25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية

(6) تحقيق معانى الفطرة: الاختلاف في الفطرة

وقد فهم بعض الحفاظ والمفسرين هذا الانصراف لمعنى "الفطرة"، الوارد في الآية:

{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم}

وفي حديث أبي هريرة:

ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه،

كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء.

بمعنى: الجبلة التي جبلوا عليها خِلقة، من خلال الفهم المباشر المتبادر من النصين: النص القرآني، وخبر أبي هريرة المفسر له، حتى بدون وقوفهم على المعرفة الفاصلة في الموضوع التي أصبحت متوفرة لنا في عصرنا وغابت عنهم.

قال الحافظ أبو عمر، ابن عبد البر1 في كتاب: "التمهيد"2:

أما اختلاف العلماء في "الفطرة" المذكورة في هذا الحديث فقالت جماعة من أهل الفقه والنظر: أريد ب"الفطرة" المذكورة في هذا الحديث "الخِلقة" التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه.

فكأنه قال: كل مولود يولد على "خِلقة" يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة.

يريد "خِلقة" مخالفة لـ "خِلقة" البهائم التي لا تصل بـ "خِلقتها" إلى معرفة ذلك.

واحتجوا على أن "الفطرة": الخِلقة، و"الفاطر": الخالق بقول الله عز وجل:

( الحمد لله فاطر السماوات والأرض )

يعني: خالقهن وبقوله:

(ومالي لا أعبد الذي فطرني )

يعني/ خلقني وبقوله:

(الذي فطرهن )

يعني: خلقهن.

قالوا3:

فـ "الفطرة": الخِلقة. و"الفاطر": الخالق. وأنكروا أن يكون المولود يفطر على:

كفر، أو إيمان، أو معرفة، أو إنكار

قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب: خِِلقة، وطَبعاً، وبِنية (وليلاحظ القارئ هذا الاختيار الموفق للألفاظ هنا)، ليس معها:

إيمان ولا كفر، ولا إنكار، ولا معرفة،

ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم  في الحديث:

كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء: (يعني سالمة)، هل تحسون فيها من جدعاء ؟: (يعني مقطوعة الأذن).

فمَثّل قلوب بني آدم ب البهائم، لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد، وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب.

يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم كفر، ولا إيمان، ولا معرفة، ولا إنكار كالبهائم السائمة فلما بلغوا، استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله أقلهم.

قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبداً وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون.

قالوا:

ويستحيل في المعقول أن يكون العربي في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا، لأن الله أخرجهم في حال لايفقهون معها شيئا. قال الله تعالى:

(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا )

فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر، أو إيمان، أو معرفة، أو إنكار.

قال أبو عمر بن عبدالبر:

هذا أصح ما قيل في معنى "الفِطرة" التي يولد الناس عليها". انتهى.

قلت: وهو كما قال رحمه الله.

وأضاف القرطبي4 في تفسيره (14: 28) بعد سرده لكلام الحافظ ابن عبد البر هذا بحذافيره:

"ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى:

(إنما تجزون ما كنتم تعملون )، و (كل نفس بما كسبت رهينة )

ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء وقال تعالى:

(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً )

ولما أجمعوا على دفع: القود، والقصاص، والحدود، والآثام عنهم في دار الدنيا، كانت الآخرة أولى بذلك والله أعلم.

ويستحيل أن تكون "الفطرة" المذكورة: "الإسلام" كما قال ابن شهاب (الزهري)، لأن "الإسلام" و"الإيمان" قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح". انتهى.

قلت:

ويتبين من خلال حجاج ابن عبد البر والقرطبي، أن الأعمش: سليمان بن مهران لم يكن وحده َمن كان يطابق خطأ ما بين "الفطرة التكوينية": "الطّبع الجِبِلّي"، و"التَّطَبُّع المكتسب".

  • فالأولى: جبلية في الإنسان وخِلقية يحملها مجينيه كبرامج طابعة وبصمات دامغة داخلية لا تنفك عنه، بينما
  • الثانية: طارئة عليه ككيان ومتأخرة في الزمن، وتحدث بالتعلم، والتلقين، والمحاكاة والتجارب المعيشية.

والمفهومان بالرغم من تعلقهما معاً بالذات الكليانية الموسومة ب "الإنسان"، إلا أنهما يتجهان، من حيث التأثير، إلى مستويين مختلفين من هذه الكينونة.

  • المستوى المادي: وهو مناط تحقق المفهوم الأول، وهو عالم تحكمه البيولوجيا والكيمياء، والبرامج المعمارية للمورثاث كقوالب جبرية قاهرة، وعلى هذا المستوى تتنزل أغلب الآيات الجبرية القرآنية الخاصة بالإنسان.
  • المستوى العقلي: وهو مناط تحقق المفهوم الثاني، وهو فكري وذهني صرف، وتحكمه الإرادة المركزية المسيرة للإنسان، وعلى هذا المستوى تتنزل كل آيات القرآن التي لها تعلق بالاختيار والمشيئة الذاتية.

فمن غاب عنه ترابط هذين المستويين وتكاملهما في "الإنسان" قرأ آيات القرآن عزين وغلب، بحسب هواه ودون أثرة من علم، بعضها على بعض، تماشياً مع فهمه القاصر. {انظر كيف نزلت كل الفرق الإسلامية مثل هذه التنزيل المبتور في كتابنا: "المهدي اللامنتظر لا عند اليهود ولا عند الشيعة ولا عند السنة ولا عند البرتغال" ص. 60-66}.

فالإنسان إذن، مزدوج البنية خلقة وكينونة. ففيه ما هو جبري قدري قاهر، وفيه ما هو مشيئي واختياري أُنُف. وهذا الأخير لا يتشيأ كفعل وجودي ولا ينفذ في المطلق سوى إذا ما سمحت به المشيئة الكونية الإلهية المتحكمة في برنامج الوجود، وإلا اختل نظام الكون لتعدد هذه المشيئات الفردية وتعارضها مع بعضها البعض، بحسب ما جاء في الآية 29 من سورة الكهف:

وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

لكن في حدود ما أقرت به الآية 29 من سورة "التكوير":

وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين

وقد أورد القرطبي اسم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت: 124 هـ) كأحد من كان يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ويخلط مثل هذا الخلط اعتماداً على نص الخبر:

َأصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الأسْلامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإخْلاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وقد تبين لنا من اللوح 7 أن هذا الخبر يعد من الأفراد لأنه لا يرويه سوى سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي (47 هـ - 121 هـ) ولا تتعدى درجة وثوقية الخبر المعيارية، أو درجة المتابعة الشاهدة المطلقة في النقل حاجز: 18.75 إلى الصحابي عبد الرحمن بن أبزى، ونصفها فقط إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

والقاعدة هي:

لا تبنى العقائد على الأخبار الأفراد والغرائب أو المنفردات والوحدان

وهو حال هذا الخبر بالذات.

ثم إن منطوق الخبر ذاته مبهم، ولا يتبين منه، ما المقصود من: "فطرة الإسلام" هذه!

وهذا لا يعني: أن لا وجود البتة لرابطة بين "الإسلام" و"الفطرة التكوينية "، لكن ليس بالمعنى الذي قرره هذا الفريق.

ذلك أن القرآن يشير من طرف خفي إلى رابطة عضوية ما بين الفطرة التكوينية كوعاء مستقبل وبين الإسلام كمحتوى، كما في سورة "آل عمران"، الآية 19:

(إن الدين عند الله الإسلام)

وفي السورة ذاتها، الآية 85:

(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)

فمادام الدين عند الله، وهو الخالق، والبارئ في آن، إنما انحصر في "الإسلام" وحده، تحديداً وتنصيصاً، فلا مجال للشك في كون البشر خلقوا معدين خِلقة للتعرف على "الإسلام" بفطرتهم الفكرية على المستوى الثاني من كينونتهم، أي بعقلهم السليم الذي لم يُملأ بعد بالعقائد الفاسدة، ويكيف عليها.

وبالتالي، فلا يمكن تفيسر، كون أكثر البشر، هم في الواقع على غير هذه الفطرة السوية الطبيعية، سوى أن عوامل التضليل المبثوثة من طرف شياطين الجن والإنس، وكذلك مؤثرات البيئات ومجتمعات التنشئة عملت عملها المخرب، واجتالتهم وأضلتهم عن تحقيق شروط فطرتهم الكامنة فيهم.

وعمل الداعية الرباني هو العمل على إرجاع الخلق إلى فطرتهم البنيوية هذه، لتحقيق شروط استخلافهم.

ثم، ما دام هناك سعي حثيث وابتغاء، سواء أكان ذلك بإرادة واعية، أو فقط بالتقليد الأعمى البليد، لأن يختار بعض الأفراد لأنفسهم ديناً آخر غير الإسلام، على خلاف استعدادهم الفطري، فمناط الاختيار متحقق فيهم، وبالتالي: فالجزاء الأخروي المترتب عليه عادل في حقهم كل العدل.

الهامش:

1 حافظ المغرب : أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي (368 هـ/978 م - 463 هـ/1071 م).

2 "التمهيد" (18: 68 - 69)، نشر وزارة الأوقاف المغربية، لسنة 1387 هـ.

3 هذا الكلام لابن عبد البر نقله بتمامه أبو عبد الله القرطبي الأندلسي (ت: 671 هـ) في "تفسيره" (14: 27- 28).

4 أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي الأندلسي (ت: 671 هـ).

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق