25
السبت, نيسان
0 مواد جديدة

خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

المبحث الخامس: في تسليط الضوء على المتون الخبرية المنكرة

(4) أثر التلفيق في تكوين ذهنية الحشوي بامتياز :الحافظ ابن حجر العسقلاني نموذجاً

فإن كان هذا النوع من التلفيق التركيبي حصل قديماً، فيوازيه على صعيد التبرير تلفيق آخر قال به الكثير من المحدثين المتأخرين، كما هو دأب الحافظ ابن حجر العسقلاني في أكثر مؤلفاته وغيره، وهاك نموذج من هذا التلفيق التبريري المتأخر.

قال ابن حجر العسقلاني في: "فتح الباري" (10: 337):

وذكر ابن العربي {أبو بكر محمد بن عبد الله (ت: 543 هـ) المعافري القاضي الأندلسي}: أن خصال "الفطرة" تبلغ: ثلاثين خصلة.

- فإذا أراد خصوص ما ورد بلفظ "الفطرة" فليس كذلك!

- وإن أراد أعم من ذلك فلا تنحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيراً!

وأقل ما ورد في خصال "الفطرة" حديث (عبد الله) بن عمر المذكور. قيل!!!: فإنه لم يذكر فيه إلا ثلاثا. وسيأتي في الباب الذي يليه أنه ورد بلفظ "الفطرة" وبلفظ "من الفطرة"

وأخرج (أبو بكر) الإسماعيلي في رواية له بلفظ: "ثلاث من الفطرة" وأخرجه في رواية أخرى بلفظ "من الفطرة" فذكر الثلاث وزاد الختان!

ولمسلم من حديث عائشة "عشر من الفطرة" فذكر "الخمسة" التي في حديث أبي هريرة، إلا "الختان" وزاد: "إعفاء اللحية"، و"السواك"، و"المضمضة"، و"الاستنشاق"، و" غسل البراجم"، و"الاستنجاء": أخرجه من رواية مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير عنها. لكن قال في آخره: إن الراوي نسي العاشرة، إلا أن تكون "المضمضة"!

وقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ "عشرة من السنة" وذكر: "الاستنثار" بدل "الاستنشاق"

وأخرج النسائي من طريق سليمان التيمي قال: سمعت طلق بن حبيب يذكر "عشرة من الفطرة" فذكر مثله، إلا أنه قال وشككت في "المضمضة"

وأخرجه أيضا من طريق أبي بشر، عن طلق، قال "من السنة عشر" فذكر مثله إلا أنه ذكر: "الختان" بدل "غسل البراجم"

ورجح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة.

قلت: ثم لجأ ابن حجر إلى فذلكة " الجمع بين النقائض المنطقية من شاكلة {ب ? - ب}"، الأثيرة لديه، كما لدى غيره من المتأخرين الذين عنوا باختصار المطولات، بدل إعادة التحقيق، لما يتطلبه ذلك من جهد مضن وعناء في الخبر الواحد، كما يتبين لك من مثالنا هذا بالذات فأضاف:

فإن راويها: مصعب بن شيبة وثقة بن معين، والعجلي، وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما.

فحديثه حسن!!! وله شواهد!!! في حديث أبي هريرة وغيره!

فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ!!!

قلت: وقد تبين لك بالملموس، من خلال ما أوقفناك عليه في هذا الباب تهافت مثل هذا الكلام الذي ينقض آخره أوله. وهذا يعني أن الأدلة صارت متكافئة عنده!. ومن هنا، سوف يضطر ابن حجر إلى التسويغ المتهافت البعيد النجعة والحمال الأوجه، الذي لا طائل يرجى من ورائه ليقول:

وقول سليمان التيمي: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرا من الفطرة:

يحتمل!: أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه!، على ظاهر ما فهمه النسائي!

ويحتمل!: أن يريد: أنه سمعه يذكرها! وسنده! فحذف سليمان السند!

قلت: فانظر بالله عليك! إلى أي مدى يمكن أن يذهب التكلف والتلفيق بصاحبه، بدون دليل يقدمه بين يديه! ومع ذلك لا نزال نسمع من بعض البله المغفلين:

"لا فتح بعد الفتح!"

ويعنون بذلك، أنه لن يفتح على أحد بعد كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن حجر، الذي اقتطفنا منه نحن مثل هذه البلاهات! وآفة التقليد البلادة!

ثم أضاف:

وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة من حديث عمار بن ياسر مرفوعاً1 نحو حديث عائشة، قال: من الفطرة: "المضمضة"، و"الاستنشاق:، و"السواك"، و"غسل البراجم"، "الانتضاح".

وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة. ساقه ابن ماجة.

قلت: وانظر ثانية كيف يستأنس ابن حجر بالرواية المنسوبة زوراً إلى عمار بن ياسر، التي مدارها عند كل من رووها، إنما هي من طريق المُضَعّف: علي بن زيد، والواسطة المجهول بينه وبين عمار، ومع ذلك لا يفوت ابن حجر فرصة كهذه للاستشهاد بمثل هذه الواهيات، وكأنها خرجت من مشكاة النبوة ولا فرق.

وأضاف ابن حجر:

وأما أبو داود: فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: وروى نحوه عن بن عباس، وقال: "خمس في الرأس" وذكر منها: "الفرق" ولم يذكر: "إعفاء اللحية".

قلت (ابن حجر): كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريقه بسند صحيح! عن طاوس، عناب، عباس، في قوله تعالى:

{وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}

قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد.

قلت: وخبر ابن عباس هذا يرويه عبد الرزاق موقوفاً على ابن عباس من كلامه بالسند التالي:

(5) عبد الرزاق {الصنعاني وهو ثقة تغير بآخر عمره}، عن (4) معمر {بن راشد وهو ثقة}، عن (3) عبد الله بن طاوس {ين كسيان وهو ثقة} عن (2) أبيه {طاوس بن كيسان وهو ثقة} عن (1) الصحابي عبد الله بن عباس في قوله عز وجل:

{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}

قال (ابن عباس): ابتلاه الله عز وجل بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد:

في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس،

وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء.

قلت: هذا من كلام ابن عباس، ولا يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم إن هذا النوع من السند إلى ابن عباس يعد من الأفراد الغرائب في كل الطبقات، ولا تتعدى بالتالي درجة وثوقيته المعيار إلى ابن عباس حاجز (24/1) = 6.25 %.

ولا عبرة بخبر بمثل هكذا درجة دون متابع قوي إلى ابن عباس.

وأضاف ابن حجر:

قلت (ابن حجر): فذكر مثل حديث عائشة كما في الرواية التي قدمتها عن أبي عوانة سواء، ولم يشك في المضمضة! وذكر أيضا: "الفرق" بدل "إعفاء اللحية".

وأخرجه ابن أبي حاتم (هو عبد الرحمن} من وجه آخر، عن ابن عباس فذكر: "غسل الجمعة" بدل "الاستنجاء" فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث: خمس عشرة خصلة، اقتصر أبو شامة منها في كتاب "السواك"، وما أشبه ذلك على اثني عشر، وزاد النووي واحدة في "شرح مسلم".

وقد رأيت قبل الخوض في شرح الخمس الواردة في الحديث المتفق عليه أن أشير إلى شرح العشر الزائدة عليها 2......

قلت: وبهذا المنهج التلفيقي المتهافت انضافت إلى الخصال الخمسة الثابتة إلى أبي هريرة ستة أضعافها، مع أنه لا يصح منها شيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم! ونخلص من كل هذه المتاهة بنتيجتين:

النتيجة الأولى:

أن هذا المعنى المتحصل، حتى بدون الخوض في تحقيق كل الأخبار الواردة فيه، على محك المنهج الصلب للحديث، على غرار ما قمنا به هنا بالنسبة لمرويات مصعب وغيره، يدخل كل هذه الخصال، غير المتفق عليها ضمن مفهوم "السنة" بمعناها الواسع والفضفاض، كما ورد اللفظ بذلك صريحاً في رواية طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ عند النسائي في كتاب "الزينة"، الخبر رقم 4956 وقد تقدم. وهو ما يعني الندب أو الوجوب!. وهي نتيجة غير سارة في حد ذاتها! لذلك حاول بعضهم التهرب منها ومن تبعاتها، بفذلكات أيضاً، مما لسنا بحاجة إلى استعراض كل ما أثير حولها من لغط لا يقدم ولا يؤخر، مادام النقاش حولها يعتمد في صلبه السفسطة وليس التحقيق!.

النتيجة الثانية:

أن "الفطرة"، بمفهومها القرآني الجبلي، كما فهمها أبو هريرة نفسه في خبر: {يولد الطفل على "الفطرة"} الثابت إليه عدلياً، والذي يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هي مثار أسئلة جديدة ومعاصرة، فتحها التقدم الحاصل في رسم الخريطة المجينية للإنسان بتفصيل، وجعلت بعض الجنوسيين يتخرصون، بأن ما هم عليه من شذوذ جنسي يدخل ضمن جبريات الجبلة التي فطروا عليها بالبرمجة الجينية الوراثية، وليس بالاكتساب من المحيط والمجتمع!. وهو ما نعلم بطلانه بصريح محكم القرآن، في تصريحه بخصوص قوم لوط: أنهم أتوا بفاحشة طارئة لم يسبقهم بها أحد في العالمين: أي مكتسبة للإنسانية منذ 3800 سنة فقط.

ومن هذه الحيثية، فمنطوق خبر مصعب في: "الفطرة"، ومنطوقات كل الأخبار الأخرى التي وردت فيها هذه "اللفظة" على ما حققناه، لا تتنزل على "الفطرة" الوراثية المبرمجة القاهرة في كل الخليقة البشرية، كما يستشف من خبر أبي هريرة، وإنما هي مفاهيم مستحدثة وطارئة، لا يصح منها شيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة:

يظهر جليا من خلال هذا الجرد، أن لا تعلق لـ "الفطرة التكوينية" الجبلية سوى بما ورد في خبر أبي هريرة في: "الولادة على الفطرة". أما باقي المعاني الأخرى، فلا تعلق لها البتة بهذا المعنى الحصري.

(يتابع الموضوع إن شاء الله)

الهامش:

1 وهو عند البيهقي في السنن الكبرى (153/245) أيضاً.

2 فتح الباري (10: 338).

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق