4) الوصال مع الخبرة الفلكية الصينية
وسيشهد علم الفلك في النصف الأول من القرن التاسع نهضة أخيرة مع "أولغ بك" (ت: 796 هـ/ 1393 م – 853 هـ/ 1449 م) حاكم تركستان وما وراء النهر (صورة تذكارية له على طابع بريدي من فترة الاتحاد السوفياتي) الذي سيشيد مرصد سمرقند سنة 823 هـ/ 1420 م ويجمع له العديد من الفلكيين من أمثال: القاضي زادة الرومي (التركي) وهو أستاذ أولوغ بك، وخليفته علي بن محمد الكشي، ومعين الدين الكاشاني ، والرياضياتي: غياث الدين: جمشيد بن مسعود بن محمود بن محمد الكاشي (ت: 839هـ / 1436م)، والقوشجي (ت: 879 هـ/ 1474م) وغيرهم.
وسيلعب الرياضياتي والفلكي علاء الدين علي بن محمد القوشجي دوراً رئيسا في نقل خبرة الصين الفلكية إلى ديار الإسلام.، ذلك، أنه على الرغم من حداثة سنه، حيث كان أصغر أفراد الهيئة سنا، إلا أن الأمير أولغ بك توسم فيه النبوغ فأرسله إلى الصين لكي يطلع على علومهم الفلكية ويتفقه فيها، خصوصاً وأن مرصد سمرقند كان يضم بعض العلماء الصينيين ضمن الفريق. وهو ما امتثل له وعاد بخبرة واسعة.
وقد ظل القوشجي في خدمة الأمير أولغ بك إلى وفاته.ثم ارتحل إلى القسطنطينية حيث لقي الرعاية والحظوة لدى السلطان العثماني محمد الثاني (الفاتح) بن مراد الثاني فاتح القسطنطينية، فمكن ذلك القوشجي من نشر العلوم الفلكية والجغرافية في الدولة التركية.مرصد أولوغ بك بسمرقندوقد كلفه السلطان محمد الفاتح بالتدريس في جامع آيا صوفيا الشهير، وظل في عمله هذا إلى أن وافاه أجله المحتوم..
وقد خلق القوشجي حركة ترجمة نشطة في البلاد العثمانية الفتية أثمرت لاحقاً نهضة علمية عثمانية واسعة ستجعل من الخلافة العثمانية نداً لأروبا على كل الصعد وعلى مدى ثلاثة قرون متتالية.
وسيقول الغربيون عن أزياج "أولغ بك" بأنها الأكثر أصالة بعد كتاب "المجسطي" لبطليموس !
وقد استعملت في هذا المرصد عدة الآتِ لعل أهمها وأكبرها السُدسية المعروفة ب "الفخري" وكانت على شكل قوس من حجارةِ من 60 درجة مقام على مستوى الزوال الراسي باتجاه خط الشمال-الجنوب. واستعملت هذه الآلة لتحديد إرتفاعاتِ عبورَ النجومِ أي مسافاتها الزاوية القصوى فوق الأفقِ).صورة داخلية تبين قوس البناء من الداخلوبرصد مواقع الشمس خلال السنة بدء من موقعها الجنوبي القصوي وإلى بلوغها أوجها الشمالي القصوي، أمكن بسهولة تحديد ميل دائرة البروج (أي ميل محورِ دورانِ الأرض بالنسبة للسطح الذي يوجد فيه فلكها).
ويتيح قياس متوسط هذه القيم القصوية أو ارتغاع خط زوال الشمس عند الاعتدال الربيعي أو الخريفي معرفة خط عرض الراصد. وقد قاس فلكيو سمرقند ميل دائرة البروج فوجدوه يساوي:: 23 درجةَ، و 30 دقيقة، و17 ثانية (أي بفارق 32 ثانية فقط مِنْ القيمة الحقيقيةِ لوقتِه). وقاس الفلكيون خط عرض سمرقند فوجدوه يساوي 39 درجةَ 37 دقيقة، و 33 ثانية. وهي دقة عالية حتى بمعاييرنا عصرنا.
ولعل الشيء الأكثر إثارةً في سدسيّةِ الفخري بمرصد سمرقند هو أن قطرهها بلغ 40 مترَ!. فسدسيّة الفخري، مثلتْ بدون جدال آلة خطِ الطول الأكبرِ التي بناها الإنسان. وتظهر الصورتان ما تبقى من هذا المرصد المعلمة وضخامته.
ويُمْكِن لهذه السدسية أَنْ تنجزَ دقة من عِدّة ثواني مِنْ القوسِ — أو جزءاً واحداً من 600 جزء من الدرجة. وهو ما يماثل رؤية خط طوله سنتمترا واحدا موضوع على مسافةِ تزيد عل نِصْف كيلومتر.
ولأن سدسيّةَ الفخري كانت قوساً ثُبِّتَ على المستوى الرأسي لخطِ الطول، فهو لم يكن يستعمل سوى لقياس إنحرافِ الأجرام السماوية. وقد حصل هذا قبل إختراعِ الساعاتِ الدقيقةِ.
وتوجد رسالة كتبها غياث الدين الكاشي بالفارسية ما بين سنتي 1421 م - 1422م. يستشف منها أنّ ذروة النشاطِ الفلكيِ بمرصد سمرقند حصلت خلال الفترة 1408 م - 1410 م وأن أولوغ بك شرع في بناء المرصد سنة 1420 م، وبأن عدد الفلكيين والمهندسين الذين كانوا يشتغلون في المرصد ناهزوا الستين إلى السبعين عالماً كلهم من أصحاب التخصص في الرياضيات أو في الفلك أو فيهما معاً، بينما لم يصلنا من أسمائهم سوى بضعة أعلام لا يتعدون أصابع اليد الواحدة3.
وقد تبين عند نشر كتاب: "جداول النجوم الثابتة" سنة 1917 م، الذي يعد ثمرة الرصد في هذا المرصد من قبل "إي.ب. نوبل" (E.B.Knobel) الدقة العالية، بحسب الأفق المعرفي للعصر، التي تميزت بها الرصودات.
الوصال مع الخبرة الفلكية الصينية
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
وسيشهد علم الفلك في النصف الأول من القرن التاسع نهضة أخيرة مع "أولغ بك" (ت: 796 هـ/ 1393 م – 853 هـ/ 1449 م) حاكم تركستان وما وراء النهر (صورة تذكارية له على طابع بريدي من فترة الاتحاد السوفياتي) الذي سيشيد مرصد سمرقند سنة 823 هـ/ 1420 م ويجمع له العديد من الفلكيين من أمثال: القاضي زادة الرومي (التركي) وهو أستاذ أولوغ بك، وخليفته علي بن محمد الكشي، ومعين الدين الكاشاني ، والرياضياتي: غياث الدين: جمشيد بن مسعود بن محمود بن محمد الكاشي (ت: 839هـ / 1436م)، والقوشجي (ت: 879 هـ/ 1474م) وغيرهم. 
