25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

صناعة الفقة(4): التقويم الظاهر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

صناعة الفقه (4): التقويم الظاهري

مقدمة

إذا كانت دولة بني أمية (40 هـ - 133 هـ) قد مثلث على صعيد الحكم دولة الملك المتغلب العضوض بامتياز1، وإذا كانت دولة بني العباس التي أعقبتها في بغداد (133 هـ 656 هـ) لم تكن سوى الأنموذج الأمثل للدولة الكسروية في أبهى حللها، فلن نعجب أن تكون الدولة العثمانية (923 هـ/1517 م – 1343 هـ/1924)2 التي ستعقب الدولة العباسية الثانية (659 هـ 923 هـ) الصورية التي أقامها المماليك بمصر وتحكموا في خلفائها ،سوى نسخة طبق الأصل للدولة البيزنطية في أوج عظمتها، لأنها حلت محلها، وامتدت على ذات الرقعة التي كانت تحتلها، بل وبزتها لكونها دامت لمدة أطول منها مرتين!.

وكل أمبراطورية من هذه الأمبراطوريات الثلاث الكبرى، التي لم تتأسس سوى على القهر والغلبة، بررت بعديا، بعد أن استتب لها الأمر، لأحقيتها في حكم المسلمين دونهم، ومن ودون مشورتهم بدعوى من الدعاوي العنكبوتية التي لا تجد لها سنداً من الدين بحال!.

فالدولة الأموية ابتدعت قولاً مخترعا في الدين يقول بأحقية قبيلة قريش في حكم المسلمين دونهم!.

وقد لفقت مع مرور الزمن مئات الأخبار في هذا المعنى، دون أن يسائلها أحد، حتى صارت وكأنها من مسلمات الدين، يستوي في القول بها العالم والجاهل سواء! أنظر كتابنا: "أحاديث في السياسة لا تصح: الأئمة من قريش"، لم نتمكن من طبعه وتوجد منه مقتطفات على هذا الموقع}.

وأول ما يلفت النظر في هذا المقول المخترع، هو مصادمته الصريحة لنصوص القرآن المحكمة وروح الرسالة الإسلامية، لأنه يتعارض في المطلق مع عالمية رسالة الإسلام، الرحمة المهداة للعالمين، كما جاء في سورة "الأنبياء"، الآية 107:

(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

ولئن كانت كل الرسالات، ما قبل "الرسالة الخاتمة"، وبدون استثاء، تتسم بالمحلية والخصوصية وتخاطب كل قوم برسول منهم، مبتعث من وسطهم، كما تواترت بذلك آيات القرآن الكريم كما في:

سورة إبراهيم، الآية 4: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)

وسورة انوح، الآية 1: (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك )

وسورة العنكبوت ، الآية 16: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه )

وسورة الأعراف، الآية 1: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب)

وسورة النمل، الآية 45: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله)

وغيرها من الآيات، فلا شك أن الأمر مختلف كل الاختلاف مع دعوة الإسلام الخاتم لكل هذه الصيرورة التاريخية والمتوج لها.

ولم تختلف مقاربة دولة بني العباس، التي قضت على دولة الأمويين، في التمكين لدولتهم، لا في الشكل ولا في المضمون، حيث سيصادرون بدورهم حق المسلمين في اختيار من يحكمهم، بدعوى أنهم لب القرشية بحكم أن جدهم العباس، هو عم النبي صلى الله عليه وسلم!

وهو ما سيؤاخذهم به حزب العلويين، أقرب المقربين إليهم من جهة الدم والعصبية، الذي لم يكن بدوره يقل عنهما طموحاً وطمعاً في الاستئثار بمنافع الخلافة دون سائر باقي المسلمين، بمقولة:

أخذتم الشجرة وتركتم الثمرة!

ومضى العباسيون بعد ذلك، يغالون ويعلنون أنهم أصحاب حق إلهي في الحكم والسلطان (أنظر كتابنا: "أحاديث في السياسة لا تصح: الأئمة من قريش"، لم يطبع بعد).

وكل دولة من هذه الدول ستبتدع أساليب في استغفال العامة، لتضفي على حكمها مسحة من مسوح التدين الزائف، هي إلى النفاق أقرب من حبل الوريد!

وهكذا وجدنا الخليفة من بني العباس مثلاً، يخرج على الناس مرتدياً لبردة النبي (3، موحياً بهذا الصنيع إلى الاستخلاف من الرسول صلى الله عليه وسلم!، وكأنه هو من ألبسهم إياها، على العادات القديمة للعرب، بينما سنجد أن دولة بني عثمان (نسبة إلى عثمان بن آرطغرل (656 هـ/1258 م - 737 هـ/1336 م)، التي لم يكن بوسعها أن تدعي سريان الدماء القرشية، بل ولا حتى العربية فيها، تعمل على إبراز خاتم التبي الذي كان يمضي به رسائله، أو لف من شعره، ...أو نسخة من المصحف العثماني،...لتحقيق ذات المآرب!

ثم صار عرفاً أن يحيط الخليفة نفسه بجوقة من الفقهاء والعلماء الذين صارت للموالين للدولة منهم رواتب ثابتة وجرايات كجرايات الجيش، حيث أصبحوا في عداد جند القلم الذين يدافعون عن المنظومة الفكرية للدولة، ما يدافع عنها باقي الجند بالسيف والسنان في الداخل والخارج، بينما سيكون مصير المخالفين غير المروضين إما: التعنيف، أو القتل، أو النسيان في غيابات دهاليز سجون الدولة، حال الإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ)، الذي سيضرب بالسياط من طرف عامل أبي جعفر، عبد الله بن محمد بن علي: المنصور العباسي (95 هـ - 158 هـ) على المدينة إلى أن انفكت دراعه، أو الإمام أبي حنيفة، النعمان بن ثابت (ت: 150 هـ)، الذي سيقضي شهيداً في سجن المنصور، وغيرهما.

وعندما سلم أبو جعفر "عبد الله": المنصور مقاليد الخلافة إلى ابنه "محمد" الذي سيلقبه باسم: "المهدي"4 (أنظر كتابنا: "المهدي اللامنتظر لا عند اليهود، ولا عند الشيعة، ولا عند السنة، ولا عند البرتغال"") كتب له وصية جاء فيها5:

إني تركت الناس ثلاثة أصناف:

فقيراً لا يرجو سوى غناك!،

وخائفاً لا يرجو سوى أمنك!،

ومسجوناً لا يرجو الفرج إلا منك!

ولا يهم أن تكون هذه الوصية حقيقية أو ملفقة، مادامت تترجم فعلاً للواقع!

وهي وصية من لا يرجو لقاء الله بحال، لما تحمل بين طياتها من جرائم، تجعل صاحبها يندرج قسراً في الوعيد الرباني في الآية 26 من سورة "ص":

(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)

وسوف يعمل الجهاز المكلف بالدعاية للدولة على تضخيم وتعظيم أمر الخلافة العباسية في أعين العامة والبسطاء، إلى أن رُوِّج لفكرة تقول بأن:

الخلافة يجب أن تظل في يد بني العباس، إلى أن يسلموها إلى عيسى بن مريم في أواخر الأزمان!6

ترى! هل هناك رجعة ثانية لعيسى عليه السلام!؟ (أنظر كتابنا: "هل سيرجع المسيح ثانية؟ ماذا يقول الإسلام؟" )

بل لم تقف الدعاية عند هذا الحد، حتى لفقت خبراً يقول بأنه:

متى قتل خليفة اختل نظام العالم واحتجبت الشمس وامتنع القطر7

ففي هذا الجو العام، الذي كان ينشأ فيه الخلفاء، سيخلف موسى الهادي! (144 هـ - 170 هـ) والده المهدي! (127 هـ - 169 هـ).

وكوالده، فلم يكن للقب الذي أصبغ عليهما أيّ أثر في حياتهما!، إذ فلا المهدي كان مهدياً، ولا الهادي كان هادياً! بل سيشتهر الهادي بغلظة الطباع والخشونة في معاملاته كلها، زيادة على ولعه المفرط بالغناء والشراب واللهو طوال حياته!.

وستقع في أيام الهادي ثورة العلويين الثانية بقيادة الحسين بن علي رئيس العلويين، والحسن بن محمد النفس الزكية، لتنتهي بهزيمتهم في وقعة "فخ" بين مكة والمدينة سنة 169 هـ، ولينجو إدريس بن عبد الله الكامل إلى المغرب ليؤسس دولة الأدارسة بها سنة 172 هـ.

وستبلغ الخلافة العباسية أوج عظمتها في عصر هارون الرشيد (149 هـ - 193 هـ)، وأول عمل سياسي سيدشن به عهده في الخارج هو إرسال من سيسمم إدريس الأول بالمغرب. فتم له ما أراد!

ولهارون الرشيد وجوه، بحسب أحواله في مجالس علمه، أو لهوه، أو صيده، أو غيرها:

- فكتب المتزلفين تصفه بالرجل الورع! الذي لا يتمالك أن تسيل دموعه غزيرة عند سماعه لموعظة!، بينما وقائع التاريخ العاري تقول بأن الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ)، أحد التقويميين الأفذاذ في الإسلام، كاد أن يجد حتفه على يده، حين نقل إليه من اليمن مصفداً مع يحيى العلوي الثائر، لولا تدخل محمد بن الحسن الشيباني (ت: 189 هـ)، الذي أصبح وجيها لدى بني العباس، بعدما قبل هو وصاحبه أبو يوسف، بما لم يقبل به شيخهما أبو حنيفة من قبل!

- أو هو المجاهد! الذي أمضى شطر عمره ما بين حج وغزو!، حتى كان يقود الجيوش بنفسه!8، بينما وقائع التاريخ تقول بأن دولة بني العباس لم تكن دولة فتوحات، بقدر ما كانت دولة تقهقر، لأنها ستحكم بقعة أقل مما حكمت الدولة الأموية قبلها!. وقد كانت سياسته تجاه الفرنجة، نسخة طبق الأصل من سياسة آبائه، وكانت تقوم على مصادقة الأمبراطورية الرومانية البعيدة، ومعاداة جيرانه البيزنطيين، في مناوشات صيفية رتيبة!.

- أو هو الخليفة المسرف الغارق في الترف والملذات، بحسب كتب الأغاني!

وفي عصر الرشيد سيتأجج الصراع الشعوبي بين العرب والعجم، لتلعب فيه محظيات الرشيد دور الهشيم. فالحزب العربي الذي كان يتزعمه الحاجب: الفضل بن الربيع (138 هـ - 209 هـ)، ومحظية الرشيد العربية: زبيدة (ت: 216 هـ)، أم الأمين (170 هـ - 198 هـ)، كان سباقاً لضمان استبقاء الخلافة في العنصر العربي، حين ضمن ولاية العهد للأمين سنة 175 وعمره لما يناهز بعد الخمس سنين. وهو ما لم يرض الحزب الفارسي بقيادة البرامكة، ومحظية الرشيد الفارسية: "مراجل"، أم المأمون (170 هـ - 218 هـ)، فسعوا لدى الرشيد إلى أن اقنعوه بأن يعهد إلى ابنه المأمون، بولاية الشرق سنة 182 هـ!

وهو تقسيم دك إسفينا في جسد الدولة، وجعل ضغائن الفريقين تغلي كمراجل على نار دافئة، بحيث ما أن توفي الرشيد حتى قامت الحرب على قدم وساق بين اببنيه، لتنتهي بقتل الأمين سنة 198 هـ، ولتنحسر الخلافة، وبعد بحور من الدماء، إلى المأمون في آخر المطاف.

وقد تميز عهد المأمون، سابع خلفاء بني العباس بكثرة الفتن والحروب في الداخل والخارج، حيث توفي هو نفسه وهو يجاهد البيزنطيين بالقرب من مدينة طرسوس في آسيا الصغرى.

ومن أكبر الفتن، التي حصلت في عهده، فتننة القول ب "خلق القرآن"، التي امتحن بسببها الكثير من العلماء، والمحدثين، والفقهاء، ومن بينهم الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ) واستمرت إلى عصر المتوكل: جعفر بن محمد (ت: 247 هـ).

الهامش:

1 أنظر: محمد بن جرير الطبري (225 هـ - 310 هـ): "تاريخ الرسل والملوك" (5: 316)، طبعة دي غوية، ليدن.

2 حين تنازل الخليفة الصوري المتوكل على الله العباسي، من الدولة العباسية الثانية، التي أقامها المماليك بمصر بعد قضاء هولاكو على الخلافة العباسية الأولى في بغداد، مرغماً على الخلافة للسلطان العثماني سليم الأول (918 هـ/1512 م – 927 هـ/1520 م).

3 وهو ما سيكرر مثله المولى عمر زعيم طالبان في أفغانستان، وفي القرن الواحد والعشرين!

4 تفريغاً لدعوى بني عمومتهم الشيعه العلوية، الذين فبركوا خبراً في أحقية "محمد بن عبد الله": النفس الزكية (ت: 145 هـ) بالخلافة، لكون اسمه يوافق اسم النبي (، واسم أبيه يوافق اسم أبي النبي (.

5 أنظر: أحمد مختار العبادي، 1972: "في التاريخ العباسي والأندلسي"، ش. 67، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت.

6 أنظر عز الدين بن الأثير (ت: 530 هـ): "الكامل في التاريخ" (5: 318)، نشر نورنبوغ، ليدن.

7 أنظر: محمد بن علي بن طباطبا، الشهير بلقب: ابن الطقطقي (660 هـ - 709 هـ) في كتاب: "الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية"، ص. 190، نشر ديرنبورغ، باريز (1895 م).

8 أنظر عز الدين: ابن الأثير في: "الكامل في التاريخ" (6: 69).

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق