26
الخميس, تشرين2
0 مواد جديدة

هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

للمرء أن يستحضر، فيما يخص الإغريق، من باب لزوم ما يلزم، المقدمات التي دعت إلى قيام "الفلسفة" كنشاط فكري، سواء أكان ذلك بغرض اجتثات الأسطورة من مخيال الشعب اليوناني، أو على الأقل الحد من غلوائها، كما تكرست في أعمال الشعراء: من هوميروس وإلى بيندار، وخصوصاً عند الأول في ملحمتيه الشهيرتين: "الإلياذة" و"الأوديسة"، اللتين كان يحفظها الكثير من الإغريق عن ظهر قلب، وعند الشاعر "هزيود" في "أعمال الألهة".

دواعي نشأة التنظير التخرصي

وقد جرت عادة الغربيين أثناء دراستهم للفكر اليوناني على تنميط خاص فيما يخص فلاسفة الإغريق، يتخذ من الفيلسوف سقراط فاصلاً بين ما قبله وما بعده، ويصورونه كمعلمة لقطيعة معرفية حصلت بين من عاشوا قبله ومن جاءوا بعده، تجعل التواصل فيما بينهم في عداد المعدوم !.

وهو ما يترك في ذهن القارئ غير المطلع على الحقائق التاريخية، بأن طفرة ما حصلت على صعيد الأفكار، نقلت الإغريق من طور إلى طور !، بينما لا تعرف الأفكار شيئاً اسمه القطيعة، وإن كان ذلك متصوراً حصوله في الذهن فقط.

وضمن هذا التقليد، فإنهم يذكرون خمس مدارس فكرية بأساطين وأعلام كالتالي:

  • طاليس، وأناكسيماندر، وأناكسيمين، وهيرقليط، وديوجانس الأبي ضمن مدرسة واحدة تعرف بالمدرسة الملطية،

  • وفيثاغورس، وهيباسوس، والكميون، وفيلولاوس، وهيبوقراط الكيوسي، وأركيطاس، ضمن المدرسة الفيثاغورسية،

  • وكسينوفانس، وبارمينيدس، وزينون، ووميليسوس، ضمن المدرسة الإيلية،

  • وأناغزاغوراس، وأمبيدوقليس، ولوسيب، وديموقريطس، ضمن المدرسة الذرية،

  • ثم يأتي بعد ذلك، الرجل المفصلي: سقراط، متبوعاً بتلميذه أفلاطون، وبتلميذ الأخير: أرسطو.

وليلاحظ القارئ ثلاثة أمور:

أن أوج العطاء الشرقي حصل خلال الفترة الزمنية المحصورة ما بين وفاة طاليس المؤسس المتتلمذ للشرق ووفاة أرسطو المعلم لحفدة الشرق.

أن فترة تتلمذ فلاسفة الإغريق على الشرقيين وهضم معارفهم، وتحولهم بدورهم إلى معلمين للشرق دامت حوالي 250 سنة بالتمام.

أن العطاء اليوناني، لن يحصل في اليونان، بل في الشرق، أثناء حكم دولتي: البطالمة والسلوقيين خلفاء الإسكندر الأكبر في كل من مصر والعراق فيما سيعرف بالفترة الهلينيستية.

وهذا التمظهر الأخير للفكر اليوناني الممتزج بالفكر الصوفي في شقيه الغنوصي والباطني، هو ما سيصادفه الإسلام الناشئ، كخلفية متخفية موازية ومنافسة، أثناء انتشاره في دول الشرق التي اعتنقت لإسلام والممتدة من تخوم الأطلسي غرباً وحتى تخوم أفغانستان والبنجاب شرقاً.

ولا شك أن الإضافة النوعية التي ستكون للإغريق كمساهمين في بناء الصرح الحضاري للشرق، بعد أن استوعبوا وهضموا علوم ومعارف المنطقة، هو التنظير على المستوى الفردي أو ضمن مدرسة فكرية تنتسب إلى فيلسوف معين.

ومما لا شك فيه، أن التنظير في غياب المعطيات الميدانية تخرص محض ويشبه إلى حد كبير فلي رأس الأصلع. وهو نشاط سابق عن العلم والفكر العلمي.

وهو ما سنجد خير تطبيق له في قيام فلسفة السفسطائيين، الذين كان بإمكانهم لي الكلام وتطويع الحجاج للبرهنة الصورية على الشيء وعلى ضده في آن، بحسب الغرض أو الطلب.

وكشاهد على هذا المنحى العلمي في ضرورة سبق المعطيات الميدانية عن التنظير، ومع استحضارنا للأفق المعرفي للفترة التي نتحدث عنها، فقد أورد سيمليسيتوس (Simplicitus)، وهو أحد شُرّاح أرسطو وآخر من ترأس الأكاديمية في أثينا بعد إغلاقها من طرف الإمبراطور المسيحي "جوستينيان" سنة 539 م ليلتجئ إلى فارس ويبقي شعلة الفلسفة الهلينيستية حية فيها، لتحيا دورة حياة جديدة على يد العباسيين لاحقاً في أمثال الفارابي، والرازي، وابن سينا، وابن رشد الحفيد،............، النص التالي:

هيبارخوس
هيبارخوس

خلال فتوحات الإسكندر المقدوني أرسل كاليستان (Calisthene) إلى خاله أرسطو كشفاً بالرصد الفلكي (البابلي) منذ 1900 سنة قبل تلك الحقبة.

والأرصاد البابلية هذه، هي التي سيعتمدها الفلكي "هيبارخوس" في نظامه الفلكي، وكذلك بطليموس بخصوص الروزنامات البابلية حول القمر.

فهذه لمحة ضرورية تضع النقاط فوق الحروف وتموضع الإغريق ضمن إطارهم وأفقهم وزمانهم، وتميط اللثام عن الجانب الإيديولوجي في ولع بعض الأوروبيين بربط تاريخهم الفكري باليونان المقطوع الصلات بمحيطه الطبيعي، ناكرين لمساهمة المسلمين في تعليم أجدادهم وللمعروف الذي أسدوه إليهم، مع أن أساطين الفكر اليوناني الذين يحاولون ربط أنفسهم بهم، مثخنو الذاكرة والوجدان بالشرق بما لا مزيد عليه !

الشرق، الذي لولا ثقل منته على يونان، ما كان ليكون لشعب هومير المُخَثّر بالأسطورة والخرافة، من ذكر ولا ركز في التاريخ.

ولو كان الشرقيون ولعين بالفقهلغويات ما ولع بها الأروبيون، لألقموهم حجراً بتذكيرهم بأن اسمهم نفسه مشتق من أسطورة فينيقية تحمل هذا الاسم وهي "اوروبة" شقيقة قدموس.

ولا شك أن اسم "اوروبة" الفينيقي نُطق في الأصل غروبة (من الغُربة)، ونطقه الأوروبيون العاقون "أوروبة" بإبدال غين اسمهم ألفاً. والبصمة كالتسمية لا تبليان.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق