ابن سينا وابن رشد كنماذج للجراد المعرفي
(مقتطف من الفصل الأول، ص.8 ) وهذا نوع الجراد المعرفي في القديم والحديث، لا يبدع وإنما يسطو ويجتر ثم يتقيأ. أي لا يتفكر ولا يتدبَّر، وإن فعل ففيما لا نفع فيه ولا طائل تحته أو وراءه، ولا يخلق الفعل الحضاري.ولا يملك "الرؤية الكونية" للمرجعية ولا منهجيتها في التعامل مع الأفكار.فهذا ابن سينا، الحسين بن عبد الله (ت:428هـ) في المقالة الثانية، الفصل الثالث من كتاب "الخطابة" لأرسطو يقول :
"وأورد لهذا الباب أمثلة في التعليم الأول لم أفهمها"!.
وكذلك نجده يقول في المقالة الرابعة، الفصل الثامن من نفس الكتاب :
" ثم لليونانيين في هذا الباب أحوال لم نحصلها ولم نقف عليها"
لم لا تُحَّصل ويوقف عليها أولاً ؟
فهذه ليست محاكمة للماضي برؤية الحاضر كما قد يتبادر لأول وهلة ، بل لأن هذا هو متطلب المرجعية أولاً وأخيراً كمرجعية. أما ابن سينا فمرجعيته الأساسية هي الفلسفة يحاول سكبها في قالب إسلامي، لأن الحضارة يومها تتكلم لغة الإسلام.كما سوف يفعل أحفاد لهم من منطلق معكوس، عندما غلبوا على أمرهم (حسب القانون الخلدوني في تبعية المغلوب للغالب ) حين حاولوا ترجمة الإسلام بسكبه في قالب المرجعية الفلسفية الغربية.بينما هما كالزيت والماء لا يمتزجان ولا يختلطان.الإسلام وحي له نظرته الكونية الخاصة به، وضمنها تنضبط كل علومه، حتى تستحق نعتها بالإسلامية. والفلسفة تخرص بشري يتعدد بتعدد الأشخاص، وعلى قدر مقاسهم، وضمنه تتحدد علومه أيضا وتنضبط. والشاهد على هذا، ترجمة ابن سينا العبثية لمفردات القضاء اليوناني إلى العربية كما فعل عندما ترجم "الاتهام" إلى "شكاية!" و " الدفاع " إلى "اعتذار!". فهو يقرأ النص كأديب وليس كقانوني ! أما في كتاب "الشعر" لأرسطو أيضاً، فنجد ترجمة ابن سينا لا تخرج عن حد العبث واللغو. إذ هو يترجم "التراجيديا" إلى "مديح!" و "الكوميديا" إلى "هجاء!"، أي بنقيضيهما تماماً !. بل يبلغ به الاستهجان مداه عندما حاول تقريب المجال التداولي الإغريقي من المجال التداولي الإسلامي بقوله:
"والذي يليق بآخر الخطبة، وهو الخاتمة، أن يكون مفصلاً غير مخلوط بما قبله، مثل الصدر. وخصوصاً المنثوريات ، وهو أن يقول : هذا الذي قلته، وسمعتموه. والحكم إليكم. كما يقال عندنا: أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه غفور رحيم".
وهكذا أصبح الخطيب في البنثيون اليوناني أو في جبل الأولمب يتقمص شخص خطيب الجمعة والعيدين!، وهذه قراءة ذبابية للمنظومة التَّفكرية اليونانية بمقاربات إسلامية مغلوطة ومضللة ومشوشة.
فالموسوعة الأرسطية موسوعة نظرية جمعت شتات المعرفة كما تفكرت بها الأمة اليونانية بكل نبضها اللغوي والتفكري والمفهومي والفلسفي، أي جماع نظرتهم إلى الكون، كما أنتجوها وفهموها وتفاعلوا معها في أفراحهم وأتراحهم وخرافاتهم وأساطيرهم وآلهتهم وأشعارهم وملاحمهم، وكما أنتجتهم بدورهم، بالتربية والتنشئة منذ نعومة الأظفار، وأعادت إنتاجهم مرات ومرات ضمن جدلية وجودهم. فهي بصمتهم ضمن استعاراتهم الخاصة بهم، لا يحاكون ولا يقلدون ولا يتكررون ولا يعاد إنتاجهم سوى كأغوال وهيدرات خرافية تساعية الرؤوس في لغات أو بيئات أخرى. إذ هي شبكة قيم معرفية وليست معرفة صافية خالصة. فهي رداء على قدر عقولهم وزمانهم ومقاسهم ولا يصلح البتة كرداء لغيرهم إلا بعد فك غزله وأخذ الصالح منه كمادة خام وطرح الباقي. لذلك لن نعجب أن نقرأ لابن سينا وهو يصف المعلم الأول "أرسطو" بقوله :
تأملوا ما قاله هذا العظيم! ثم اعتبروا أنه هل ورد من بعده إلى هذه الغاية ـ والمدة قريبة من ألف وثلاث مائة وثلاثين سنة ـ من أخذ عليه أنه قصر وصدق فيما اعترف به من التقصير؟. فإن قصر في كذا. وهل نبغ من بعده من زاد عليه في هذا الفن زيادة؟ كلا!، بل ما عمله هو التام! الكامل !، والقسمة تقف عليه، وتمنع تعديه إلى غيره!.
مثل هذا الهراء لا يشحذ تفكراً، ولا يوقظ همة، ولا يبعث على التفكر، أو التدبر أو المساءلة، أو الاختراع أو الابتكار أو التجديد، إن في التفكر أم العمل. بل هي مشيخة في التجهيل والتقليد والببغاوية والتقرد والانبهار المفضية إلى وباء تقديس الأشخاص. وبمثل هذا اللغو المسرف في الإعجاب، سنجد أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد ( 520 ~ 594 هـ ) يكرر بالحرف، في شرحه لكتاب "الطبيعة" لأرسطو صنوه ابن سينا ليقول:
إن مؤلف هذا الكتاب هو أرسطو نيكوماخوس، أعقل أهل اليونان!، وأكثرهم حكمة!!!.
هذا الاستعمال المشوش للمفردات التي تعني أشياء متناقضة تماما في المرجعية اليونانية والمرجعية الإسلامية كان له بالغ الأثر في تشويش الفكر الإسلامي كله. "الحكمة" في القرآن بمدلولاتها المتميزة المرتبطة بالإيمان بالله لا يمكن بحال من الأحوال مطابقتها بـ "الفلسفة" اليونانية المفرطة في الشرك. كما وردت على لسان لقمان "الحكيم" وهو يعظ ابنه بقوله:
"يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم" سورة لقمان، الآية 13
فلا بد في أية ترجمة من الإشارة إلى وضع "الكلمة" وكيفية استعمالها في المرجعية الأم، ضمن الشبكة التاريخية أو الأرشيفية التي تنتظم بداخلها كأفكــار و تصورات و مفاهيم ومصطلحات في تقابلاتها وتداخلاتها وتخارجاتها وتداعياتها في إطار الأنساق الفلسفية والتاريخية والاجتماعية… التي تحكمت فيها والقيود التاريخية والإحراجات الإيديولوجية والحياتية التي صاحبتها. ولن نعجب أن نجد من المسلين من ينعت أرسطو بـ "العي!" بسبب ترجمة ذبابية كهذه!.] وواضع علوم المنطق والطبيعيات وما وراء الطبيعة ومتممها…..جميع الفلاسفة الذين عاشوا بعده منذ ذلك الزمان إلى اليوم ـ أي منذ ألف وخمسمائة سنة ـ لم يستطيعوا زيادة شيء على وضعه، ولا وجدوا خطأ فيه !
بل يزداد فيه غلواً بقوله :
وأحرى ! أن يسمى ملكاً إلهياً !، لا بشراً !، ولذلك كان القدماء يسمون أرسطو بالإلَهي!.
ويضيف على ذات الوتيرة :
إن برهان أرسطو لهو الحق المبين!!، وإن العناية الإلهية أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن تعليمه!
فهذا كلام فقيه! وقاضي!!، فالعناية الإلَهية لم ترسل محمدا لتعليم ما لم يكن بمقدور أحد أن يعلمه بنفسه! وإنما أرسطو! وإن لم يجد ما يضيفه ابن رشد لإبن سينا بعد مرور 170 سنة على ما قاله، ولا ما يضيفه الأخير على ما تفوه به أرسطو بعد مرور ألف وثلاثمائة من السنين، فماذا يمكن للحضارة الإسلامية أن تضيف أو أن تستحدث من قول أو علم على ما قاله هذا الإلهي المؤله وهذا المَلك المربِّي ؟ لقد انسد الأفق إلى الأبد وصار خاص يونان عام البشرية !.
فكتاب "الشفا" من هذا المنظور كان أولى به أن يسمى "كتاب الإمراض" أو "كتاب الإعطاب"، بالنسبة للمرجعية الإسلامية، لأنه صار بمثابة الطاعون، المخل المشل، بكل ما تعنيه الكلمة؛ مبنى ومعنى وحقيقة ومجازاً لأنه جمد التفكر وقتل التدبر وهما مطلبان عقائديان ضمن مرجعية الإسلام بهذا التشويه وهذا التضبيب من مرجعية الشرك اليوناني. فلا هم استفادوا مما جد لديهم على خلاف معهودهم ولا هم فهموا ما نقلوا من بيئة يونان بسوء هضم من مترجمة السريان إلى قيء هؤلاء في لغة يعُرب.
فأرسطو يستشهد بأمثلة من عيون وأسرار اللغة اليونانية، لا يحيط بها سوى عالم ضليع يوناني، مرهف الحس. فيأتي سرياني عيي ليس له فيها باع ولا اطلاع بقدر أهلها، يغلق الكلام ويغمضه، ثم يأتي سرياني آخر غير الأول، له إشكال مزدوج مع سريانيته و عربيته فيعقدها ويلغزها أكثر، ثم يأتي بعد ذلك رهط الشراح الذبان الذين يجهلون هذا وذاك، ويتعالمون على باقي المسلمين بتسمية أنفسهم بـ "الحكماء" أو "الخاصة" أو "خاصة الخاصة" بتلبيس على الدهماء، وهم عامة المسلمين وتدليس على اللغة العربية بمسمى "الحكمة" في عرفهم. وهي لقيطة لم تلدها ولم تتبناها قط. إذ شتان الفرق ما بين حكمة لقمان و فلسفة يونان؛ ما بين "التوحيد" وما بين "الشرك" كمنظورين للعالم.[9] فمثلاً كتاب أرسطو "تبكيت السفسطائيين" نقله ابن ناعمة وأبو بشر متى بن يونس و ثيوفيل و أثناس الراهب إلى السرياني ونقله إلى العربية يحيى بن عدي و ابن زرعة و ابن ناعمة. فإن كان يصعب النقل عادة على مزدوجي اللغة فما بالك في ابن ناعمة المثلث اللغة ؟
وهكذا اختلط الحابل بالنابل فعاشوا إسلامهم كوثنيين مرجعيين، وعاشوا وثنيتهم كمسلمين مشوشين، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا أولئك، إلى أن أكلت الفلسفة الإسلام في آخر المطاف ابتداءاً من القرن السادس الهجري فما بعد وتبرجت على صورة نحو فلسفي وبلاغة ُممَنْطقة و أصول بقياسات أرسطية وأقفلت الدائرة!
ابن سينا وابن رشد كنماذج للجراد المعرفي
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode