25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

صناعة الفقه (6): التقويم السلفي لابن تيمية
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

صناعة الفقه(6): التقويم السلفي لابن تيمية

تمهيد

كان عصر أبي العباس أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني (661 هـ - 728 هـ) رحمه الله، عصر انحطاط وردة وتقهقر على أكثر من صعيد.

فعلى صعيد الدولة: مثّل سقوط بغداد وتدميرها عن آخرها وقتل آخر خلفاء بني العباس: المستعصم بالله، أبي أحمد عبد الله بن المنتصر العباسي (ت: 656 هـ) مع كل أعيان دولته من طرف التتار، آخر فصل من فصول تفكك وانهيار الدولة العباسية الأولى، حتى ظن بعض المؤرخين المعاصرين للكارثة، من هولها، أنها مقدمات لازمة لقيام الساعة وأنها لا شك وشيكة، إن لم تكن على الأبواب!. قال ابن العماد الحنبلي في وصف هذه المأساة1:

فضربت أعناقهم (أي أعيان الدولة) حتى بقيت الرعية بلا راع ثم دخلت حينئذ التتار ببغداد وبذلوا السيف واستمر القتل والسبي نحو أربعين يوماً لم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة. وقُتِل الخليفة رفساً (تحت الخيل) ويقال أن هولاكو أمر بعد القتلى فبلغوا ألف ألف (مليون) وثمانمائة ألف وكسر. فعند ذلك نودي بالأمان!

وظل منصب الخلافة شاغراً لمدة ثلاث سنوات ونصف، إلى أن استقدم السلطان المملوكي على مصر: الظاهر بيبرس العلائي البندقداري الصالحي (625 هـ - 676 هـ)، الأمير أبا القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر بأمر الله، عم الخليفة المستعصم وبايعه بالخلافة سنة 659 هـ وتسمى بالمستنصر بالله، لتبدأ دولتهم الثانية بمصر، بذات الضعف، وبذات النسق الابتذالي الذي انتهت إليه في دولتهم الأولى!.

فالخليفة الثاني لهذه الدولة: الحاكم بأمر الله، أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد العباسي (ت: 701 هـ)، الذي بويع له سنة 661 هـ، سيسجن من طرف ولي نعمته بيبرس نفسه، بقلعة الجبل لمدة ثلاثين سنة!.

فكانت هذه الخلافة الصورية نقمة على صاحبها أولاً قبل غيره!. ولن يكون حظ ابنه الخليفة أبو الربيع، سليمان المستكفي بالله (684 هـ - 740 هـ) الذي بويع له بالخلافة سنة 700 هـ، بعهد! من والده بأحسن حال، حيث سيغضب عليه السلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي (684 هـ - 741 هـ) سنة 737 هـ وينفيه إلى قوص ويبايع لأخيه إبراهيم بدون عهد!2.

ولن يسلم السلاطين أنفسهم من غيلة هذا المنطق الغابوي المدمر، المتأرجح ما بين خيارين، أحلاهما مر: إما الخلع! وإما الاغتيال. إذ أن الناصر بن قلاوون نفسه، سيخرج عليه الكثير من الأمراء أثناء حكمه، ليتعرض للخلع مرتين أبان حكمه: الفترة الأولى امتدت لأربع سنوات (694 هـ - 698 هـ)، والثانية لسنة (708 هـ - 709 هـ).

وعلى صعيد المجتمع، فقد حط الانحطاط بالحواضر الإسلامية جملة وألقى بجرانه بجنباتها لا يحول عنها ولا يزول، وأصبح القحط في التفكير، والتسطيح في المسائل، والابتذال في المحاورات والمناظرات، السمات البارزة والطاغية على كل روافد الفكر القديم.

وكما تتحلل كل الأشياء الطبيعية في دورتها بالتعفن، لتعيد دورة الحياة من جديد، من باب إخراج الميت من الحي، فكذلك تعفنت الأفكار، وتوالدت عنها بالتفكيك والانحلال خمائر مذهبية وعقدية تمظهرت بمظاهر شتى لتتجسد في واقع الناس على شكل طوائف وأحزاب طغت عليها البدع والانحرافات، حتى كادت أن تغطي على الكثير من معالم الممارسات الإسلامية الشرعية، و تطمس الجذور الأصلية للدين في سيرك بهرجي كبير ضج من كثرة ممثليه:

ا) فمن متفلسفة ادعوا لأنفسهم "الحكمة" ورفعوا من مقام فلاسفة اليونان إلى مراتب الملائكة حال ما ادعى القاضي، والفيلسوف الأندلسي القرطبي أبو الوليد محمد بن أحمد: ابن رشد الحفيد (ت: 595 هـ) في حق أرسطو!3.

ب) ومن متصوفة أصحاب مخاريق وشطحات ودعاوى كشف ومعارج، جمعوا كل شتات الغنوص (العرفان) الفكري للمنطقة وأذاعوا به، في تركيبات عجيبة وغريبة، جمعت ما بين حلوليات المسيحية، والإسراريات الفرعونية والبابلية القديمة، وما بين وحدة شهود الوجودية الهندية الروحية إلى نظيرتها المادية الإغريقية، مع مسحات من براقيع ورقائع وتوابل جمعت بين كل المتضادات ووحدت بين كل المتنافرات في بوثقة واحدة!.

ولم يكتف بعضهم بالوقوف على تخوم هذه البرازخ الفكرانية المتنافرة، بل تجاوزها ليبلغ نقطة اللاعودة، ويدعوا في الذات الإلهية ما لم يجرؤ إبليس نفسه على ادعائه، حين وحدوا بين الله ومخلوقاته وقالوا: بأن كل ما في الوجود ما هو سوى الله أي: هو! هو!، لا غير، حسب تعبيرهم!

وصدق عليهم إبليس ظنه، فراحوا يرددونها بهوس تقرباً إلى الله في ظنهم، إلى أن دخلوا بشركهم البواح لجهلهم بالدين، في عداد من لا حظ لهم في مغفرة الله مطلقاً:

(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)

ت) ومن معتزلة انتحلوا أفكار الجهمية4 القديمة وأضافوا إليها بدعاً جديدة من عندهم، ورفعوا عقولهم إلى "مطلق!" حكموا به على ما يجب على الله وما لا يجب!، قياساً للغائب على الشاهد، حسب ما زين لهم عقلهم!، بل سيتعدى بهم الإسراف، من فرط جدالهم للفلاسفة، أن تأثروا بهم وبمقولاتهم، وصاروا يحتجون للعقيدة الإسلامية بمقدمات طبيعية مثل:

1) العلة والمعلول،

2) والجوهر والعرض،

3) و"الجوهر الفرد"! ،

4) والحركة والسكون، وما إلى ذلك،...

ث) ومن أشاعرة كانوا في نشأتهم الأولى، قد راموا التوفيق في الاعتقاد ما بين غلو المعتزلة في العقل وإسراف حشوية أهل السنة في النقل، إلى أن غلب عليهم التلفيق والتهجين والتنظير المجرد البعيد عن مشاكل الواقع.

ج) ومن باطنية ادعت أن لكل ظاهر باطن، وذهبوا يفرغون نصوص القرآن والسنة من كل معنى أو دلالة!، حتى صار الكلام كله لغواً ملغزاً أشبه بحروف وطلاسم السحرة وأصحاب علم الغبار!.

ح) ومن شيعة بألوان الطيف: إسماعيلية، وجعفرية، ونصيرية، ودروزية،...إلخ، يقولون بأئمة معصومين!، أو مستورين!، أو متغيبين!، انحدروا من أزمنة التيه السياسي للفرق الإسلامية السياسية الأولى الغابرة، حسب ظرف الزمان والمكان والبيئة، وادعوا فيهم بأنهم سيرجعون إلى الدنيا بعد حين، وسيظهرون كمهادي5 منتصرين على مناوئيهم السياسيين القدامى!، في أواخر الأيام والدهور والأزمنة، ليقيموا محكمة دولية لمحاكمتهم على جرائم الحرب التي اقترفوها في حق أشياعهم، قبل أن يعملوا على تعميم الرخاء والرفاه، ويكثروا من المال، ويحثونه للناس حثواً!، حتى لن يوجد من بين كل أولئك المحرومين المحظوظين!، أحد ممن سيعباً بجمعه!، ليجدوا جميعاً ونيابة عن كل الأجيال التي آمنت بمثل هذا التخريف، بغيتهم في حكم هذه الشخصيات الخرافية الأسطورية، اللاتي ستملأ، كما تقول دعاية هذه الأحزاب، الأرض قسطاً وعدلاً لمدة خمس! أو سبع سنين!، كما ملئت جوراً لدهور وعصور!، على ما اعتادت فارس من اعتقاد في مخلصها القديم "زرادشت"!.

خ) ومن فقهاء مقلدة جمدوا على أقوال أرباب المذاهب ورفعوهم إلى مقامات ودرجات القديسين والأولياء، حاجبين بهم الرسول ( وسنته وتبيانه، تفرقوا شيعاً واحزاباً، متناحرين فيما بينهم في نصرة مذاهبهم، والاسترزاق بالفتوى، وأكل أموال الناس بالباطل، كل حزب بما لديهم فرحين!،....

إلى غير ذلك من الدواهي.

وعلى صعيد الوجود: فقد جاءت هجمة الحروب الصليبية مستعلنة بغزو الشام سنة 490 هـ لتستمر لقرنين كاملين، اتيا على الأخضر واليابس، إلى أن استطاع الملك الأشرف الأيوبي تخليص آخر معاقلهم بمدينة عكا سنة 690 هـ، ليتلوها مباشرة اكتساح التتار لحواضر وعواصم مدن الإسلام، مما مثل خطراً داهماً على وجود الإسلام نفسه.

وقد ابتدأ غزو التتار لأطراف الشرق الإسلامي المحاذي للصين وبلاد ما وراء النهر على يد جنكيزخان سنة 617 هـ، وكانوا يدمرون كل شيء في طريقهم إلى أن استطاع أحد حفدة جنكيزخان وهو هولاكو من الوصول إلى مدينة بغداد سنة 656 هـ ليدمرها تدميراً كاملاً، بعد أن داس فرسانه على الخليفة العباسي وحشمه وحرمه وأعيان البلد في مجزرة رهيبة لم يشهد لها التاريخ من مثيل، قبل أن يوقف تقدمهم في الشام ملك مصر سيف الدين قطز سنتين بعد ذلك في عين جالوت إلا ليعيدوا الكرة من جديد وينتصر عليهم السلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة 702 هـ.

قلت: في مثل هذه البيئة النشاز، رأى النور أحمد بن تيمية بمدينة "حران" في يوم الإثنين عاشر ربيع الأول من سنة 661 هـ.

وبحكم عدم الاستقرار العام، فلم تطل إقامته في بلدته هذه، حيث ستجبر أسرته على النزوح إلى الشام، فراراً من التتار، لتستقر في مدينة دمشق في منتصف سنة 667 هـ/1268 م.

وكانت مدينة دمشق قد حلت مع مدينة القاهرة بمصر، محل العاصمة بغداد في الحفاظ على العلوم الإسلامية بعد تدمير هولاكو الشامل لها ولساكنتها ومكتباتها سنة 656 هـ. وقد لحق ببغداد (في مدة الأربعين يوماً التي عاثت فيها جنود هولاكو بالمدينة)، من الدمار الشامل ما يشبه ما يتركه وراءه إعصار مداري، أو ما تخلفه قنبلة نووية في عصرنا الحاضر. قال ابن كثير6:

ولما انقضى الأمر المقدر، وانقضت الأربعون يوماً، بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليها المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والبلاء والفناء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أخذ العلوم الإسلامية عن والده وهو صغير، وبرع في علوم الإسلام كلها وهو فتى يافع، حتى أنه لما توفي والده سنة 681 هـ خلفه في تدريس الفقه الحنبلي وعمره لما يناهز بعد العشرين سنة.

ومن فرط كلفه بالعلم، فقد عزف عن الزواج، فساعده هذا النوع من الرهبنة الاختيارية على التفرغ المطلق للعلم وللعمل به، حتى أنه لم ينقطع قط عن المطالعة والتأليف سواء أكان حراً طليقاً يسعى، أو مودعاً في غياهب السجون في كل من قلاع الشام ومصر!.

ويقول تلميذه شمس الدين الذهبي (ت: 748 هـ) وهو يصفه في معجم شيوخه7:

سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرّج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصّل ما لم يحصله غيره. وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يُسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث معزواً إلى أصوله وصحابته مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل. وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث أنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولاً وفروعاً وتعليلاً واختلافاً، ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم ونبه على خطأهم وحذر ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة حتى أعلى الله مناره وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له. (...) وأحيا به الشام بل والإسلام بعد أن كاد ينثلم خصوصاً في كائنة التتار. وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي. فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله وأنه ما رأى مثل نفسه.

وقال ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن أحمد الأندلسي الإشبيلي (661 هـ - 734 هـ) المحدث8:

ألفيته ممن أدرك من العوم حظاً وكان يستوعب السنن ولآثار حفظاً، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو دان بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضَر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته ولا أرفع من درايته. برز في كل فن على أبناء جنسه ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه.

وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي الدمشقي الشافعي (654 هـ - 742 هـ)9:

ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه.

وقال الفقيه أبو الفرج زين الدين بن رجب الحنبلي البغدادي (ت: 795 هـ)10:

كانت العلماء والصلحاء والجند والأمراء والتجار وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم ليلاً ونهاراً بلسانه وعلمه.

قلت: ومنزلته هذه تشهد بها كتبه رحمه الله.

الهامش:

1 ابن العماد الحنبلي: "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" (5: 271).

2 شذرات الذهب (6: 3 و 126).

3 أنظر كتابنا: "كيف تمت هندسة فيروس اسمه أدونيس؟".

4 نسبة إلى أبي محرز الجهم بن صفوان السمرقندي (ت: 128 هـ/745 م)

5 أنظر كتابنا: "المهدي اللامنتظر لا عند اليهود ولا عند الشيعة ولا عند السنة ولا عند البرتغال"

6 ابن كثير في المجلد الثالث عشر من تاريخه: "البداية والنهاية" في ذكر حوادث سنة 656 هـ:

7 أبو الفرج عبد الحيّ بن العماد الحنبلي (ت: 1019 هـ): "شذرات الذهب " (6: 81) ، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

8 "شذرات الذهب " (6: 82) ..

9 الشذرات (6: 84).

10 الشذرات (6: 84).

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق