26
الخميس, تشرين2
0 مواد جديدة

هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

كيف تصور الإغريق الكون حولهم ؟

تمهيد

الكون كما تصور هوميروسإن أول التلميحات للتصورِ اليونانيِ حول الكونِ نجدها، وكما كان منتظراً، عند شاعري اليونان المبجلين: هوميروس وهزيود.

فسماء هوميروس عبارة عن طاسة صلبة منقلبة تغطي الأرضَ مع الأثير المشتعل الحامل للغيوم فوق الهواءِ {أنظر ملحمة "الأوديسة" {Odyssey. 15.329 sideron ouranon}. ويضيف في ملحمة: "الإليادة" بأن شجرة لهب تمتد خلال الهواءِ لتصل إلى الأثيرِ. {أنظر: "ملحمة الإلياذة" (Ilyad. 14.288)}.

ويَذْكرُ هوميروس حركات الشمسِ، والقمر، والعديد مِنْ النجومِ بالأسم.

ويوجد لدى هومير كما لدى هزيود في "أعمال الآلهة" جحيم يقع على الجانب السفلي مِنْ الأرضِ، بينما الشمس وباقي الأجرام السماوية الأخرى، تغرب غطساً في نهر يحيط بالأرض من كل الجهات ومنه تصعد مجدداً. وهو ما لا يترك مجالاً للشك في أن هومير وهزيود أخذا كونهما من الرافديين.

ولئن مثل هذا المنظور الجانب الشعبي القديم من نظرة الإغريق إلى الكون حولهم، فلن يبتعد الفلاسفة عنه كثيراً. وبالنسبة لهذه الفئة العالمة، فلا يتناطح عنزان في أهمية رجلين خاصة:

طاليس الملطي(Thales of Miletus) ، وفيثاغورس الساموسي(Pythagoras of Samos) .

 اضغط هنا لتكبير حجم الخارطةوالمشهور من سيرة الرجلين، أنهما غرفا بحظ وافر من حضارتي مصر ووادي الرافدين، وشربا حتى الثمالة من علومهم ومعارفهم..

ولا غرو فمدينة ملطية توجد على الشاطئ الأسيوي للبحر الأبيض المتوسط وساموس تقابلها على جزيرة من جزر اليونان المنتشرة بالآلاف على طول بحر إيجة وعرضه.

لكن، ينطرح مع ذلك سؤال وجيه يستجدي إجابة شافية.

لماذا تأخرت مساهمة اليونان في التدافع الحضاري لدول حوض البحر الأبيض المتوسط والجوار لأزيد من ثلاثة ألف عام قبل أن يدخلهم الإسكندر المقدوني هذا الأتون وهذا المعترك مع إطلالة القرن الرابع قبل الميلاد فقط ؟

فقراءة، ولو عابرة للوقائع التاريخية بالمنطقة، تنفي أن يكون لأصول الإغريق الهند-أوروبية دخل في ذلك. ذلك أن الإيرانيين وهم هند-أوروبيين قد شاركوا بحظ وافر في حضارة الشرق وامتد تأثيرهم جنوبا حتى الهند، بل شمل الهند ومصر والجانب الأسيوي من اليونان ذاتها مباشرة قبل غزو الإسكندر لهم.

ونفس الشيء ينطبق على جيرانهم الأقربين: الحيثيين، وهم هند-أوروبيين أيضاً استوطنوا الأناضول، وأسسوا لدولتين قويتين بالمنطقة: الأولى بين سني 1700 – 1595ق..م والثانية بين سني 1375 -1200 ق.م.

شطر من الإجابة عن السؤال ستتفتق عنه الأرض، عندما سيكتشف الآثار يون بقايا حفرية لحضارة قديمة قامت على جزيرة "كريت" وهي إلى أقصى الجنوب من الجزر اليونانية.

بقايا أطلال كنوسوس
بقايا أطلال كنوسوس
وحتى سنة 1899، السنة التي اكتشف فيها الآثاري البريطاني "آرثر إيفانس" (Sir Arthur Evans) بقايا قصر "كنوسوس" (Knossos) بجزيرة "كريت"، لم نكن نعرف عن هذه الحضارة سوى ما أشار إليه هوميروس في ملحمة "الأوديسة" بقوله:

هناك في أعماق البحر اللجي تقع الأرض المسماة: كريت

أرض غنية ومُحَبّبة، تغسلها الأمواج من كل جانب،

تتباهى بتسعين مدينة،

حكم إحدى هذه المدن الملك "مينوس" (Minos)

وحظي بصحبة الرب القوي "زوس".

زوس
زوس
وتبين بعد الحفر أن الحضارة الكريتية حضارة قديمة موازية لحضارتي الشرق في مصر ووادي الرافدين وترجع إلى عهود سحيقة، حتى أن من الآثاريين من ربط بين سكانها وسكان الدلتا المصري والليبيين {بربر شمال قريقيا} من جهة الأرومة، وقال بوجود صلات دينية قوية بين هذه المجموعات، سابقة عن توحيد الملك نارمر لمصر مع مطلع السلالات المصرية {حوالي 3200 ق.م}.

وقد استمرت هذه الحضارة إلى حدود سنة 1400 ق.م، ثم انفرط عقدها ودمرت عاصمتها: "كنوسوس" (Knossos) ولم تقم لها قائمة بعد.

لكن يبقى، أن على خلاف الكريتيين، ذوي الأصول الأسيوية الذين قدموا إلى الجزيرة من الجنوب، فالمعروف عن أجداد اليونانيين الأول أنهم نزحوا إلى الجزر اليونانية واستعمروها منذ الألفية الثانية قبل الميلاد قادمين إليها من شمال روسيا.

وبأخذ هذا العامل في الاعتبار، وعامل نزوح أول أفواج اليونانيين إلى الجانب الأسيوي من هضبة الأناضول مع مطلع القرن الحادي عشر قبل الميلاد، أمكن القول بأن تخلف اليونان الحضاري مقارنة مع الجوار، يجد تفسيره ليس فحسب في طبيعة الشعب اليوناني آنذاك، بل أيضاً في عوائق وحواجز منها النفسي ومنها الجغرافي، نذكر منها خمسة على الخصوص:

  • كون السكان الأصليين لأوروبا متخلفين ومتبربرين في تلك الحقبة التاريخية،
  • غياب حكم مركزي قوي يجمع شتات الجزر في حكم موحد،
  • طبيعة الشعب اليوناني المستقل النزعة،
  • الجغرافيا، التي شتتت جمعه وأبعدت الشقة بين أهله الأقربين والأبعدين،
  • صعوبة المواصلات والتواصل.

وهي عقبات حتمت على اليونانيين، أن يحتكوا أولاً بالجوار الحضاري حولهم، ويتبادلوا معه التجارة والمنافع، قبل أن يأتي عليهم الدور للاضطلاع بدورهم الحضاري في المنطقة.

وهو ما وجدناهم يكرسون له شطراً كبيراً من وقتهم، وإن لم يعوه تمام الوعي، حيث وجدناهم، ولقرون عديدة ينشئون مستعمرات على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط امتدت حتى بلغت ليبيا ويشتغلون كجنود مرتزقة في جيوش الدول المتعاقبة في كل من مصر والعراق. وهي إرهاصات لا تخطئك النبأ بما هو آت متى سنحت الفرصة والظروف.

ويحسب لصالح الشعب اليوناني، أن عبثاً يبحث المرء، ومهما رجع بالذاكرة القهقرى إلى الوراء، عن عقد نفسية أو حساسيات تكون قد تولدت لديهم إزاء جيرانهم المتحضرين والمتقدمين عنهم بأشواط ومراحل، بل وجدنا، وعلى عكس ذلك، أساطين الفكر عندهم والمبرزين منهم يعترفون بتخلفهم الحضاري مقارنة مع الدول التي قامت بجوارهم أو على مرمى حجر من جزرهم على اليابسة المقابلة في الضفاف الشرقية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

فهم، وللتاريخ، يبرؤون من النزعة المركزية التي ستتولد لدى بعض الأوروبيين، بعد قيامهم من بياتهم الشتوي الذي دام لأزيد من ألف عام، قبل أن يخرجهم منه احتكاكهم بالمسلمين ويمتحوا من علومهم لأزيد من خمسة قرون، إلا ليجازوهم جزاء سنِمّار! بسرقة بعض مكتشفاتهم ونسبتها زوراً وبهتانا إلى بعض رجالاتهم!

فهذه النزعة الشوفينية الضيقة والنظرة المركزية المتعنتة خاصية أوروبية محضة، لم يعرفها الشعب اليوناني في طوره الحضاري، حيث اعترف وجهاؤه وأساطينه دوما، بمناسبة وبغير مناسبة لما للرافدين والمصريين عليهم من فضل، وهو ما ظلوا يصدحون به فوق الأسطح لمن ألقى السمع وهو شهيد ويسطرونه في كتاباتهم بفخر وامتنان من دون عقد.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق