25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

مدرسة ابن حزم الأوبية في النقدية التاريخية
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء

وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد

سورة الطارق، الآية (8-9).

ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولايزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم

سورة هود، الآية (118-119)

إلى روح ابن حزم العالم الحر، المحدث، الفقيه، المؤرخ... الإنسان.

إلى أرواح الموريسكيين الذين فتنوا في دينهم وذويهم وأنفسهم إلى أن شردوا.

إلى مسلمي المجر الذين أجبرهم على التنصير الملك الصليبي كارل روبرت ( 1308 ~ 1342 ) ومحا وجودهم من البلاد ومن ذاكرتها!.

إلى خوان آلاس فقيه قرية مويل السرقسطي الذي حرقته الكنيسة سنة 1546م

إلى أرواح الموريسكيين السبعة والعشرين المحرقين في احتفال! سرقسطة سنة 1546م

إلى مارية الغرناطية المحرقة سنة 1576م

إلى السبعمئة والثمانين المحرقين في غرناطة في الاحتفالات! الإثنتى عشرة ما بين ( 1550-1580م ).

إلى ثيريزا دي باديا الأركوسية المحرقة سنة 1598م

إلى أرواح الموريسكيين المائة والتسعين المحرقين في احتفال! طليطلة.

إلى الآلاف الأخرى في باقي المدن الأندلسية... رحمه الله عليكم جميعا.

إلى الآف المرانو واللوثريين الذين لقوا نفس المصير.

إلى غاليليو غاليلي، وجوردانو برونو وميشيل سرفي وعلماء غيرهم.

إلى مسلمي المجر والبلقان الذين أبيدوا ونصروا سنة 1687 م

إلى ضحايا المقابر الجماعية في البوسنة والهرسك وكوسفا أواخر القرن العشرين! على مرأى ومشهد من العالم المتحضر!.

إليكم جميعا، إذ لولاكم ماكان للتاريخ من معنى، ولاكان للحقيقة من مطلب.

وكي لاننسى وللذِّكرى: إلى أجيال القرن الحادي والعشرين ومابعده.

ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟

سورة يونس، الآية99

ألا لايقلدن أحدكم دينه الرجال إن آمنوا آمن، وإن كفروا كفر!. فإنه لا أسْوة في الشر.

الصحابي عبد الله بن مسعود،

وتالله! لولا أننا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلا يسع هذا الجنون!.

ابن حزم الأندلسي: كتاب الفصل (1: 49).

حوارات هرطقية في ذمة التاريخ.

في سنة 1632 نشر العالم الإيطالي غاليليو غاليلي كتابه الشهير الذي خلد ذكره في الخافقين "الحوار"()، وحتى لاتنقطع سلسلة المحاورين من طينة وعجينة فقد ازداد في نفس السنة وبالضبط في 24 تشرين ثان (نوفمبر) في بيت يهودي بمدينة امستردام، باروخ بن ميكائيل سبينوزا، الذي سوف يكون له حواره هو الآخر مع بني جلدته ودينه.

لم تمض سنة على ظهور "الحوار" حتى تخاطفته الأيادي في كل أوروبا، مما جعله يقع تحت أعين محاكم التفتيش البابوية ذات السمعة السيئة. وما أن تصفحه الأب ملكيور إينكوفير الجزويتي، حتى اشتم منه رائحة الهرطقة التي لم ترقه، فقال في حقه:

بأن حركة الأرض التي يتبناها صاحب الحوار في كتابه هي من بين كل الهرطقات: الأشنع ولأفسد والأكثر فضيحة لأن ثبوت الأرض أمر مفروغ منه! ومقدس بتقديس التثليث ! ومحرم الخوض فيه حرمة الخوض في ماهية سر الأسرار، فهو أشنع من القول بعدم خلود الروح، وأفظع من القول بعدم وجود الآلة أو البعث. ويمكن التسامح مع من يقول بهذه الشناعات الثلاث ولايمكن التسامح مطلقا مع من يتجرأ ليدعي إثبات دوران الأرض! كما هو حال صاحب الحوار في كتابه!

نودي على صاحب الحوار ليمثل على عجل أمام محكمة التفتيش في روما. كان، غاليليو يومها قد بلغ من الكبر عتيا، فظن أن سنه ومرضه قد يشفعان له في عدم تحمل مشقة الترحال من مدينته فلورنسا إلى عاصمة البابوية روما، فتقاعس متوجسا من القوم خيفة، إلى أن تدخل البابا الرحيم! أوربان الثامن (1623-1644) وأصدر إليه أمرا ملزما بالمثول وإلا أرسل إليه طبيبه الخاص ليجري عليه الفحوصات، والتي إن أثبتت أن مرضه غير قاتل، حمل مصفدا في الأغلال على إثرها إلى حضرته!. للتاريخ فإن غاليليو تعرف على البابا قبل أن يتبوب، يوم أن كان فقط نكرة من النكرات اسمه الكاردينال باربريني، قبل أن يتوج بابا للكنيسة الرومية سنة 1623م، ويغلق الأبواب.

لم ينتظر غاليليو تقرير الطبيب، بل شد رحاله إلى حيث طلب منه، وبمجرد وصوله ألقي به غياهب سجن محاكم التفتيش. بعد برهة، جاءه جليف المحكمة وهدده بالتعذيب إن لم يتراجع عن شناعة أقواله التي تقول بدوران الأرض حول الشمس وليس العكس كما تؤمن بذلك الكنيسة المعصومة! والتي استقت هذا الإيمان من الكتاب المقدس ذاته: أولم يأمر يشوع الشمس بالتوقف في كبد السماء بيده؟ وأولم يتطاول اليوم حتى صار يومان؟()

تراجع الرجل عن يقين ما رآه بمرقابه، من كون الشمس ملطخة ببقع سوداء وأن لكوكب المشتري توابع تماما كما للشمس توابع، هي باقي السيارات المعروفة آنذاك، إلا أن المحكمة ارتأت في عدالتها الربانية، أن تحبسه عندها، تحت الإقامة الجبرية في منزله الريفي إلى أن يفارق هذه الحياة، وأمرته حرصا على سلامة روحه! أن يردد مرة في كل أسبوع على الأقل، ولفترة الثلاث سنوات المقبلة المزامير السبعة للتوبة! وزيادة في الرأفة، حرمته أيضا من زيارة أهله أو أقاربه أو أصدقائه!. هكذا نطق السبعة الكرادلة الذين حاكموه لعشرين يوما في 22 حزيران 1632م.

قبل أن يقفل سجله الأرضي، أمر بالجثو على ركبتيه لتلاوة النص الرسمي للتوبة:

أكفر وألعن وأكره تلك الأخطاء والهرطقات... وأقسم ألا أقول أو أبوح أو أصرح بأي شيء منها في المستقبل شفاها أو كتابة مما يمكن أن يثير حولي شبهة أو يجعلني مثار ريبة... وأقسم (ويداه فوق الأناجيل) أن أفضح كل الهراطقة! الذين يقولون بدوران الأرض!... وأقسم أنني كفرت بتلك المعتقدات!

توفيت إبنته الوحيدة بعد سنة من إقامته الجبرية، وطاردته صورتها بقية حياته إلى أن كف بصره كمدا سنة 1637، ثم ليقضي نحبه في أوائل شهر سنة 1642 السنة التي سوف يولد فيها محاور ثالث من نفس العجينة ومن نفس الطينة، ألا وهو العالم الموحد إسحاق نيوتن (1642-1727) الذي سوف يطعن في تثليث الكنيسة ويجعله من تأثير الأفلاطونية على آبائها الأول! وسوف يفقد ويليم ويستون (1667-1752م) الكرسي الذي ورثه في جامعة كامبريدج خلفا لنيوتن لحماسه الزائد للإسلام سنة (1710).()

هذا البابا الرحيم ! هو نفسه الذي رفض ملتمسا () ورد إليه من طرف ملك إسبانيا فيليب الرابع (1621-1665م) يطلب من قداسته فيه، السماح له بإعادة الموريسكيين (مسلمي الأندلس) الذين طردوا من الأندلس سنة 1609، بعد أن جردوهم، وبكل رحمة، من أبنائهم، ليستحيوهم عندهم هم، على دين المحبة! المحبة التي طالما استمتع بها آباؤهم أثناء فرض التنصير على أجدادهم، منذ القرن والربع القرن من عمر الزمن! سنين القهر، الواصلة بين سقوط غرناطة سنة 1492، سنة اكتشاف أمريكا! والطرد النهائي على طريقة الحل النهائي سنة 1609م. أكثرهم ولاشك، وقد حملته سفن التغريب إلى لا أرض، كانوا لايزالون يرن في داخل أسماعهم، صدى لكلام طالما استمعوا له مجبرين داخل الكنيس، في قداس يوم الأحد، خوفا من أن يشي بهم لعدم حضورهم وينتهوا مشاعل فوق محارق الرب!

أحسنوا إلى من أبغضكم! واستغفروا لمن يطردكم ويغتصبكم! لكيما تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء! أبوكم الذي تشرق شمسه على الأخيار والأشرار. ولمن لطمك على خدك، فأدرله الخد الآخر! ولمن آخذ منك معطفك، لاتمنعه قميصك! لاتحكموا فتحاكموا وكما تدين تدان، إعط لكل من سألك! ولمن أخذ منك متاعك، فلا تطلبه منه ثانية. وكما تحب أن يعاملك الناس، فكذلك عاملهم!!!

بكل تأكيد أن أكثرهم لم يقف على تأويل هذه الأخلاقيات إلا في صبيحة ذلك اليوم المشؤوم من سنة 1609م. ولا مجنون أو معتوه يظنن بالمسيح أنه عنى بذلك هذا النوع من التطبيق في معاملة البشر! ولكن وكيفما كان الأمر، فهذا هو لب الحوار كما طبقته الكنيسة، ولم تتلعثم ولا لحظة وهي تتكلم باسم الرب!

أما الحوار الثاني فجرى في بيعة من بيع أمستردام سنة 1656م. المحاور نفسه لم يكن كبير شأن كما كان الحال مع غاليليو، ولا كان يجهل ما حل بغاليليو وجوردانو برونو ولفيف من أحرار الفكر الذين انتهوا شعلا فوق محارق الرب(). إلا أنه وقد أسعفه الحظ أن يولد في أمستردام وليس بروما! أو مدريد! فلم يكن الحظ معه كريما في أن لايجعل منه مخبولا! وللعقل ضريبة لابد وأن يدفعها من أوتي من هذه النعمة حظا وافرا. وعقل باروخ بن ميكائيل سبينوزا أوصله بعد الفحص والتمحيص إلى القول بتحريف الكتاب المقدس رغم أنف الأحبار! على غرار مواطن قديم من مواطنيه قبل المهجر وكان اسمه ابن حزم قضى منذ ستة قرون، ولم يسلم هو الآخر من عوادي الزمان.

اللهم ألعنه! وجَرِّعه كأس الذل الأبدي! واجعل لعنته تتلبس به كثيابه! بجاه الملك أدونيال وملائكته الذين هو رئيسهم!...

هكذا صدر الحرمان الشرعي بحق سبينوزا ذي الأربع والعشرين خريفا أمام الرِّبِّييْن منسى بن إسرائيل وشاؤل مورتيرا، معلماه اللذان علماه الجدل، الديني وأوصلاه أن يخرج من رحمتهم إلى رحمة الله الواسعة!.

ستة قرون قبل هذه الحوارات، حاور البابا جرجس السابع الأمير الناصر الصنهاجي من ملوك بني حماد بالجزائر برسالة كتبها له سنة 1076م جاء فيها:

هناك مودة، ندين بها لبعضنا البعض دون سائر الناس، لأننا نعترف ونؤمن بالآلة الأوحد وإن بطرق مختلفة!!! ونحن نمجده ونصلي له كل يوم كخالق ومدبر للعالم..

وهذا كلام، لاشك، من تحصيل الحاصل، إذ أن ما يؤمن به المسيحيون على اختلاف طيف فرقهم موصوف ومسطر بدقة في القرآن وما هذا بالذي يخفى عن البابا أو المنصور! على عكس ما عرف حقيقة، من مشاعر البابا، حيال الإسلام والمسلمين، إذ لم تمر إحدى وعشرين سنة على هذه الرسالة حتى عبرت سفن الصليبيين مضيق الفوسفور سنة 1097 محملة بجنود الرب لتطهير أرض اللبن والعسل من سكانها المسلمين، استجابة لنداء قداسة البابا أوربان الثاني سنة 1095م. أشعلها ولم تنطفئ إلا بعد قرنين!.

ثلاثة قرون بعد ذلك، وبعد أن أصبح البابا معصوما حسب ما اتفق لمن تجمعوا في فاتيكان الأول (1869-1870)، أصدر فاتيكان الثاني (1962-1965) وثيقة() جاء فيها على لسان بولس السادس الذي اختتم أشغاله في 8 كانون الأول سنة 1965:

إن الكنيسة تنظر إلى المسلمين بتقدير، الذين يعبدون الإله الواحد الحي القيوم الرحيم، خالق السماء والأرض، الذي خاطب البشر!

هل تعد الكنيسة لحرب عالمية ثالثة ؟! لا! لأنها من الآن فصاعدا سوف تحتاج لشهادة الإسلام لتبرير وجودها، ولأن كل هؤلاء المحاورين الذين ذكرنا لم يكونوا ليشتهروا بما اشتهروا به لولا الإسلام! وكلهم وبدون استثناء نهلوا منه وأخفوا!.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق