3) كيف جمع "الثبات" و"الجريان" بين الشيخ ابن باز، وغاليليو غاليلي، والبابا أوربان الثامن ؟
3.1) الدين ومفاوز التأويل
إذا كان العلم إنتاجاً بشرياً بامتياز، فمن الملفت، وعلى أكثر من صعيد، أن يكون "علم الكونيات" بالذات، وكما تطور في الغرب إبان النهضة الأوروبية وإلى بدايات القرن العشرين، علماً تصديقياً مِحكِّياً لمنطوقات النصوص الدينية من جهة التاويل والتنزيل، بحكم الموضوعات التي يعالجها، لتقاطعها مع الأطروحات الكنيسة الكاثوليكية في فهمها للخليقة وتفسيرها للنصوص الدينية.
ومن المفارقات التاريخية، أن يبدأ الحوار العلمي الكنسي على أسنة الخوازق ولهيب المحارق المتأججة بأجساد المخالفين للأطروحات التي تقول بها الكنسية حيث سلكهم القساوسة في عداد الهرطقيين خارج هرطقتهم البولصية التاريخية، التي مثلت عند المُحاقة أكبر انقلابية دينية حصلت في التاريخ البشري كله، حيث تغلب التيار الهرطقي البولصي الوثني المتفلسف على الخطاب المباشر والبسيط لمواعظ الجبل التي تلقفها الحواريون من في المسيح عليه السلام حية مُحْيِيّة وصافية رقراقة زلالاً، ليكتب النجاح والاستمرارية التاريخية للمتطفلين الهرطقيين الذين سيستحوذون حتى على اسم الدعوة ويحتكرون استعماله، في حين انقرض الحواريون وكنيسهم وطواهم التاريخ إلى أن بعثوا مجدداً في الإسلام، ستة قرون بعد ارتفاع صاحب الرسالة!
وكان أول قربان تقدم به الرهبان لرب الجنود، متناسين الخلفية التاريخية التي أو جدت هرطقتهم، العالم الإيطالي غاليليو غاليلي (Galileo-Galilee) الذي حكم عليه القساوسة بالإقامة الجبرية في منزله إلى أن مات كمدا، مع أن الصواب كان يميل إلى جانبه، لأنه رأى بأم عينيه اللتان لا تكذبان صاحبيهما من خلال منظاره، توابع لكوكب المشتري تدور في أفلاك حوله، ليقول بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس (الصورة)، كما كانت تقول الكنيسة، من منطلق نصي،، هو محايث للخرافة أكثر منه للواقع، على ما مر بنا في حلقة سابقة. أما كيف أمكن للشمس أن تقف ليوم كامل في كبد السماء ولا يظهر لهذا الحدث الجلل من أثر في سجلات الأمم فهذا ينبئ عن نمطية العقول ونمطية النصوص المؤسسة !
لكن، وبالرغم من هذه النهاية المأساوية على أكثر من صعيد، إلا أن هذا الحكم الصادر في حق غاليليو، وعلى فظاعته، يمكن إدراجه تحت مصطلح: "الموت الرحيم !"، بالقياس مع أحكام مشابهة صدرت في حق علماء آخرين، حال: العالم الإيطالي الآخر: جيوردانو برونو (Giordano Bruno) الذي نتوفر لحسن الحظ على تقرير مفصل عن الطريقة التي تم بها شيُّه وهو حي في صبيحة يوم 17 فبراير/شباط سنة 1600 م، من خلال شهادة الرهبان المنتمين لـ "أخوةِ القدّيس يوحنا"، المقطوع الرأس.
وهو تقرير أصيل باعتراف الكنيسة الكاثوليكية ونشر سنة 1889.
يقول هذا التقرير عن النهاية المفجعة للرجل بسبب أفكاره، التي استقى أغلبها من العلماء المسلمين لتتلمذه على كتاباتهم:
. . . لَكنَّه (أي جيوردانو) أصرَّ دائما ! وحتى النّهاية في شقاقه المَلْعُون ! ودماغه الملتوي ! ورأيه المحمل بألف خطأ !!!
نعم، لَمْ يُتخلّ قط عن عنادَه !، ولا حتى حين أخذه أدلاءَ المحكمةَ إلى "مخيم التحريق" (كامبو دي فيوري) (Campo de' Fiori) .
هناك نُزِعتْ ملابسه، وربط مع جذع وتم حرقه وهو حي !.
{قلت (عمراني) واثبت النص هنا بلغته الأصلية، لمن يجيدها، كي لا أحرمه من تذوق بلاغة الكلام الأصلي الفج بسبب الخيانة المصاحبة لكل ترجمة}.
{ e quivispogliato nudo e legato a un palo fu brusciato vivo}
وكان مصحوباً طوال هذا الوقت بأخوتِنا، التي ما انف>كت تنشد الإبتهالاتَ !!!، بينما حاول المواسون وحتى اللحظة الأخيرة كَسْر مقاومتِه العنيدةِ !، إلى أن أسلمَ حياته (روحه) البائسة! والتافهة !!!
{ ويظهر اللوح المصاحب مشهد التحريق كما تخيله الرسام "دوراند" معتمداً على هذا الوصف الإخواني الدقيق !(DURAND)}
وكان طبيعياً أن يتولد عن مثل هذه الممارسات اللاإنسانية النشاز المصادرة لحرية الفكر، أزمة ضمير من النوع الحاد، الذي لا يمكن لأي مجتمع ناهض وعي بذاته وبدوره التاريخي، كالمجتمع الأوروبي إبان هذه الحقبة الحرجة من تاريخه، ولا لأي فرد من أفراد النخبة الذين زخر بهم العصر، وتذوقوا طعم الحرية حال أحرار النهضة، أن يتعايشوا معها بحال، على غرار ما فعلت أجيال من القن قبلهم إبان العصور الوسطى المظلمة.
فهذه الأمم كانت مقبلة على فرصتها التاريخية في الاستخلاف، من باب التداول القرآني للصدارة الحضارية، بغض النظر عن المحتوى العقدي للأخيرة، ولن يستطيع إيقاف اندفاعها لجني ثماره أحد.
وليلاحظ القارئ بأن هذه المعالجة الموغلة في التطرف نتجت عن إشكالين بنيويين في النصوص وهما:
1) القراءة الحرفية للنصوص، وهي وإن مثلت إحدى القراءات الممكنة التي لا غبار عليها، متى توفرت شروطها الموضوعية، إلا أنها قد تتعذر أحياناً وتصبح مخلة.
2) اعتماد نسخ ليست أصلية، لضياع كل أصول كتب العهد القديم، وبالتالي إمكان حصول التحريف في النسخ المعتمدة إما عن قصد أو عن غير قصد. وهو عيب مغيب على المتأول، ووجوده يحول دون التنزيل القطعي لنصوص على ما تتنزل عليه،
بالإضافة إلى إشكال محايث مرتبط بالمتأولين وهو:
3) الجمود على القوالب القديمة في التفسير والتأويل، التي تجاوزها العصر، بسبب قصور ذاتي في المتأول، الذي قد لا تسعفه معارفه في فهم النصوص، لينزلها تنزيلها الصحيح والسليم على عصره.
وهي ثلاثة آفات لا شك ستفضي بمن لم يأخذ حيطته ويحترس من الوقوع في شركها، إلى الوقوع حتماً في الخطأ التأويلي .
وهو ما يسبغ على "الظاهرة التأويلية" صفة الكونية وينزع عنها الخصوصية الدينية والظرفية التي تمظهرت بها في التاريخ.
الشاهد عندي، هو أن ليس هناك من فارق جوهري من جهة التفسير والتأويل بين هذه النازلة التاريخية التي حصلت وقائعها في العالم المسيحي في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، والورطة التأويلية التي سيقع فيها مفتيان معاصران من هيئة كبار العلماء !!!! بالمملكة العربية السعودية، أثناء معالجتهم لنفس الظاهرة!
هذا، بالرغم:
1) من تعاملهما مع نص أصلي محفوظ لم يشبه التحريف1(انظر الهامش)، على خلاف وضع القساوسة،
2) وجود فارق زمني شاسع ناهز الثلاثة قرون، بين معالجة الكنيسة للإشكالية ومعالجة المفتيين لها. وهي حيثيات لو كان المفتيان قدراها حق قدرها كما هو منتظر من أي مفتي، لعصمتهما من التورط في الإشكال، خصوصاً وبضاعتهما العلمية الدرائية ومع الفارق الزمني والتقدم العلمي الحاصل، مقارنة مع بضاعة البابا في الموضوع وفي زمانه تبعث على الرثاء، كما سنتبين بعد قليل.
ذلك، أن البابا أوربان الثامن (Urban VIII ) (1568 – 1644) (الصورة) واسمه قبل "التبويب" مافيو بابريني (Maffeo Barberini) كان ينتمي إلى عائلة الباربيريين القويَّة، ذات الفروع الكثيرة في كل من روما وفلورنسا. وهي عائلة أنجبت العديد من الكاردينالات.
وقد ساعدته هذه الأصول في التدرجِ السريع ليتسلق سلالم الكنيسةَ بسرعة البرق. وهو ما يشير من طرف خفي إلى أن أمر الدين كان يستهوي علية القوم من أشراف ساكنة المدن وليس أهل القرى !، حال ما سيصبح عليه الأمر كقاعدة في ديار الإسلام ومنذ دهور وعصور، وهو ما يعني أيضاً أن الرجل لن يعاني من مشاكل التواصل مع من يمسكون بأيديهم السلطة السياسية وزمام الأمور.
أضف إلى هذا، أنه بالرغم من تخصصه في الأدب وتأليفه لعدة كتب حول الشعر، إلا أن هذا التخصص لم يمنعه من الانفتاح على العلم، خصوصاً وأن العلم كان حديث الساعة في عصره، ومثل التحدي المباشر للكنيسة لعقلانيته، حيث أقبل عليه الأوروبيون بنهم شديد من خلال تلاقحهم فكرياً مع المسلمين، سواء في الأندلس أو في جامعات إيطاليا الجنوبية، حيث كانت تعتبر جامعة بدوى، وهي الجامعة التي سيدرس فيها غاليليو غاليلي قلعة معروفة للرشديين اللاتين، أي من تأثروا بشروحات القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد (ت: 595 هـ/1198 م) للمنظومة الفكرية للفيلسوف اليوناني أرسطو. (384 - 322 ق.م)، والذي من فرط إعجابه وحبه للرجل سلكه في عداد: "الملائكة"! الذين أرسلهم الله للبشرية من أجل تعليمها !
وهي أقل هفوات أبي الوليد !
ثم زيادة على هذا وذاك، فقد تعرف باربريني على غاليليو غاليلي عند عودة الأخير إلى مدينة فلورنسا سنة 1610 م. لتتوطد بينهما صداقة، أساسها إعجابه بغاليليو وبذكائه الحاد، إلى درجة جعلته يقف سنة 1611 م إلى جانبه في نقاش علمي حول "الأجسام الطافية" دار بين غاليليو والكاردينال غونزاجا ( Gonzaga).
وهو دفاع ساعد على قيام علاقة زبونية بين الرجلينِ، وخصوصاً بعد انتخاب باربريني لكرسي البابوية سنة 1623 ليصبح البابا أوربان الثامن.
وكانت مناسبة التتويج حافزاً إضافياً لتمتين تلك العلاقة، حيث سيزور غاليلو البابا في روما ست مرات ليتحاور معه حول النظرية الكوبرنيكية. وقد نتج عن هذه الاجتماعات أن حصل غاليليو على رخصة من البابا للكِتابَة حول نظريةِ كوبرنيكوس الجديدة، طالما عالجَها كفرضية من الفرضيات وليس كحقيقة علمية تنقطع لها الرقاب.
ويتضح من هذا السرد التاريخي أن البابا كان ملماً بنظرية كوبرنيكوس إلمام متخصص، مادام فد ناقش تفاصيلها مع أحسن شارح لها في عصره وهو غاليليو تفسه.
وللتاريخ فإن قسطاً كبيراً من الملامة في تعكير صفو هذه العلاقة الزبونية المتميزة بين الرجلين، يتحملها غاليليو نفسه، حين نشرِ كتابه: "حوار حول النظامين الرئيسين للكون" (الصورة) سنة 1632، ووَضْع حجّةِ "قدرة الله الكليةِ"، وهي الحجّة الأثيرة لدى البابا أثناء الحوارات الست التي دارت بينهما سنة 1623، على لسان "سيمبليسيو" ( Simplicio): وهو الأرسطوطاليسي الجلد، الذي يستحضر قارئ الكتاب في ذهنه شارح أرسطو الشهير الذي يحمل ذات لاسم. وهي الحجة، التي لم يدخر غاليليو جهدا لتفنيدها في كتابه.
وهو ما لم يغفره له البابا.
وأستعرض هنا، من باب تنوير القارئ بخلفيات المشكل الذي نحن بصدده، جانباً من النقاش، الذي يخص "ثبوت الأرض"، كما آمن بذلك أرسطو، الذي يتكلم باسمه شارحه سيمبليسيو في الحوار الذي أجراه غاليليو غاليلي بين الرجال الثلاثة: سيمبليسيو( Simplicio) ، وساغريدو (Sagredo) وسالفياتي (Salviati) الظاهرين على غلاف الكتاب، كما تصورهم الناشر.
يقول سامبليسيو مستعرضا الحجج التي قدمها أرسطو للتدليل على ثبوت الأرض:
1. حركة الأرض لَيسَت دائمَة. وبالتالي فإن تحركها سَيكُونُ عَنيفاً وليس طبيعياً (بالنسبة لأرض تحتل مركزَ الكونِ)، لذا فحركتها لا يُمكنُ أَنْ تكونَ دائمَة !.
2. إختلاف المنظر. فالحركة تستوجب أن يكون للأرض حركة موسميّة ثانية، كما هو الحال بالنسبة لكُلّ الكواكب الأخرى. وهذا سيؤدي لا محالة إلى تغير في المواقعِ المرصودة للنجومِ، التي لا نراها طوال السنة.
3. ما يسري على الكليات يجب أن يسري أيضاً على الجزئيات نفسها كأجزاء. وبالتالي فحركة الكل يَجِبُ أَنْ تَماثل تماماً حركة الأجزاءِ، بالنسبة لمركزَ الكونِ.
4. الحركة الدافعة. إن الأجسام الساقطة أو المقدوفة في الهواء إلى أعلى تنتقل في خط مستقيم سواء لفوق أو لأسفل. بدلاً مِن أَنْ تتخلف إلى الوراء بسبب حركةِ الأرضِ أثناء دورانها حول محورِها.
5. الحفاظ على المظاهرُ. حيث أن فرضية "ثبوت الأرض" تَتوافقُ مع المظاهرِ المُشاهدة للنجومِ والكواكبِ.
وليلاحظ القارئ أنه قد سبق لنا في حلقات سابقة التعرض إلى أول القائلين بالنظام الشمسي.
فنحن نعرف أن بعض الفلكيين اليُونانِيّن القدماء، مثل "أريستارخوس الساموسي" ( Aristarchus of Samos)، و"فيلولاوس التارنتومي" (Philolaus ofTarentum)، و"هيراقليد البونتي (Heraclides of Pontus) وَضعوا الأرضَ والكواكبَ السيارة الأخرى المعروفة لهم آنذاك في حركة مدارية حول الشمسِ، بل وقالوا بدوران الأرضِ يومياً حول محورها، وبمثل هذ القول سيقول الفلكي الهندي أريابهات (Aryabhatt) إلا أن المتأخرين ما بعد أرسطو سيأخذون بنظامه المركزي الأرضي، لأنه يفسر الظواهر المشاهدة، كما عبر عن ذلك سيمبليسيو.
وسينحى الفلكي الإسكندري كلوديوس بطليموس (ت: 140 م) منحى أرسطو ليضيف إلى حججه الخمسة أعلاه حجة سادسة وهي:
أن الأرض لو كانت متحركة لاجتاحتها العواصفَ.
وقد أخذت الكنيسة بتفسير بطليموس، كما سيفعل المسلمون من بعدها بعد إضافة نظرية أفلاك التدوير لتصحيح حركة الكواكب.
ويتضح من استعراض حجاج أرسطو وخصوصاً ملاحظته الأخيرة بخصوص الحفاظ على المظاهر، أن النظام المركزي الأرضي كان يفسر الظواهر المشاهدة للكواكب والنجوم، وخصوصاً بعد ابتكار أفلاك التدوير، حتى وهي لا تفسر حركات كل الكواكب، حال الكواكب السيارة الداخلية مثل عطارد والزهرة والمريخ.
وهو ما يفسر جزئياً على الأقل، المقاومة الشديدة التي أبداها البابا حيال كل الجهود التي بذلت من أجل العفو عن غاليلو، لأنه ظهر للبابا من خلال عنوان الكتاب أن الأخير يمثل استمرارية للحوار الذي بدأ بينهما سنة 1623، مع إبراز معايب وجهة نظر البابا، دون تمكين الأخير من التعقيب أو الرد لتعذرهما بسبب المنصب الذي يشغله.
وقد استنتج البابا ولا شك، ولنا أن نتفهم وجهة نظره، أنه مادام غاليليو قد استبد في استعمال سلطته المعرفية، وهي سلطة معنوية لا تقل عن سلطة البابا الدينية، ليحتكر الخطاب ويصبح الخصم والحكم في آن، باستحواذه على الخطاب كله، بما في ذلك وجهة نظر البابا التي ذهب يشغل عليها مشرطه التبضيعي ليمزقها شر ممزق، وليقول البابا أشياء ربما لم يقل بها، .....أن لا يفل الحديد سوى الحديد. وذلك بالاستبداد في استعمال سلطتيه الدينية والدنيوية في حق الرجل العاق الذي مرغ سمعته في التراب ليتنذر بها العارفون أجيالاً بعد أجيال. ولا أحد يحب أن يتذكره الناس والتاريخ كهزأة !
وهي خصلة حقودة متأصلة في البابا ستمنعه من السماح للمورسكيين: الأندلسيين المسلمين المطرودين سني: 1609 – 1614 من طرف فيليب الثالث الإسباني من ديارهم، بالعودة إلى وطنهم، عندما كتب إليه ملك إسبانيا فيليب الرابع ملتمساً بذلك2.
والسبب، هو أن أسيرة متنصرة لسنين كانت تخدم البابا، تشهدت وهي على فراش الموت في نزعها الأخير {رحمها الله تعالى حية وميتة ويوم تبعث حية من جديد لتخاصم البابا الرحيم !!} وهو ما جعل البابا يحقن على الموريسكيين، ويشك في تنصرهم الإجباري من طرف محاكم التفتيش.
أي أن البابا، يتحمل المسؤولية التاريخية في عدم رجوع مواطنين أسبان، متنصرين لثلاثة أجيال، لا لشيء سوى لكون واحدة منهم تمسكت بإسلامها وماتت عليه !
وهذا عندي تاريخ يجب أن ينبش ويحقق ويعاد تقييم أحداثه كي لا يتكرر.
وراجع ضمن هذا السياق ما قاله المطران ربييرا في تقرير بعثه به إلى الملك الإسباني فيليب الثالث الذي حكم خلال الفترة (1578 – 1621 م) حول مناعة الموريسكين في التنصير في مقالة: "شواش في فقه الأصول وضبابية في التنزيل" على هذا الموقع.
الآن، وبعد أن حددنا الإطار التاريخي، للنازلة وصيرورتها التاريخية، فيمكننا أن نقيم موازنة موضوعية قدر الإمكان، بين موقفي القساوسة الكاثوليكيين ممثلين بالبابا، والشيخين: ابن باز والعثيمين بخصوص النظام المركزي الأرضي والنظام المركزي الشمسي.
وأذَكّر القارئ بأن الكنيسة كانت قد حاكمت غاليليو غاليلي لقوله بقول مخالف لما تحمله النصوص المقدسة، حيث قال هو بدوران الأرض حول الشمس، بينما الأرض في عرف رجالات الدين، وبحسب ظاهر النص الوارد في سفر يشوع، ساكنة والشمس هي التي تلف وتدور حولها، لأن الله كان قد أوقف الشمس في كبد السماء ليوم كامل !!!، حتى يتم النصر لبني إسرائيل بقيادة يشوع بن نون، فتى موسى عليهما السلام، على أعدائهم!
(10: 12) حينئذ كلم يشوع الرب يوم اسلم الرب الاموريين امام بني اسرائيل وقال امام عيون اسرائيل يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي ايلون . (10: 13) فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من اعدائه . أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر . فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل . (10: 14) ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده سمع فيه الرب صوت انسان . لان الرب حارب عن اسرائيل.
ولتخلف المسلمين العام، وخروج فقهائهم جملة من العصر، فلم يدر بخلد المفتي الرسمي للملكة، وهو يدلي بدلوه في موضوع خارج تخصصه، بأنه سيحفر في جرح غائر من الذاكرة التأويلية للإبراهيميين، حتى وهو يستشهد للنازلة الطارئة، على خلفية هبوط أول إنسان فوق سطح القمر {الصورة تبين طاقم رحلة أبولو 11 من اليمين إلى اليسار: إدوين بوز ألدرين (Edwin 'Buzz' Aldrin)، وميكال كولينز (Michael Collins) ونيل أمسترونغ (Neil Armstrong)، الذين مشى منهم الأول والثالث فوق سطح القمر لأول مرة في تاريخ البشرية يوم 21 يوليو 1969 م}، لكن بنص إسلامي مخالف !، مع أن مياه كثيرة جرت تحت رحى علم الفلك منذ محاكمة غاليليو غاليلي.
فما بالك، وأن يراكم الشيخ فوق كل هذه التركة التي تئن من حمل تبعاتها الجبال، الجهل بالصيرورة التاريخية التي أخذ القارئ الآن عن خلفيتها الدينية، والعلمية، والاجتماعية، نظرة مجملة، وإن بعد مرور ثلاثة قرون على أحداث هذه النازلة المؤلمة !
بل إن الكنيسة البابوية، كانت قد غيرت موقفها من النقيض إلى النقيض، يوم أن أطل الشيخ على عصره بفتوى من خارج التاريخ !
إذ خلال المدة الفاصلة بين موت غاليليو وهبوط أول إنسان فوق سطح القمر، حاولت الكنيسة في مناسبات عدة التكفير عما اقترفته في حق غاليليو، ومهدت لذلك بإيحاءات مباشرة وغير مباشر. فمن المقاربات المباشرة، رد البابا: "بِنديكت الرابع عشر" (Benedict XIV) الاعتبار لنظريةَ "مركزية الشمس" (heliocentrism ) إبتداءً مِنْ القرنِ الثامن عشر (سني: 1741 و1757)، وهو ما يرد الاعتبار لغاليلو ضمنياً، وإن كان التنويريون الأوروبيين لم يعيروا كبير اهتمام لإشارة البابا، لأنهم ببساطة كانوا قد تجاوزوا مثل هذا الإشكال، ولم يعد هناك من مكسب راهن يمكن الاستفادة منه في إعادة فتح الحوار مع الكنيسة.
وظهر للتنويريين أن مقاربة البابا جد محتشمة كما وأنها جاءت متأخرة عن زمانها !
لكن، ومع انقشاع الغيوم المتلبدة التي تركتها الثورة الفرنسية من وراءها، بصفتها العدو اللدود للكنيسة البابوية، شرع البروتستانتيون في البحث عن حل جذري لإشكال التأويل، واقتنعوا أن إشكال تأويل النصوص ناتج عن انعدام وجود نص أصلي يمكن الرجوع إليه من أجل التأويل الصحيح3
لذلك قر قراراهم، من باب مجبر أخاك لا بطل، اعتماد النصوص الإغريقية والعبرية للعهد القديم. وهي لمن يجهل بالنصوص المرجعية لأهل الكتاب من يهود ومسيحيين: نسخ ثانوية لا تغني بحال عن أصولها المفقودة، وإن كانت أقدم نسبياً.
وهو ما يعني بأن إشكال التأويل في اليهودية والمسيحية إشكال بنيوي صامد سرمدي لا يمكن تجاوزه..
ثم تبع هذه الخطوة محاولات من أجل الاتفاق حول التأويل وقواعده وآلياته فيما سيشتهر لاحقاً باسم: "الهرمينوطيقا": (hermeneutics) من أجل تجاوز التفسير الحرفي للنصوص الذي أوقع الكنيسة في ورطات لا أول لها ولا آخر ! {ولنا كتاب لم نتمكن بعد من طبعه كسائر إخوته، رغم راهنيته يحمل عنوان: "التاويلية الإسلامية في مضيها وحاضرها: آفاق المستقبل"
وهو خلف منطقي سيؤدى بالباباوات المتعاقبين أمثال : "ليون الثالث عشر" (Léon XIII) (1878 - 1903) (الصورة إلى اليمين)، الذي لم يرحمه النقد، حتى وهو يغادر هذا العالم، كما تظهر الكاريكاتور المصاحبة والتي تقول:
وأخيراً توفي، لقد جعلنا ننتظر كثيراً. لقد عرفته دائماً عنيداً بشكل عجيب !
إلى إصدار رسائل باباوية موجهة (encyclicals) تعرف بالعلاقةَ التي يجب أن تسود بين العِلْمِ والدينِ المسيحي.
وكذلك سيفعل الباباب: "بيوس الثاني عشر" (Pie XII) (1922-1939) (الصورة إلى اليمين) {الذي كان يرى في الإسلام خطراً داهماً على الكنيسة لا يختلف عن الشيوعية ونشر عدة رسائل توجيهية لرعيته بهذا المعنى}،
وقد نتج عن هذه التعليمات ظهور عدد من الترجمات التي ستعرف ب "الترجمات القانونية" (canonical) مع بداية القرن العشرين.
وبخصوص غاليليو فقد ذهب البابا يوحنا بولص الثاني {الصورة) إلى استحداث مجموعة عمل من أجل البحث في رد الاعتبار للرجل، فكانت مناسبةَ لتَوضيح العلاقاتِ المتبادلةِ التي يجب أن تسود بين الدينِ والعِلْمِ لتقول الكنيسة بدون تلعثم:
إن الكنيسة اليوم، لا تزعجها الأسئلةَ المتعلقة بالبنية الطبيعيِة للكونِ. وتهتم بالأحرى بتطبيقات النظرياتِ في الحياة العاديةِ.
وهو ما يعني أن الكنيسة البابوية قبلت أخيراً بالهزيمة بالضربة القاضية من العلم، ولم تعد تضع نصوص الكتابات المقدسة على محكية العلم، لتأكدها بأن هذه النصوص ليس بإمكانها تحمل هذا الرائز الموضوعي القاهر.
وفي المقابل فإن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رئيس هيئة الإفتاء بالمملكة العربية السعودية، لم يكن من خلال تكوينه الشرعي، شأنه شأن كل الفقهاء المعاصرين، ليهتم لا بعلم الفلك، ولا بالكنيسة ولا بتاريخها، …
فكيف له أن يفكر في رجل نكرة كغاليليو الذي لم يسمع به قط ولا يعلم حتى بوجوده ؟
فالحالة هنا اجتماعية، ومن اختصاص عم النفس، وليس العلم العام
إذ كيف ننتظر ممن هو غارق ومستغرق بكل روحه وجدانه في مشاهد وملاحم القرن السابع – الثامن الهجريين، يعيش أحداثه وكأنه حاضر فيه متماهياً في المطلق مع صولات وجولات ابن تيمية رحمه الله مع معاصريه، ومستحضراً لأجواء مناظراته مع المخالفين العقديين من داخل الإسلام ومن خارجة، ومطلعاً على فتاواه المرتبطة بعصره وما زخر به من مشاكل ودواهي، وعلى خلفية قرقعة السيوف التي مثلها الغزو التتري لديار الإسلام في تلك الحقبة التاريحية، أن يتسع وقته للتعرف ولو على محيطه الذي يعيش فيه، ولا أقول عصره!؟
لذلك، لن نعحب أن يتسع وقته، ما يتسع لحوت غائص في بحار ابن تيمية اللجية والمتلاطمة الأمواج، يطفو على السطح للضرورة ولهنيهات قصيرة، ليأخذ لنفسه جرعة من بعض مشاكله التي تستعصي أو كانت استعصت على الحل لقرون، ليغوص بها مجددا إلى عصر ابن تيمية ويعرضها على أنظار الإمام من خلال ما سطر في كتبه من أشباه ونظائر ليقيس عليها نازلته، وإن لم يعثر له على مثال يحتدي به من بينها حملها إلى تلميذه ابن قيم الجوزية، وكرر معه ما سبق وأن استعرض من قبل مع شيخه، قبل أن يطفو من جديد شاهراً للفتوى.....وهكذا دواليك!
وهي حلول لن تصلح قطعا وفي المطلق لعصره الحقيقي الذي أوجده فيه برنامج الوجود.
وكنموذج على هذا النوع من الحلول لمشاكل العصر خارج الزمان والمكان، أورد رسالة حملت عنوان: "الشمس جارية والأرض ثابتة !" ضمن رسالة حملت عنوان: "الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض" (صورة الغلاف): 
فلقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرسين في هذا العصر أن الأرض تدور والشمس ثابتة وراج هذا على كثير من الناس وكثر السؤال عنه فرأيت أن من الواجب !!!! أن أكتب في هذا كلمة موجزة ترشد!!!! القارئ إلى أدلة بطلان هذا القول!!!!! ومعرفة الحق !!!! في هذه المسألة فأقول:
قد دل القرآن الكريم !!!!! {قلت (عمراني): وهو لم يدل}، والأحاديث النبوية !!!! {قلت (عمراني): ولا يصح منها شيء وبالتالي فهي لم تدل} ، وإجماع !!! علماء الإسلام {قلت (عمراني): وهم لم يجمعوا، ولو أجمعوا لكان إجماعهم على باطل تعوزه النصوص القواطع ودال على أميتهم وعدم أهليتهم للفتوى}، والواقع المشاهد !!!! {قلت (عمراني): وهو على خلاف ما ادعى الشيخ} على أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله تعالى وأن الأرض ثابتة !!!!! {قلت (عمراني): ولا يقول بهذا سوى أمي جاهل لا يعرف ما يخرج من مخه} قارة !!!! {قلت (عمراني): وهو باطل} قد بسطها الله لعباده....
قلت (عمراني): ويستوجب هذا الكلام ملاحظتين:
1) العجب كل العجب من أن تحتوي فقرة بهذا القصر على هذا العدد الهائل من الأغاليط مع كل مفردة،
2) القول بثبات (سكون) الأرض وجريان الشمس: وهو عين قول القساوسة.
وسوف يكرر الشيخ هذا القول في رده على سؤال ورد إليه من جريدة الندوة ونشرتها في عددها 11293 الصادر في يوم السبت 15/8/1416هـ./1995 م، جاء فيه:
رد على المفترين على العلماء
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم
وفقه الله لما فيه رضاه آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
بعده : كتابكم الكريم المؤرخ 21 / 10 / 1397 هـ/1976 م وصل وصلكم الله بهداه ، وأفيدكم أني لم أطلع على كتابكم السابق الذي أشرتم إليه ، بل سلم لمندوبكم قبل أن أطلع عليه ، وقد كان فضيلة مدير مكتبي أخبرني به وذكر أنه مطول ، فأجلت قراءته إلى وقت مناسب خارج المكتب ، فطلبتموه قبل ذلك ، فأمرت بتسليمه لمندوبكم . . وقد اطلعت على ما نشرته صحيفة السياسة الكويتية ، فألفيتها قد ذكرت ما أشرتم إليه من زعمها أن مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كفر من قال بهبوط الإنسان على سطح القمر ، أو قال : إن الأرض كروية ، أو أنها تدور ، وهذا تنقله السياسة عن البيان الذي أصدره كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر .
ولا شك أنهم يقصدون بمدير الجامعة شخصي . لأني أنا الذي كتبت في الموضوع حينما أذيع خبر النزول على سطح القمر وكنت ذلك الوقت رئيس الجامعة ، ولا شك أن الأمر كما أشرتم إليه من جهة وجود المفترين على العلماء وغيرهم ، كما يوجد من ينقل الأخبار على غير وجهها كما قيل : وما آفة الأخبار إلا رواتها ، ومقالكم الذي نشر في المجلة الأمريكية ونقلت بعضه مجلة الاعتصام هو من هذا الباب ، وكنت كلمت جلالة الملك خالد في الموضوع بحضرة المشايخ ، لأن المقال خطير فأردت من ذلك أن يطلع على الواقع ويوعز إليكم أن تكذبوه إن كان كذبا ، لأن أعداء الله قد يكذبون عليكم وعلى غيركم ، أو تتوبوا منه حتى يعلم ذلك كل من اطلع على المقال وغيرهم ، وبذلك ينتهي الأمر ويتضح الحق ، وليس في هذا الإجراء غرابة ، لأن المنكر العظيم إذا ظهر وجب أن ينكر ظاهرا حتى لا يغتر به أحد ، وحتى لا يلتبس أمره على بعض الناس....
.................................................
وقد اطلعت على ما كتبتم في صحيفة " المدينة " من التكذيب ، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده ، كما أسأله سبحانه أن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح من جميع ذنوبنا وتقصيرنا ، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا إنه سميع قريب .
أما ما نشرته عني مجلة " السياسة " نقلا عن البيان الذي كتبه كتاب وأدباء التجمع التقدمي في مصر من إنكاري هبوط الإنسان على سطح القمر وتكفير من قال بذلك ، أو قال إن الأرض كروية ، أو تدور ، فهو كذب بحت لا أساس له من الصحة ، وقد يكون الناقل لم يتعمد الكذب ولكن لم يتثبت في النقل ، ومقالي مطبوع ومنشور وقد أوضحت فيه الرد على من أنكر هبوط الإنسان على سطح القمر ، أو كفر من صدق بذلك ، وبينت أن الواجب على من لا علم لديه التوقف وعدم التصديق والتكذيب حتى يحصل له من المعلومات ما يقتضي ذلك.
كما أني قد أثبت في المقال فيما نقلته عن العلامة ابن القيم رحمه الله ما يدل على إثبات كروية الأرض ، أما دورانها فقد أنكرته وبينت الأدلة على بطلانه !!!!!!!! ولكني لم أكفر من قال به ، وإنما كفرت من قال إن الشمس ثابتة غير جارية لأن هذا القول مصادم لصريح القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة الدالين على أن الشمس والقمر يجريان ، وإليكم نسخة من المقالات الثلاث الصادرة مني في هذه المسائل ، وسأكتب إن شاء الله كلمة للسياسة أوضح فيها بطلان ما نقلته صحيفة السياسة عن البيان المشار إليه فيما يتعلق بالمسائل الأربع المذكورة وسأنشره في غيرها من الصحف إن شاء الله ليعلم القراء غلط أو كذب أصحاب البيان المذكور فيما نقلوه عني . . . والله المسئول بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا وإياكم وسائر إخواننا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، إنه جواد كريم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وظاهر أن الشيخ، الذي تجشم الخوض في موضوع ليس له بتخصص، بدعوى نصح المسلمين، وقع في محذور التقول على الله ورسوله بغير علم، درى أم لم يدر.
والزلة هنا مركبة وناتجة عن ثلاثة آفات قاتلات:
1) الفهم الكليل لتنزيل النصوص، لعدم إلمام الشيخ بشفرة القراءة العلمية لعصره،
2) الاحتجاج بأخبار باطلة، لا يعلم الشيخ ما يقدم فيها ولا ما يؤخر، لعدم إلمامه بمنهجية الحديث4،
3) الاعتماد على أقوال رجالات سابقين ليست هذه الأمور لهم بتخصص، ومتجاوزين جداً في عصر الشيخ، حال استشهاده هنا في علم الفلك بكلام لابن قيم الجوزية: محمد بن أبي بكر (ت: 751 هـ/1350 م) رحمه الله من القرن الثامن الهجري، وهو قديم وليس بفلكي!
ويتبين من كلام الشيخ أن فهمه وفهم القساوسة قبله بثلاثة قرون في القول بأن الأرض ثابتة، والشمس تدور حولها، يتنزل على الفهم القديم لنظام بطليموس الفلكي المركزي الأرضي، على ما مر بنا من قبل، وهو ما نسفته الثورة الشاطرية (نسبة إلى علي بن أبراهيم الدمشقي المعروف بابن الشاطر (ت: 777 هـ)}– الكوبرنيكية {نسبة إلى كوبرنيكوس} حين قالا بالنظام المركزي الشمسي، ليس لكون القساوسة والشيخين ضليعون في علم الفلك، وإنما لوقع الحافر على الحافرة بقراءة حرفية للنصوص، مجردة عن تنزيلها الحقيقي في نفس الأمر.
إذ هي قراءة بحسب الظاهر، كما كان يفهمه موسى عليه السلام، وليس كما فهمه الخضر عليه السلام، بعلمه الزائد!
والصورة إلى اليسار أخذت من الفضاء لكوكب الأرض ويظهر فيها الخط الفاصل بين الليل والنهار المتمركز على الحدود المغربية – الجزائرية. وظاهر أن دول الشرق من ليبيا وحتى الجزائر صارت في ليل دامس بينما المغرب لا زال يتمتع بنهاره إلى حين فقط.
وهو ما توضحه التجربة التي يقوم بها الطفل في الصورة المصاحبة.
فتعاقب الليل والنهار يحصل بسبب دوران الأرض حول نفسها، وليس الشمس حول الأرض !.

فدوران الأرض حول محورها هو أساس تكون الليل والنهار، بينما دورانها حول الشمس، هو أساس وجود فصول السنة، كما توضح الصورة المقابلة.
وهو فهم لا يمكن أن يتحصل بقراءة النص لوحده، بمعزل عن هذه المعرفة الفلكية كخلفية محايثة.
وهي معرفة تتنزل هنا بمثابة المعرفة الإضافية التي جعلت الخضر عليه السلام يفسر الظواهر على حقيقتها، وجعلت نبي الله موسى عليه السلام، يخطئ دوماً في تأويل ظاهرها لخفاء تلك المعرفة عليه، وإلا لما أطلق العلماء على هذا التحول في المنظورية الكونية: "الثورة الشاطرية – الكوبرنيكية"، وهو ما لا يمكن أن يستحضره الشيخ لجهله بعلم الفلك، المفتاح الوحيد لفهم ظاهر النصوص على حقيقتها.
ومن هنا جاء التأويل الخاطئ لظواهر النصوص !
بينما حال الشيخ وأفقه المعرفي كانا يستلزمان منه ويحتمان عليه إلا يخوض في هذا الإشكال أصلاً، حتى ولو دفع إليه دفعاً، وأن يعمل جاهدا على أن يجنب المسلمين نصحه في مثل هذه النوازل،
بل كان حقيقاً به أن يقبل النصح ممن هم أدرى بهذه الأمور منه، إلا أنه، وعلى خلاف موسى عليه السلام، الذي أذعن لمنطق الخضر، ركب رأسه ومات رحمه الله وهو على يقينه الخاطئ ذاك.
وكنت قد حاولت الاتصال بالشيخ، عندما قر العزم عندي على إصدار الرد، لأثنيه عن رأيه، كما حاول غيري من قبل، وساعد على ذلك غيورون كثير، فبل أن أتيقن من أن لا فائدة !.
ذلك، أن من يتراجع عن شيء، فهو يتراجع إلى شيء آخر متيقن عنده، أي أرضاً صلبه يشعر بها تحت أقدامه. والشيخ رحمه الله، ما كان ليكون له من يقين في مثل هذه الأمور، وهو الواقف فوق سبخة لزجة إن لم تغص به، زلقت به يمنة ويسرة على غير هدى، وذلك لعدة أسباب موضوعية متداخلة.
السبب الأول: أنه رحمه الله كان كفيف البصر، وبالتالي لا يمكن اللجوء معه إلى الصور لتقريب الفكرة من عقله بخصوص ما تصوره خطا في تأويل النصوص لينزلها على "الثبات" و"القرار" بالنسبة للأرض، حال الصورة المعروضة هنا. والتي توضح قانون كبلر (Kepler) الذي يقول بأن الشعاع الواصل بين الأرض والشمس يمسح مساحات متساوية في أزمنة متسلوية.
ويظهر من الشكل أن الشمس توجد في إحدى بؤرتي الفلك الإهليلجي للأرض. وهي خاصية عامة للأشكال الإهليلجية يعرفها طلبة المدارس الثانوية العلميين، ومن ثم فليس هناك معنى للقول بثبات الأرض، وهي التي ليس فقط تغير مسافتها بالنسبة للشمس، بل وسرعتها أيضاً أثناء دورانها حولها كما تبين الأسهم التي ترمز إلى اتجاهات الحركة وقيم السرعات.
فما بالك، أن الشمس وهي تجري في فلكها تجر معها الأرض والقمر وباقي كواكب المجموعة الشمسية وأقمارها لتجري هي وهم إلى أجل مسمى، كما يوضح الشكل المقابل.
وليس هذا فحسب، بل إن المجرة التي نتواجد نحن فيها هي ذاتها متحركة وتتجه نحو مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنها بحاولي 2.2 مليون سنة بسرعة هائلة قدرها الفلكيون بجوالي 400.000 كيلومتر في الساعة.
بل إن كل هذه المجموعة الظاهرة في الصورة والتي تحمل اسم المجموعة المحلية تتجه نحو نازع كبير (Big Attractor) وهو العتقود المجراتي الموجود بمجموعة العذراء (Virgo Cluster).
وهو ما يعني أن المشكلة التواصلية مع الشيخ ليس لها حل، وبأنه لا ملاذ عنده، بحكم تجربته اليومية وزاده العلمي من المعارف العصرية، سوى التمسك بما عهد وخبر. وهو أمر مفهوم.
لذلك، لو لم يصدر الشيخ فتواه، وهو يترأس إدارة البحوث والإفتاء، لما تجشم أحد عناء شرح مثل هذه الأمور له.
وهو فهم سيتكرس أيضاً عند الشيخ العثيمين ، حيث استدل بالآية 17 من سورة الكهف:
{وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال}
ليقول:
فهذه أربعة أفعال أسندت إلى الشمس: (طلعت)، (تزاور)، (غربت)، (تقرضهم).
ليستنتج أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وأن دورانها أساس الليل والنهار وليس دوران الأرض حول محورها !
وظاهر من فحوى الفتوتين، تلاقيهما في الشكل والمضمون مع قول القساوسة في القرن السابع عشر الميلادي.
لكن ظاهر أيضاً، وبما لا يدع مجالاً للشك، وهو ما أريد أن يتنبه إليه القارئ، أن ورطة القساوسة هي من نوع الزلات البنيوية الجبرية القاهرة التي يصعب تلافيها أو تجنب الوقوع فيها، لتعلقها بالنصوص المؤسسة التي كانوا يعتقدون فيها بأنها معصومة من الخطأ، مع أن القرآن كان قد نبه إلى دخول التحريف عليها وحمّل وزر ذلك إلى بعض الأحبار وتوعدهم بالوعيد الشديد.
أي أن المقتل جاء للقساوسة من كون صرحهم العقدي النصي بني فوق سبخة من الرمال المتحركة، وليس فوق أرض صلبة، حال المنظومة القرآنية التي صححت المعتقدات التوحيدية الإبراهيمية، وأعادت صياغة الجدلية الحجاجية على مستوى النص بجعله إعجازياً، ليس في تركيبه ونظمه فحسب، بل فيما يتوقع به من أحداث مستقبلية أو يخبر به عن الأقوام الغابرة.
وهي تحدبات على مستوى العقل البشري وقابلة للفهم من طرفه، مادام محك رائزيتها في متناول الجميع.
أي أن جدلية القرآن نقلت التحدي الرسالي لتموضعه على مستوى النصوص المؤسسة التي يجب أن تجد دوما تحققها في العلم، وبالعلم وحده.
لذلك، أمكننا إصدار الحكم بأثر رجعي، أن لولا هذه الخلفية التي غابت على البابا وعصره، لما وجد إشكالاً في التعامل مع النص، لأنه أولا أديب ويفقه في تحليل النصوص، ثم هو ثانية يفقه في المشاكل العلمية المطروحة عليه وعلى معتقده، مدفوعاً بالزخم العلمي العام لتلك الحقبة التاريخية.
وهما محكان يعملان لصالحه، بالرغم من مثالبه المعروفة كتعيينه لحفيذين من حفذته كاردينالات، من دون خضوعهم للمراسيم المعهودة في التعميد، أو سكوته على محنة الأقلية الكاثوليكية بألمانيا، لأغراض سياسوية...إلخ.
فهذه أشياء تطعن بالدرجة الأولى في أخلاقيات البابا وفي دعوى "عصمته من الخطأ" !، إلا أن عصمة الباباوات من الأخطاء لم تكن راهنية في عصره، وسيلجأ إليها عصر آخر لغرض سياسوي آخر مختلف!
وسينتج عن لجوء الكنيسة إلى آلية التأويل "الهيرمينوطيقا" ((hermeneutics)) لتفسير نصوص العهد القديم، تعدد التفسيرات والتأويلات سواء احتملتها النصوص أم لم تحتملها، إلى درجة أن فقدت البابوية مرجعيتها في ذلك، وهو ما لم يقصده الآباء المؤسسون من وراء سعيهم الطويل في تقنين التأويل ووضع القواعد الضابطة له.
وكل هذا بسب العوار التاريخي الذي اعترى النصوص، التي لا يمكن أن يوقف لها على أصولها الأولى التي غيبها برنامج الوجود كي تؤول التأويل السليم.
لذلك، لم يكن غريباً أن نجدهم يقفزون فوق الإشكال، مقدمين للعربة قبل الحصان، في فتحهم الأبواب شرعاً لتقويل النصوص ما لا تقول به صراحة: أي حَرفياً.
ويظهر للقارئ الكريم من خلال هذه الصيرورة التاريخية لإشكال التأويل، تهافت من يلهج بمثل هذه المصطلحات المسيحية النشأة والتكوين والنكهة لينزلها على النص القرآني، المتعالي جداً من خلال نوعية خطابه وبنيته التي لا تشبهها بنية أي نص آخر بإطلاق، عن مثل هذه الإسقاطات، مادام أصحابها الأصليون وهم المسيحيون لم يستنجدوا أصلاً بها سوى عندما أعيتهم الحيل وانسدت أمامهم الخيارات، لعدم وجود أصول مرجعية صامدة وصلبة صمود وصلابة النص القرآني، كي يتخذوها مرجعاً بعد أن خذلتهم النصوص عند كل منعطف تاريخي.
لكن، هيهات، هيهات والمقارنة ممتنعة !
حال ما سيدأب عليه بعض خريجي العلوم الإنسانية والأدبية، الذين تعاطوا لمهنة التدريس في البلاد العربية والإسلامية، وحاولوا ملء فراغهم الممل بنقل الآليات التحليلية والمناهج التفكيكية للخطابات، كما تطورت في الغرب، إلى الساحات العربية والإسلامية، خارج سياقاتها التاريخية والاجتماعية والإيديولوجية التي تولدت فيها، متناسين أن بيئات المنشأ غلابة، وبان هيمنة الخطابات المؤسساتية المتولدة داخل ثقافات معينة وعند لحظة تاريخية محددة، لا تصدر كما يصدر الموز ليؤكل أو السيارات لتركب، وإنما لقولبة المجتمع المستهدف، بغرض محو خصوصيته من خلال خطاب يدعي العقلنة أو الكونية، بينما هو خطاب كسائر الخطابات.
وأمثل لهذا المنحى العقيم والمتهافت، بغرض التمثيل فحسب وليس الحصر، بمصريين ثم بمغربي.
أما المصري الأول فهو نصر حامد أبو زيد (الصورة) في مؤلفات من شاكلة: " النص، السلطة، الحقيقة، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة"، و"مفهوم النص دراسة في علوم القرآن"، و" فلسفة !!! التأويل : دراسة في تأويل القرآن عند إبن عربي !!!" ، و" إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، و"الاتجاه العقلي !!! في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة "، و"الخطاب والتأويل " ...؟ التي يدعي فيها معالجة النصوص الإسلامية !، التي ليس لها من "الإسلامية" سوى الاسم، مادام نعت "الإسلامية" لا يمكن أن يطلق على " التفلسف" ، ولا على "التصوف" لمجرد أن بعض المحسوبين على الإسلام كتبوا نصوصاً شارحة (ميتالغوية) بالعربية في هذبن الحقلين كأبي حامد الغزالي أو ابن عربي الحاتمي......
أو انتحال عناوين مثل: " النص، السلطة، الحقيقة، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة" للسطو على أفكار وردت عند الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) (الصورة إلى اليسار) في مؤلف:" المراقبة والعقاب" (Surveiller et Punir)، حول الخطابات الهيمنية، ..دون أن تجد فيه ولا في باقي كشكول مؤلفاته نكهة من إبداع أو إلماعة من براعة تشخيص وعمق رؤية، من شاكلة ما يجد المرء في كتابي: "المستشرقون" (Orientalism) المنشور باللغة الإنجليزية سنة 1978، و "الثقافة والامبريالية" (Culture and Imperialism) سنة 1993 وغيرهما للفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935 – 2003). (الصورة إلى اليمين)
والرجل يمثل استمرارية للقطيعة المعرفية مع التراث التي بدأت مع المغتربين المتأوربين في كل من لبنان ومصر مع مطلع القرن العشرين، والذين يمثلهم خير تمثيل في خمسينيات ذلك القرن طه حسين، في النقد الأدبي والتراثي حيث تميزوا بالعي المزمن في إبداع أو تطوير مناهج نقدية محلية محايثة نابغة من صميم لثقافتهم من اجل نفض غبار التخلف عن شعوبهم، فرضوا من الغنيمة بالإياب، بأن تهافتوا تهافت الذباب في نقل المناهج النقدية الغربية كما تطورت عند المستشرقين، وعلى علاتها، كما سيفعل الرعيل الأول من المبتعثين للدراسة في الغرب. حين تبنوا الأفكار الغربية التنويرية مع بداية القرن العشرين، ثم الليبرالية مع الخمسينات، ثم الاشتراكية مع الستينات، ليفكوا الغزل من جديد مع سقوط الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن ليلهجوا بمحاسن الديمقراطية !...
إلا ليعيد من تخرج على أيدي كل جيل سابق الكرة، عندما حج بدوره إلى الغرب، بنقل النظريات الادبية الحديثة مثل البنوية، والسيميولوجية, والشكلانية، والتفكيكية، ليتعالم بها على مواطنيه الأميين في رجع صدى ببغائي لافت، يحيل التواصل الذي هو ثمرة أي خطاب مثور ومنتج إلى رطن أشبه بنقنقة ضفادع تعيد انتاج مقولات الغرب الكبرى في الإصلاح والتنمية المستدامة، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الحيوانات، من دون أن تستوعبها شعوبهم أو تجد لها من طعم أو رائحة، وهي التي عملت فيها معاول الهدم، إلى أن صار لها التخلف بيتاً وسكناً، تعاني من القهر السياسي، والأمية المتفشية، والفقر الدائم، وانسداد آفاق المستقبل على أجيالها الصاعدة.
أما المصري الثاني فهو حسن حنفي، ممن كُنت قد صنفت من قبل وفي عز شهرته في كتاب لنا لم يطبع: "أصنام المشاريع وثقافة الذباب: حسن حنفي، محمد أركون، عبد الكبير الخطيبي، محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي نموذجاً"، حيث عرف عن كل هؤلاء كتابات في مشاريع إحيائية للنهوض بالعرب أو بالمسلمين من منطورهم الخاص.
ويعجب المرء، أن يجد قطيعة معرفية بين هؤلاء جميعاً وتراثهم الإسلامي، حيث ينتقدونه وهم يستحضرون في مقارباتهم تمثل ما فعل النهضويون والتنويريون الأوروبيون مع الكنيسة، مع أن لا مقارنة هناك بإطلاق، مادام الإسلام لايقر بوجود طبقة من الكهنوت فيه.
وبدل أن يتحملوا مسؤولياتهم الشرعية والتاريخية في إعداد أنفسهم لملء الفراغ الذي ينتقدونه، وهي مسؤولية صارت تتنزل في حقهم تنزل فروض العين لو كانوا بفقهون في دينهم، وجدتهم وعلى عكس ذلك، وها قد غلبت عليهم شِقوتهم، يطالبون بإعادة البناء والإصلاح إما باجتثات المنظورية الإسلامية واستبدالها بالمنظورية الغربية ، أو التلفيق بين المنظومتين، بينما هما كالزيت والماء لا يمتزجان !
ولا غرو، فهم بالرغم من تصنيف أنفسهم ما بين متفلسف، حال حنفي والجابري، وتاريخاني، حال العروي، وعالم اجتماعي حال الخطيبي، ودردشي مزركش على طريقة المثقفين الفرنسيين، حال أركون، أميون أمية مطلقة في العلوم الشرعية، حتى أن إسلامهم، وهم لا ينكرونه، لا يخرج عن إسلام العجائز!
وما أدري هل لدغت بعوضة حنفي ليخرج عن طوره ويقول: بأن القرآن الكريم: "سوبر ماركت" ؟
إلا أن يكون منطق التهريج هو الغالب على المتفلسفة المحسوبين على الإسلام، بينما لا فلسفة أصلاً في الإسلام، وهو ما لا أكل أو أمل من الصدح به فوق الأسطح، ولا حياة لمن تنادي، ماداموا هم أنفسهم لا يخرجون عن كشكول المقلدين الذين ابتلي بهم الإسلام، حال مقلدين آخرين !
والعجب أن تراهم يفنون أعمارهم مع ذلك في التعاور وشقشقة الكلام معهم من دون طائل، بينما العجز مشترك !
ولا غرابة، فالقرآن إنما كرم العلماء ورفع من شأنهم في آيات محكمات، دون سواهم:
{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} {المجادلة 11}
و{إنما يخش الله من عباده العلماء} {فاطر 28} وغيرهما من الآيات.
لذلك، فالإسلام أولاً وأخير علم، كيفما قلب، ثم هو يدعو لإعمال الفكر من أجل التدبر والتفكر في الكون والأشياء وفي كل ما هنالك، لكن بشرط أن يترتب عن هذه العملية الذهنية عمل وإلا صارت زخرفاً.من القول وسفسطة...!
فلسان حال الرجل يشهد أنه اخطأ التعبير ووقع في زلة لسان لا تصدر سوى عن رهافة دينية، شأنه شأن باقي المتفلسفة، ليعرض نفسه لما لا يرضى من طرف مشايخ الأزهر، وليس ممن يخش الله في كل سكناته وحركاته.
أما من المغرب، فخير من أمثل به رفيق درب لحنفي وهو: محمد عابد الجابري، الذي صده عن التخصص في الرياضيات فيما يحكي عن نفسه، مع أنه كان مغرماً بها !!! فيما يحكي دائما عن نفسه، لأنه أول ما حضر درس الرياضيات على مدرج جامعة دمشق، كتب الأستاذ الأرقام العربية بالطريقة الشرقية وليس المغربية !
وناهيك ب "عقل" يحب الرياضيات، وهي للتذكير لغة ترميز، يحول اتجاهه وحبه الأول إلى الفلسفة، التي هي سفسطة محضة، بسب عشرة رموز ! ليتخصص لاحقاً في تبضيع "العقل العربي"، من دون أن يتخرج من كلية الطب، بإعمال مشرطه النقدي في الكتابات الإسلامية في عصر التدوين، التي يعلم كل مبتدئ أن الأعاجم المسلمين هم مؤلفوها وليس العرب !
أهو العقل العربي، منتج اللغة العربية، وهو لم يدون شيء ؟
أم تراه الفكر الأعجمي، وهو يستوعب الإسلام، مترجماً إلى هذه اللغة ؟
أو تراه نقداً للغة العربية بمعزل عن كل ناطق ؟
إلا ليطل على الساحة العربية من جديد، بعد بيات شتوي طويل، محدثاً لزوبعة فنجانية حول: "تحريف القرآن" باعتماد أخبار يسردها ولا يعرف ما يقدم فيها ولا ما يؤخر، ولا ما محلها من الإعراب، على ما اعتاد حطاب الليل العرب في تيههم الأزلي، ممن تفننت المنطقة في تفريخهم كصناعة محلية مسجلة!
وهي قمة في الضياع والعبث واللاجدوى، إلا ليرد عليه في رجع صدى مأزوم بعض مشايخ الأزهر، نافخين في الموضوع أكثر مما يحتمل، ومكفرين للرجل مع أن لسان حاله، يشهد أن ميدان التحقق من النصوص وتفكيكها ليس له بتخصص!
لكن، ما الحيلة وما العمل في زمن كثرت فيه الجعجعات ولا طحين ؟ (انظر الهامش1)
وعوداً على بدء.
فمقابل ورطة القساوسة التي شخصنا دواعيها، فإن ورطة مفتيي المملكة: ابن باز والعثيمين لم تأتهما من جانب أصالة النصوص التي لا يشك فيها أحد للدليل الحفاظي القطعي الداخلي، الذي يتحدى به القرآن الشاكين والمرتابين، كي يكرروا غلطة القساوسة من باب وقوع الحافر على الحافر، أو ليقول قائل سطحي بأن الديانتين تحاربان العلم !، مع أن العلم نصيف الحجة القرآنية !
بل تأتت أساساً من تورطهما فيما لا يعنيهما بالدرجة الأولى وفيما لا يمت بصلة إلى تخصصيهما: وهي زلة يعرف كل فقيه مبتدئ أنها تندرج تحت بند: "التعدي على الفتوى" لعدم الاختصاص، وإلا فتنزيل النصوص وهي: محفوظة، على الوقائع وهي: تصديقية، ليثبت صدق القرآن من هذا الجانب هو مطلب من مطالب "القراءتين": "القرآن": بصفته الكتاب المتلو و"الكون" بصفته الكتاب التصديقي المفتوح، التي عمل بها المسلمون بداهة لقرون، إلا لتخون الكيميائي البريطاني روبرت بويل (Robert Boyle) ((1627-1691)) الذي سيقول بها في المسيحية في القرن السابع عشر في عز الهجمة العلمية والنصية على المسيحية، لأنه بدوره كان يؤمن بأن الكتاب المقدس لم يشبه التحريف!..
وهو ما حفزنا يومها، وعلى ما في الأمر من هواجس وخواطر في التعرض لرجالات دين رسميين، قد يظهر وكأن انتقادهم هو بمثابة انتقاد لبلدهم !، مع أن هذا أمر غير وارد، على تأليف كتاب: "كيف يرد الخطأ على المفتين الكبار رواية ودراية لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين نموذجاً"، قياماً بفرض العين الذي صار متعينا فينا ولا مفر منه، لقمع مثل هذه التجاوزات التي أسالت الكثير من المداد ويا للهول ! لأزيد من عقدين، بسبب من هذه الأمية القاتلة في العلوم!
والأدهى والأمر هو أنني أثناء مراجعتي لهذا الموضوع من أجل تحيينه، لفت انتباهي بذهول أن الناشرين الإلكترونيين لفتاوى الشيخين، تصرفوا فيها بتدليس ظاهر ومخل، لا يمكن أن يصدر سوى ممن لم يستحضروا تبعات فعلهم الآثم.
ذلك أنهم بدل أن يعرضوا المقالات والفتاوى كما صدرت من طرف أصحابها، إذا بهم يتصرفون فيها ببتر النصوص من الفقرات والفصول التي انتقدت عليهما، بحيث أن من يتسامع بكتابنا دون أن يقرأه، أو يحصل على الرسائل الأصلية للشيخين، سيتساءل كثيراً عن دواعي انتقادنا للشيخين، لأن ما هو مثبت من النصوص المعروضة للتنزيل من موقعي: "المشكاة" أو "سحاب" السلفيتين الإلكترونيين، لا تحتوي على شيء مما وجهنا إليه سهام نقدنا !
أنظر الرابط التالي:
http://www.almeshkat.com/books/open.php?cat=32&book=1770
صورة للصفحة قابلة للتكبير:
وبهذا التدليس المشين، يكون قد انضاف إلى ورطة تجرؤ الشيخين على الفتوى بغير علم في ميدان ليس لهما بتخصص، تضليل مقصود للقراء من طرف المتآكلين بالرأسمال الرمزي للشيخين!
3.2) هل العيب فينا أم في غيرنا ؟
وهل نعجب بعد هذه الوقائع، أن يضع خصوم الإسلام، مسيحيون وغيرهم، العربة قبل الحصان في مقاربتهم للتحدي الهائل الذي يطرحه القرآن على عقولهم، لتجدهم يركزون في نقدهم للإسلام إما على السلوكيات النشاز لبعض المسلمين الجاهلين أو الأميين، حيث يطابقون بينها وبين الإسلام، مع أن الإسلام منها براء، أو الجرأة الظالمة على التنقيص من دون حياء أو وجل من شخص رسول الإسلام صلوات الله عليه، باعتماد الأخبار الملفقة التي يروج لها هؤلاء المغفلون. ......بدل رفع هذا التحدي !
وقلما يتساءل أحدهم: لماذا يصيب القرآن دوما، متى تقاطع مع معتقداتهم أو مع العلم، بينما التخطئة قسمة لازمة لهم ونصيب مفروض على الدوام !.
فما بالك وأن القرآن لا يكتفي بتقرير دعاواه كأمر مسلم من دون تمحيص، بل يدعو من لهم أدنى شك أو ريبة في "صدق الدعاوى" وهي للتذكير كثيرة وقابلة لرائزية "التصديق" أو "التخطئة" العلمية بامتياز، أن يشغلوا كل بطارياتهم النقدية ومشارطهم التبضيعية المختلفة لتشريح النص القرآني، مستعملين لعقولهم ومستعينين بكل آليات التفكيك المتاحة لهم، والتي أثبتت نجاعتها في ميادين وحقول معرفية أخرى من الممارسات البشرية، ثم ليستظهروا بعد ذلك بمن شاءوا.
وظاهر جلي أن من سيتصدر لرفع هذا التحدي، يجب أن يتأطر بثلاثة ضوابط موضوعية خارجية:
أ) التضلع في لغة خطاب القرآن، بحيث لا يعقل انتقاد نصوصه من طرف جاهل باللغة، على ما جرت به عادة الكثير من القساوسة والمستشرقين،
ب) استحضار الوقائع التاريخية الثابتة ذوات العلاقة،
ت) التمتع بفكر أريحي حر.
وهو منطق يدعو للحوار ولا يصده، ويحترم عقل الإنسان ولا يدغدغه، ويفتح الباب شُرّعاً على التساؤل والاعتراض وحتى المخالفة الصريحة، وإلا لما كان للحرية من طعم ولا للاختيار من معنى !..
3.3) إنما آخر الدواء الكي
لكن، وعلى خلاف هذا التقعيد الأريحي القرآني المؤسس، سنجد الساحة الأوروبية إبان نهضتها واكتشافها لذاتها، حبلى بالصراعات التي لا تكاد تنتهي، حيث أن كل المؤشرات الموضوعية كانت تشير إلى كون الصراع والتصادم بين العلم والدين المسيحي صراعاً حتمياً لا مفر منه، بسبب البنية العقدية للكنيسة التي لا تقبل بالمخالف، ولمصادرة الباباوات للتفسير وللتأويل بدعوى العصمة من الخطأ !، إلا ليخطئهم التاريخ للتو أو باباوات لاحقون، كما سيحصل في مجمع فاتيكان الثاني (1962 – 1965)!.
وهو الصراع الذي سيلعب فيه العلم والنقدية التاريخية للكتب المقدسة دوراً محورياً وحاسما.
فمع تصاعد وتيرة نشر الكتب المنتقدة لمحتوى العهدين القديم والجديد، وخصوصاً من طرف الشباب الهيجلي اليساري الألماني، وتكشف العلم بنقائض تخالف صريح هذه النصوص، بات واضحاً أن الكنيسة ستخرج منهزمة لا محالة من هذه الجولة الصراعية، وبالضربة القاضية، وبأن المسالة مسألة وقت فحسب.

ومن أبرز كتب النقد التي كان لها وقع هائل كتاب: ديفيد فريدريش شتراوس (David Friedrich Strauss) (1214 هـ/1800 م - 1291 هـ/1874 م): "حياة يسوع" الذي أصدره سنة 1835 م فأقام الدنيا يومها ولم يقعدها، إلا ليحذو حذوه آخرون أشد صلابة في نقدياتهم ومثابرة مثل معاصره برونو باور (Bruno Bauer) (1224 هـ/1809 م - 1299 هـ/1882 م) صاحب البطارية النقدية المتعددة الملامح والوجوه التي ملأ بها مصنفاته من شاكلة: "نقد حياة يسوع لشتراوس" (1835-1836)، و"عرض نقدي لدين العهد القديم" (1838)، و"الكنيسة الإنجيلية البروسية والعلم" (1840)، و"نقد الوقائع الموجودة في إنجيل القديس يوحنا" (1840)، و"نقد إجماليات التاريخ الإنجيلي" (1841)، و"المسيحية مهتوكة الستر" (1843)ن و"نقد الأناجيل وتاريخ مصادرها| (1850 - 1851)، و"نقد رسائل بولص" (1852) وغيرها، ....لتربع الدائرة بنشر الإحيائي البريطاني: تشارلز داروين (Charles Darwin) ( 1809 - 1882) لكتابه: "أصل الأنواع" سنة 1859 م،
وهو زخم نقدي هائل، تبنى نتائج البحث العلمي من دون تحفظ، وانتقد في ذات الآن كل التقريرات والتنبؤات الواردة في النصوص المقدسة التي لا تجد تحققها وتصديقها على محك العلم المتكشف أو الواقع، أو ظهر وكأنها تعارضهما وتناقضهما!
وهو ما طرح بإلحاح سؤالاً جوهريا ومحوريا، ليس على صعيد الدين والسياسة المرتبطتين مع بعضهما البعص بوشاج قوي يومها لكون الكنيسة مثلت الدين الرسمي لكل الممالك الأوروبية، بل وعلى صعيد العلم ذاته كنشاط معرفي.
والسؤال هو:
ما العلاقة بين العِلْمِ والدينِ المسيحيِ؟
فجاءت الأجابات على طرفي نقيض، حيث برزت وجهة النظر التقليدية التي تنفي وجود صدام بين العلم والدين، وهي وجهة نظر محافظة لا تضيف شيئاً إلى النقاش الدائر على الساحة العلمية، ووجهة نظر أخرى تقول بوجود خصومة متبادلة، ونزاع متأصّل، وحرب عدوانية مستمرة!

وامثل لهذا النوع من الأطروحات أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بكتاب العالم المخضرم والكيميائي الأمريكي (الإنجليزي الأصل) جون ويليام دريبر (John William Draper) (1811 م – 1882 م) صاحب كتاب: "تاريخ الصراع بيت الدين والعلم " (History of the Conflict between Religion and Science, 1874)، حيث أقام فيه مقارنة بين رجالات الكنيسة والعلماء، ووصف الأولين بالجامدين، والمتزمتين، والدوغماتيين، والجاهلين بالدين الحقيقي والمصرين بعناد شديد على مَنْع التقدم العلمي، وقتال العِلْمِ المنتصرِ الصاعدِ بلا هوادة.

وسوف يحذو حذوه في هذا النوع من التأليف الجدلي الرئيس الأول ل "جامعة كورنيل" الأمريكية: أندرو ديكسون وايت (Andrew Dickson White) (1832-1918) (الصورة) بكتاب: "تاريخ حرب العلم مع اللاهوت في العالم المسيحي" ( History of The Warfare Of Science With Theology in Christendom) (الصورة)، الصادر سنة 1895 م.
والقارئ للكتابين يجد فيهما تصويراً مثيراً، وإن لم يَخْلُ من تشويق، لأحداث التاريخ العلمي، بأبطالِ وأوغادِ، بحيث لا يترك المؤلفان للقارئ، بالرغم من الفارق الزمني بينهما، مجالاً للشك فيمن هم الأبطال الأخيار ومن هم الأوغاد الأشرار !؟
وبالرغم من التبسيط والتسطيح المخلين بالموضوعية في أحايين كثيرة، إلا أن الكتابين يعتبران أول محاولتين لتشخيص العلاقة بين العلم والدين في الغرب.
وسوف يمارس هذان الكتابان تأثيراً قوياً على وجهاتِ النظر الشعبيةِ حول التفاعلاتِ بين العِلْمِ والدينِ، من وجهة نظر مخالفة للنظرة الأحادية للكنيسة التي ظلت تحتكر الساحة الفكرية للمؤمنين بالإضافة إلى التأثير على سلوكياتهم تجاه الآخرين المخالفين، وخصوص تجاه الإسلام، الغائب الحاضر دوماً.
ولدريبر بخصوص النقطة الأخيرة، مساهمة فكرية إيجابية مهمة يجهل بها غالبية المثقفين المسلمين المخضرمين، وليس فحسب رجالات الأزهر والزيتونة والقروين، …..الميؤس منهم في مثل هذه المجالات ... لكونهم أجبروا على لوك مقررات ومناهج خارج التاريخ والعصر.
ويوجد في هذه المؤلفات البراهين القاطعة، ومن مواطنين غربيين، ليسوا بمسلمين، ولا بمرتشين ويشهدون مع ذلك بالفم الملآن، لما للحضارة الإسلامية على نظيرتها الأوروبية الخارجة للتو من ظلماتها التي حشرتها فيها الكنيسة لقرون.
ذلك أن لدريبر مؤلف آخر لا يقل أهمية عن الأول كان قد نشره سنة (1862) تحت عنوان: "تاريخ التطور الثقافي لأوروبا " (History of the Intellectual Development of Europeَ ) (صورة الغلاف) حيث أكد فيه بشكل واضح بأنّ حضارةَ القرن الحادي عشرَ العربيةَ في إسبانيا هي التي صَحّتْ أوروبا مِنْ نومِ العصور المُظلمةِ.
ولم يغب هذا التشاوج بين العلم والدين المسيحي خاصة، في أية لحظة من لحظات تطور العلم، إلى أن حصلت القطيعة بينهما، بسبب اكتشاف العلماء للكثير من الحقائق العلمية التي تتصادم مع ما ورد في "سفر التكوين" من "العهد القديم" بخصوص منشأ الكون وتراتبية صدور الخليقةـ
الهامش:
1 سأعالج زوبعة محمد عابد الجابري الفنجانية بخصوص "التحريف" لاحقاً.
2 أنظر: "رسالة أرثر هوبتن على السير جون كوك (مدريد 6 يونيو 1633، مكتب السجل العام، لندن، وكذلك في "كاستري: المصادر غير المنشورة من تاريخ المغرب (3: 189 – 190).
3 لاحظ أن القرآن لا يعاني من هذا الإشكال لأنه يمثل أصل الأصول ولا يوجد نزاع حوله.
4 وقد عالجناها بتفصيل في كتاب: "كيف يرد الخطأ على المفتين الكبار......." فانظرها هناك.

