25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

المبحث الخامس: في تسليط الضوء على المتون الخبرية المنكرة

(1) تخريج خبر: "عشرة من الفطرة"

وهو الخبر الذي أخرج النسائي في كتاب: "الزينة"، الخبر رقم 4954، فقال:

أخبرنا إسحق بن إبراهيم { بن مخلد الحنظلي: ابن راهويه المروزي (ت: 238 هـ) وهو ثقة حافظ}، قال: أنبأنا وكيع {بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي (ت: 196 هـ) وهو ثقة حافظ}، قال حدثنا (5) زكريا بن أبي زائدة {الهمداني الوادعي الكوفي (ت: 148 هـ) وهو ثقة يدلس}، عن (4) مصعب بن شيبة، عن (3) طلق بن حبيب، عن (2) عبد الله بن الزبير، عن (1) عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

عَشْرٌ مِنَ الفطرة: (1) قَصُّ الشَّارِبِ، (2) وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ،(3) وَالسِّوَاكُ، (4) وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، (5) وَقَصُّ الأظْفَارِ، (6) وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، (7) وَنَتْفُ الإبِطِ، (8) وَحَلْقُ الْعَانَةِ، (9) وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، و(10) الْمَضْمَضَةَ!.

قلت: وقد مر بنا إنكار الإمام أحمد لهذا الخبر، من جهة الصناعة الحديثية الصرفة، حيث أن مصعباً، وهو متكلم فيه، خالف من هم أوثق منه، فرفع الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بينما الأوثق منه يروونه مرسلاً فقط عن عبد الله بن الزبير بن العوام، أي: منقطعاً.

والقاعدة المنهجية: أنه لا يحتج بالمراسيل والمنقطعات في الصحيح

وقد لخص أبو محمد، جمال الدين، عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي القاهري (ت: 762 هـ) في: "نصب الراية1" (1: 76) الإشكال من هذه الحيثية الاصطلاحية بقوله:

فصل في الغسل: الحديث الثالث والعشرون:

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {عشر من الفطرة}

وذكر منها: "المضمضة" و"الاستنشاق".

قلت (الزيلعي): رواه الجماعة إلا البخاري.فمسلم، وأبو داود، وابن ماجة في: "الطهارة" والترمذي في: "الاستيذان" وقال: حديث حسن! والنسائي في:الزينة: كلهم عن:

(4) مصعب بن شيبة عن (3) طلق بن حبيب، عن (2) عبد الله بن الزبير، عن (1) عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخبر).

وهذا الحديث وإن كان مسلم أخرجه في صحيحه ففيه علتان ذكرهما الشيخ تقي الدين {أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري القاضي الأصولي الحنبلي، الشهير بلقب: "ابن دقيق العيد" (625 هـ/1228 م – 702 هـ/1302 م) }، في "الامام"2 وعزاهما لابن مندة:

  • إحداهما: الكلام في مصعب بن شيبة. قال النسائي في سننه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا يحمدونه.
  • الثانية:أن سليمان التميمي رواه عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير مرسلا!.

هكذا رواه النسائي في سننه ورواه أيضا عن أبي بشر، عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير مرسلا.

قال النسائي: وحديث التميمي وأبي بشر أولى، ومصعب منكر الحديث.

ولأجل هاتين العلتين لم يخرجه البخاري،

ولم يلتفت مسلم إليهما!، لأن مصعبا عنده! ثقة! والثقة إذا وصل حديثا يقدم وصله على الإرسال!!.(انتهى قول الزيلعي)

قلت: وقال ابن حجر العسقلاني في: "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (1: 46):

حديث "عشر من الفطرة" فذكر منها "المضمضة"، و"الاستنشاق".أخرجه مسلم والأربعة من حديث:

(4) مصعب بن شيبة، عن (3) طلق بن حبيب، عن (2) عبد الله بن الزبير، عن (1) عائشة قالت: (الخبر).

وأخرج النسائي من وجه آخر عن:

(3) طلق بن حبيب، (2) عن عبد الله بن الزبير، ليس فيه عائشة.

وقال: إنه أولى بالصواب

قلت: فأنت ترى، من خلال الفقرة الأخيرة، الواردة عند الزيلعي، كيف كان يلتجئ بعض المحدثين، ومن بينهم الأمام مسلم رحمه الله في حالنا هذه، إلى العمل بشبه "قاعدة"، لا تتوفر شروط انتهاضها أصلاً. إذ كيف يعمل بـ "القاعدة" في "زيادات الثقة"، ومصعب، حتى في أحسن أحواله مختلف فيه!؟

وهل من اختلف النقاد فيه، تسري عليه القاعدة أعلاه، حتى يعمل بها!؟.

ولاشك أن أيّ "علم" لا تنضبط إجرائيات إعمال قواعده، ليس بـ"علم" في حد ذاته، وبحد سيف تعريف "العلم" نفسه، كتحصيل حاصل. وهو حرج محير ولا شك!.

وهذا التذبذب في عدم الانضباط بحيثيات تعريفات المصطلحات، هو أساس لوقوع الكثير من النقاش السفسطي الفارغ، الذي لا طائل تحته.

ونورد لضرب منه: قول أبي يعلى: الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي القزويني (367 هـ - 446 هـ) في كتاب: "الإرشاد" (1: 157 - 158)3 أثناء حديثه عن أقسام الحديث:

اعلموا رحمكم الله أن الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقسام كثيرة!!!

صحيح متفق عليه،

وصحيح معلول!،

قلت: وهذا الكلام من أبي يعلى قمة في النقائض المنطقية من شاكلة الشيء وضده المعبر عنها رمزيا في الرياضيات بـ: { (ب) ? (– ب) }. أي: (الشيء) و(نقيضه)!

إذ كيف يعقل أن يكون الخبر "صحيحاً" و"معلولاً" في نفس الوقت؟!. والتعريف يقول بأن "الخبر الصحيح" هو:

ما اتصل سنده بالعدل الضابط عن مثله، من أوله إلى منتهاه، من دون شذوذ أو "علة"!

فإن وجد السند الصحيح، فالعبرة أولاً وأخيراً به، ولا دخل مطلقاً لطرق أخرى معلولة، مادامت هذه، قد غربلت من قبل، عند أول تشغيل للمنهج وألقي بها عرض الحائط.

وأضاف أبو يعلى:

وصحيح مختلف فيه،

قلت: وهي نقيضة منطقية أخرى من شاكلة: { (ب) ? (– ب) }.

إذ كيف يعقل أن يختلف في "الصحة المعيارية"، بمعيار العلم الموضوعي، الذي لا دخل للذاتانية فيه!؟

ثم أضاف:

وشواذ، وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، ما أخطأ فيه سيء الحفظ يضعف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له.

قلت: وكل هذه الخمسة تندرج ضمن الضعيف، ولا دخل لها بالصحيح بوجه!

وأضاف:

فأما النوع الصحيح المتفق عليه فمثل ما يرويه أحد الأئمة كمالك، وابن أبي ذئب، والماجشون، وابن جريج، وغيرهم عن:

- نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن:

- عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما يرويه:

- الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن: عمر عن النبي.

فمن لم يكن له معرفة بالحديث، فكل ما يجده بهذا الإسناد، يحكم بصحته!

وإنما يكون كذلك، إذا كانت الرواة، إلى أن يبلغ إلى الزهري ومالك: ثقاتاً عدولاً.

فأما إذا كان فيهم ضعيف، أو ركب عليهم ضعيف، فذاك الأئمة يردونه ويذكرون علته.

فقياس ذلك من الصحيح المتفق عليه:

حديث حدثناه أحمد بن محمد بن عمر الصاحب النيسابوري، حدثنا محمد ابن إسحاق الثقفي، حدثنا قتيبة بن سعيد البغلاني، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعا وعشرين درجة

وهذا متفق عليه، بتعديل الرواة إلى آخره من أوله.

أخرجه البخاري عن: التنيسي، عن مالك، واتفق عليه ثقات أصحاب مالك: الشافعي وأقرانه.

وقياس الموضوع على هذا الإسناد:

حديث حدثناه: محمد بن عبد الله الحاكم، حدثنا احمد بن علي المقرئ، حدثنا أزهر بن زفر المصري، حدثنا عبد المنعم بن بشير، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

اللهم بارك لأمتي في بكورها

هذا وضعه عبد المنعم وهو وضاع على الأئمة.

سمعت الحاكم يقول، سمعت محمد بن علي يحكي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:

قلت لأبي: يا أبت رأيت عبد المنعم بن بشير في السوق،

فقال: يا بني وذاك الكذاب يعيش!

وهذا الخبر بهذا الإسناد، لا أصل له عن مالك، ولا عن نافع، وإنما رواه صخر الغامدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهو من الافراد، من حديث مالك، تفرد به أبو الاحوص: محمد بن حيان البغوي، عن مالك، عن هشيم بن أبي خازم، عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، ذكر صخر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأبو الاحوص ثقة، ولا يعرف لمالك حديث رواه عن هشيم بن بشير، وهو أصغر من مالك، يروي عن مالك.

بينت هذا الطريق الواحد من الإسناد الصحيح والسقيم المركب عليه ليستدل به على شواهده.

قلت: ثم انتقل إلى الحديث عن "العلة" فقال:4

فأما الحديث الصحيح! المعلول! فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها فمنها:

أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا.

فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال5.

قلت: وهذا ما لا ينطبق على مصعب المهمل، لأنه ضعيف متكلم فيه، وخالف من هم أوثق منه. ومن هنا جاءت النكارة في خبره السابق.

وقد تحتم علينا، وأمام شبهة ما ظهر وكأنه تكافؤ بين الأدلة، المتأرجح ما بين توثيق مسلم، وابن معين، والعجلي لمصعب من جهة، وتضعيف البخاري وباقي الحفاظ له من جهة أخرى، الرجوع القهقرى بالإشكال إلى المربع الأول، الذي تسبب في المعضلة.

وقد مر بك كيف قمنا باستقصاء مرويات مصعب، بغرض الحكم عليه موضوعياً من خلالها مجدداً، مادامت مروياته وحدها، هي الأساس الموضوعي الوحيد الذي التجأ إليه كل من أصدر عليه حكمه من قبل، لأنه ولا واحد منهم عاصره ليحكم عليه حكم الشاهد العيان.

ومن خلال جردنا لمرويات مصعب، تبين لنا بالملموس، أن الصواب، وكما كان منتظراً6، كان مع البخاري، وليس مع مسلم.

ولا يخفى عليك الآن:

  • بعد وقوفك على البنية الهشة لكل ما يروي مصعب من حديث،
  • وبكون كل مروياته، وعلى قلتها: مراسيل ومنقطعات،

أن موقف البخاري رحمه الله من مصعب، هو الموقف المبدئي والمنهجي السليم الذي يتساوق منطقياً مع مطلب "شرط الضرورة" في تعريف "الصحة" الاصطلاحية بلا جدال أو نقاش.

أما أن يكون لـ "مسلم"، أو لغيره، ممن جاءوا بعد البخاري، اعتراض على هذه الصلابة المنهجية التي اكتملت كإجرائية بالنسبة للسند الفرد، غير المعزز، عند البخاري في صحيحه، إما:

أ‌. من جهة أذواقهم أو ذاتانياتهم في اختياراتهم الخاصة بهم،

ب‌. أو من جهة التمرد على شرط البخاري الصلب، لقلة ما ترك لهم البخاري من مادة على شرطه (كما شرحنا ذلك بإسهاب في كتابنا: "الهندسة الحديثية")، كي يستطيعوا أن يسودوا بها بعض أبواب كتبهم، فهذا ما يندرج ضمن ذاتانية أصحابه ولا دخل له ب"العلم" ولا ب "المنهج الحديثي الصلب" من قريب أو من بعيد، مادامت ميزة كل "علم صلب"، هو أن لا يحابي أحداً.

وإلى هنا، نكون قد أجبنا على شطر مما جاء في: "لب سؤالكم"، وذلك بالتحقق من سلامة النقل، من خلال تشغيل رائزين فقط من روائز التحقق من الصحة الخبرية وهما:

  • رائزية سلامة الحوامل: أي "الحوامل الناقلة للرسالة" أو "المُوصِّلات" بلغة الإعلاميات، أو "الإسناد" بلغة "الأوتاد" في بادية العرب وخيامها،
  • ورائزية المطابقة في النقل: وتمثلت في النكارة الخبرية الاصطلاحية، التي وصم بها الإمام أحمد هذا الخبر، لأنه لا يتطابق مع نسخ الثقات منه.

وكل واحد من هذين الرائزين جد كاف في حد ذاته، متى تعثر الخبر في عبوره، برد الخبر وإخراجه من الاعتبار.

لكن، تبقى مع ذلك، نكارة أخرى يحملها متن هذا الخبر، لم يعرض لفحواها الأقدمون بكثير تفصيل أو حسم، ويفرض علينا المنهج إخضاعها للبحث، للتحقق من محلها من الإعراب، قبل القبول بالخبر كخبر سالم من كل مطعن أو مأخذ.

قلت: وبالنسبة لخبرنا هذا، فيظهر وكأننا أمام نكارتين امتزجتا ودخلتا في بعضهما البعض:

  • نكارة لغوية عرفية،
  • ونكارة علمية حيوية وراثية.

وكلاًهما بحاجة ماسة إلى تشغيل المنهج من جديد، ضمن التخصصات التي يحيل عليها منطوق المتن وفحواه.

وهذا ما سنحاول القيام به الآن.

الهامش:

1 الكتاب الأصلي الزيلعي هو: "تخريج أحاديث الهداية" الذي لخصه الحافظ شهاب الدين، أبو الفضل: احمد بن علي الكناني المصري، الشهير بلقب: ابن حجر العسقلاني (773 هـ - 852 هـ) سنة 827 هـ في كتاب حمل عنوان: "الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية"، وكتب عليه: "نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية".

2 قال السبكي في: "طبقات الشافعية" (2: 231):

ومن تصانيفه "الإلمام في أحاديث الأحكام" في الحديث وتوفي ولم يبيضه فلذلك وقعت فيه أماكن على وجه الوهم وكتاب "الإمام: شرح الإلمام". وهو الكتاب الكبير العظيم الشأن. قال الإسنوي: وقد كان أكمله فحسده عليه بعض كبار هذا الشأن ممن في نفسه منه عداوة فدس من سرق أكثر هذه الأجزاء وأعدمها وبقي منها الموجود ثم الناس اليوم وهو نحو أربعة أجزاء.

3 طبعة مكتبة الرشاد، الطبعة الأولى لسنة 1409 هأ/1980 هأ، بعناية د/محمد سعيد محمد إدريس، الرياض، المملكة العربية السعودية.

4 الإرشاد (1: 163).

5 وذكر مثالاً مطولاً، فانظره في: "الإرشاد" (1: 164 - 165).

6 مما لا يسعنا تفصيله هنا، وبسطناه في: "الهندسة الحديثية".

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق