضخ الدماء الجديدة في شرايينه، وذلك بغية إعادة التدوين من جديد، على أسس أكثر صلابة من أي وقت مضى.

والمهندس الحديثي، بهذه المواصفات يعد بدون أدنى شك، فزاعة ناجعة للهش على أكثر ذباب المتأخرين من ضحايا خريجي المدارس الشرعية التقليدية المعاصرة، خارج هذا الحقل العالي التخصص، على ما تبين لك، وسيتبين لك أكثر فيما يأتي من فصول.

ومكمن الضعف في هؤلاء الخريجين، لم يتأت منهم مباشرة، بسبب من ضعف بنيوي في قدراتهم الفكرية أو العقلية الذاتية، وإنما جاءهم بالأساس من المؤسسات التي يتكونون فيها رأساً. وهي مؤسسات رسمية قاصرة كل القصور عن مواكبة العصر لثلاثة أسباب قاهرة:

  • أحفورية المهتمين بتدريس هذا العلم لاعتمادهم الاجترار كمنهج، والجمود كقالب وتصور منظوري، دون تملكهم لناصية العلم، وهو ما يسلبهم القدرة على الصول والجول فيه فبالأحرى القدرة على التجديد فيه.
  • ضعف الزاد التكويني للطلبة المتخرجين على أيدي هؤلاء في علمي: الرواية والدراية، ركيزتي هذا العلم، على ما أثبتنا في حق أبرز ممثلي هذا التيار المتكلس في شرق العالم الإسلامي وغربه، في غير ما مؤلف من مؤلفاتنا (أنظر نماذج لردودنا على بعضهم على موقعنا هذا)، والذين بدل أن يفيدوا مما نكتب لينتجوا ويبدعوا ويجددوا في صناعة العلم، أو يردوا علينا بعلم، وجدناهم، وعلى غرار كل المقلدة في كل زمان ومكان، تأخذهم العزة بالإثم ليصُمُّوا بآذانهم ويعموا ببصيرتهم، ويصدوا عن سبيل الرشاد صدوداً، على غير الفطرة!، بسبب من هذه التنشئة والتبيئة بالذات التي تكبل عقولهم.
  • وهذا التقليد الأعمى لشيوخهم، وعلى قلة بضاعتهم، يخرجهم تماماً من التاريخ والعصر، فيتحصل من هذا مركب نقص ملازم لهم كل الملازمة ما حيوا.

لذلك توجب تأسيس مؤسسات علمية مستقلة وصروح علم حرة افتراضية بما أصبحت توفره شبكة الإنترنيت، خارج وصاية الدول أياً كان شكلها، أو لونها السياسي، أو توججها العقدي، خصوصاً وأن التاريخ الإسلامي كله، يشهد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن تدخل الدولة في العلم لم يكن يوماً في صالحه، بل كان في أكثر الأحوال وبالاً عليه وعلى الأمة تبعاً وهو ما يجب تلافيه مستقبلا إن أريد لهذه الأمة أن تقوم من كبوتها.

الهامش:

1 سزرة الروم، الآية 30.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق