المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية
(9) تحقيق معنى الفطرة: علم الدراية
كيف أمكن التحكم فكرياً وسلوكياً في الإنسان
ويظهر جلياً من خلال ما سبق استعراضه، أنه بالرغم من ثبات البصمة الخلقية التكوينية للبشرية، إلا أن هذا الثبات على صعيد البصمة الكونية للبشر، لا يمنع من طروء بعض العوارض على بعض أفراد الجنس، كالأعراض المرضية التي استعرضناها وهي أعراض إما:
مشوهة للخلقة، أو مُتلفة لملكة العقل (مناط التكليف الشرعي)، أو حتى قاتلة. وكلها، وبدون استثناء، وجدناها تشتغل على صعيد البنية والبرمجة الأصلية لمورثات الإنسان.
ويلحق بهذه الآفات المغيرة للفطرة بيولوجياً، كل المواد أو السموم التي يمكن أن تدخل جسم الإنسان وتوثر على غدده المختلفة، أو جهازه العصبي أو ما شابه. ولعل المثال الأبرز في هذا المنحى يمثله التدخين.(اضغط هنا لتكبير الصورة)فقد دأبت شركات التبغ لسنين، وهي مؤسسات أثبتت الطب والمحاكم أنها مضرة بالمجتمع أيما ضرر، على كتابة بعض التحذيرات المخاتلة على علب سجائرها، بينما المدخن أو المدخنة، وكما يعلم الجميع، ليس في مقدورهم مقاومة مطالب أجسامهم في ضرورة الحصول على الحصص المفروضة من النيكوتين السام بعد أن تعودوا عليه وجرى في دمائهم!.
فالشعار في حد ذاته قمة في التلاعب بعقل هؤلاء الضحايا الذين هم في عداد المرضى المدمنين المُخَدّرين الفاقدي الإرادة أصلاً.
وقد اتهمت الحكومة الفيدرالية الأمريكية، حين ولات مناص، هذه الشركات بإخفاء الأدلة على مخاطر التبغ لسنوات على ضحاياها واستهدافها بالدعاية المغرضة والكاذبة للملايين من الشباب عبر القول بأن "السجائر الخفيفة" هي أقل ضرراً من السجائر العادية.
وقد أرغمت هذه الشركات أخيراً، وفقاً للقانون التجاري رقم 4 الصادر سنة 1974 على أن تدفع مبلغ 206 مليار دولار، وهو رقم خيالي بكل المقاييس، على مدى 25 سنة لتغطية الأموال التي أنفقتها 46 ولاية أمريكية في علاج هؤلاء المرضى المدمنين بل رفعت المحاكم هذه المطالب مجدداً في محاكمة جديدة بواشنطن في سبتمبر 2004 إلى سقف 280 بليون دولار وأرغمت الشركات على الاعتراف علناً بضرر كل التدخين حفيفه كثقيله!
فهذه الظاهرة الطارئة على المجتمعات المعاصرة، هي بدون أدنى شك نوع من التأثير الاجتماعي على الفطرة، الذي يمكن أن يتحول إلى موروث يتوارثه الأجيال عن طريق الأمهات الحوامل الذين يمررونه لذريتهن من خلال دمائهن، ومثله حال المخمرات والمخدّرات عامة.!
ويلحق بهذا النوع من التأثير تأثيران آخران:
1) التغيير الفطري على المستوى النفسي
وهذا التغيير لا يمس بالبنية التكوينية الجزيئية الخلوية للإنسان، وإنما يعمل على صعيد الجهاز المركزي الذي يتحكم في شخصية الإنسان ككل، وهو المخ (مناط التكليف الشرعي). وتظهر عوارضه في "السلوك" بالأساس. وهو نوع من التأثير الخبيث يستهدف الملكة العقلية لدى الإنسان، ويستعمل أساليب النفث الخفي لبلوغ أهدافه.
فالشخص المتلقي أو المستقبل لهذا النفث الخارجي يتعرض دون أن يدري إلى بلبلة في الأفكار تجعله لا يستطيع أن يميز ما بين أفكاره الذاتية، والأفكار التي أوحيت له من الخارج.
وهو نوعان:
- الشيطنة الإنسية: كما في السعي للشقاق بين الناس، أو في العمل على التفريق بين المرء وزوجه بالسحر، وهو واقع حق بنص القرآن، أو في غسل الأدمغة بالدعاية الفِكرانية (الإيديولوجية) المعاصرة وغيرها،
- والشيطنة الجنية: بالنفث، والوحي، والوسوسة.
وهذان النوعان من التأثير، وعلى عكس ما يصيب البنية، يمكن دائماً الاحتراس منهما، وذلك بالتزود بالعقيدة السليمة، وبالتوعية الدينية، والسياسية، والاجتماعية الضرورية،....إلخ.، وتوفير المناخ السليم لحرية التعبير عن الذوات.
2) التغيير الفطري بالتكيُّف وبالتَّبْيئَة
وهذا التغيير أساسه اجتماعي ويتم من خلال تنشئة الأطفال منذ الصغر على عادات وأعراف وتقاليد المجتمع الحاضن للطفل، على خلاف الفطرة الطبيعية.
وهي تنشئة فيها ما هو سليم وفيها ما هو جد خطيرة، لأنها تبعد الناس عن موجبات فطرتهم الأصلية وتصادر حريتهم في الاختيار، التي من أجلها وجدوا كجنس.
وقد تجرأت الكثير من الدول الشمولية المعاصرة على اقتراف مثل هذا النوع من الإجرام الخُلقي في حق مواطنيها الغافلين أوالمغفلين، تحت ذرائع شيطانية شتى، إما بدعوى العلم، أو بدعوى التقدم،...إلخ.
ويتوخى المهندسون الاجتماعيون في هذه الحالة الأخيرة تغيير نمطية سلوك الأفراد بغية خلق نمط مخالف. وليست كل هندسة اجتماعية هندسة شيطانية كما أسلفنا، بل فيها ما هو محمود، كما هو الحال مع الهندسة الاجتماعية الإسلامية الخاضعة للنصوص.
لكن، فيها في المقابل ما هو خطير العواقب على ما نشاهد من مظاهره المدمرة في وقتنا الحاضر في الكثير من المجتمعات الأحادية الأبعاد في تصورها للإنسان وأهدافه من الوجود والحياة.
والصور المقابلة، المأخوذة من ملف خاص حول "وسائل الإعلام، الأكاذيب والديمقراطية"1، تظهر أثر التلفاز والإعلام المرئي في صناعة رؤى، وأفكار، ومخيال أفراد المجتمع، وبالتالي تغيير فطرته، نحو أهداف شيطانية بالأساس، من طرف شياطين الإنس الاجتماعيين!
وموقف الإسلام واضح وصريح بخصوص أي مساس بهذه الخاصية المتفردة للإنسان.
ولا شك أن الشخص الذي يرضع هذه الأعراف مرغما في الصغر كسلوكيات، واعتقادات، سيصعب عليه مستقبلاً، بحكم الترويض ثم الألفة، الانفكاك منها بسهولة في الكبر، حال ما نعاين في أنماط: "اليهودي التقليدي الوارث"، أو "النصراني التقليدي الوارث"، و"البوذي التقليدي الوارث"، ومثلهم وعلى شاكلتهم: "السلفي التقليدي الوارث"، و"الشيعي التقليدي الوارث"، و"الإباضي التقليدي الوارث"، أو "الصوفي التقليدي الوارث"،....الخ.، الذين يقلدون جماعاتهم، أو بيئاتهم، أو مجتمعات تنشئتهم، ولا يسائلونها البتة، من باب الأمر الرباني الملزم:
(ولا تقف ما ليس لك به علم)
على غرار ما قص القرآن من نماذجهم، كما في سورة "البقرة، الآية 170.
(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)
أو في قوله تعالى في ذات السورة، الآيتين: 166-167.
(إذ تبرأ الذين اتُبِعوا من الذين اتَّبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ( وقال الذين اتَبَعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا. كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار)
وقد يستغرب القارئ إقحامنا هنا لبعض النماذج المحسوبين على الإسلام!، والذين يظنون، بحسب قناعاتهم الموروثة تلك، أنهم يقعون خارج مثل هذه المحاذير!.
الجواب البسيط هو: أن الكثير من سور القرآن تحدثت عن بني إسرائيل وتجاربهم في الإيمان والكفر واليهود لا يقرءون القرآن بحال وإنما المسلمون ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو آخر الرسل، كما وأن القرآن هو آخر الكتب، ولن يأتي نبي ليعدد لنا تجارب المسلمين التاريخية ما عددها لبني إسرائيل.
وبالتالي، فمحذور الوقوع في ذات المحاذير التي وقع فيها اليهود وارد في حق المسلمين، من باب تكرار التجارب، حذو القدّة بالقدة ولا فرق!
وهذه التنشئة الغبية في الاتباع والمتقردة في التقليد، لا تختلف، لا في الدرجة ولا في النوع، في آثارها المدمرة على مستقبل الأفراد من جهة تدمير عقولهم، ومصادرة حقهم الخِلْقي في الاختيار، عن مثيلاتها الطفيلية أو الفيرسية، بالنسبة لما تحدثه الأخيرة على صعيد المجين.(اضغط هنا لتكبير الصورة)فكلا التغييرين يحولان ما بين المرء وتحقيق شروط وجوده السليم ضمن ما خولت له فطرته الربانية الكونية في "حق الاختيار" وبالتالي، في تحقيق وجوده الأكمل والأمثل، وتحمل تبعات مثل هذا الاختيار.
وبالنسبة لهذا التدمير الفكري والسلوكي المزدوج، فلا شك، أن المسلمين يتحملون في كل جيل جيل، الوزر الأكبر من الإثم في عدم تبليغ رسالة الإسلام الحقيقية لكل البشر، بصفتهم سفراء مبلغين عن رب العالمين. هذا، إن كانوا هم أنفسهم على بينة من أمرهم!، وإلا احتاجوا بدورهم إلى من يجدد الإسلام فيهم.
الهامش:
1Le Monde diplomatique : ‘ Medias, Mensonges et Démocratie’, Manière de voir 14, Février 1992.
(9) تحقيق معنى الفطرة: علم الدراية
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode

ويتوخى المهندسون الاجتماعيون في هذه الحالة الأخيرة تغيير نمطية سلوك الأفراد بغية خلق نمط مخالف. وليست كل هندسة اجتماعية هندسة شيطانية كما أسلفنا، بل فيها ما هو محمود، كما هو الحال مع الهندسة الاجتماعية الإسلامية الخاضعة للنصوص.
وموقف الإسلام واضح وصريح بخصوص أي مساس بهذه الخاصية المتفردة للإنسان. 