والنتيجة النهائية هي:
أن الخبر منقطع، بدون أدنى جدال، وأن مسلماً – رحمه الله – وهل عن هذا الانقطاع وهو يدرج مثل هذا السند في صحيحه، لأن بين أبي سلام وأبي مالك مفاوز لا تقطعها المطي بحال!
والأتعس من هذا، هو تلفيق وتمحل الشيخ محيي الدين النووي – رحمه الله -، وهو يحاول الدفاع عن هذا الخطأ الذي وقع فيه مسلم، وبينه النقاد، بتلك التخريجات الفجة التي لا نور على منطقها!
والنووي ليس وحده من يتحرج في انتقاد إمام من الأئمة إن زلق في مسألة بعينها، متناسين، قاعدة: أن الكل خطاْء، كما قرر الترمذي نفسه – رحمه الله – كقاعدة عامة في الحفاظ المتقنينن وليس الهواة، في علله من جامعه:
إنما تفاضل اهل العلم بالحفظ والإتقان، ولم يسلم أحد كبيرهم من الخطأوهو تحرج نجد له بعض صدى عند الربيع المدخلي في قوله:
ولو أن رجلاً مخلصًاً أعلمه يستطيع أن يثبت لقاء أبي سلام لأبى مالك لشددت إليه الرحال لآخذ منه هذه الفائدة ولقبلت رأسه.قلت:
لا يوجد من يستطيع أن يفكر في هذا، على ضوء وخلفية التحليل في اللوح 7، فبالحرى أن يثبته!
وهذا ما نسميه في لغة العلوم: الحسم المنهجي.
وأضاف:
وهكذا أقول في الأحاديث القليلة التي رجحت فيها جانب الدارقطني!
أتمنى بفارغ الصبر من يناقشنى فيها ويرد رأيي فيها وسوف أشد الرحال إلى من يقوم بذلك لأشكره ولأقبل رأسه فرحا بهذا العمل الجليل.
وليعلم القاريء أننى كنت إذا رجحت رأي الدارقطني على رأي مسلم فإنما هو من باب القيام بالقسط في نظري وفي حدود علمي مع إحساسي بالمرارة!!! والأسى!!!.
ثم أشمر عن ساعد الجد في البحث عما يقوي ذلك الحديث وينهض به!
لذا تراني في عملي قد ركزت على الشواهد والمتابعات حتى أصل بالحديث إلى درجة تقر بها عيني وعين كل محب للسنة إن وجدت لذلك سبيلاً.
قلت:
عافى الله الشيخ، وكافأه بقدر نيته وقصده، إلا أنه لا يفوتني أن أذكره، بأنه لن ينال مناله بالشواهد والمتابعات، على ما دأب عليه المتأخرون، بعد أن أعيتهم الحيل في الحصول على الصحيح، على غرار الحية التي تلف لتمسك بذنبها، بما يشبه الدور، أو تربيع الدوائر!
وهي شنشنة درج عليها المتأخرون ما بعد البخاري رحمه الله، بعد أن جفف عنهم البخاري منابع ما هو موجود من الأخبار على شرطه الصلب في الرجال واللقاء، بإيداعها في كتابه احتجاجاً لأبوابه، بسبب السبق التاريخي، ولم يترك منها لمن يأتون بعده سوى ما زهد فيه هو نفسه، مادام قد أحوجته الكثير من أبواب جامعه الصحيح إلى هذا النوع من الصحيح على شرطه، فلم يعثر له على أثر!
ولم يجد البخاري رحمه الله، وهو من هو في الحفظ واإتقان والإحاطة، بداً من الاستشهاد مرغماً، لبعض أبواب كتابه، {الكتاب الذي صممه قصداً على أبواب الفقه متأسياً في ذلك بخطاطة الإمام مالك (ت: 179 هـ) في "الموطأ"، وليس توخياً للصحيح المجرد فحسب} بما هو دون شرطه، أو فقط بآية قرآنية، أو ترك ترجمة الباب بياضاً وقاعاً صفصفاً!، لتكون مجال تخرص لمن جاءوا بعده من تلامذته، بحسب اجتهاداتهم وما ظهر لهم من بقايا قصاصاته التي توفي دون أن يقضي في أمرها بشيء (أنظر: "الهندسة الحديثية"، وأبا الوليد الباجي في مقدمة: "التجريح والتعديل").
وهذا ما جعل المتأخرين يجدون ويكدون في تتبع الأخبار الضعيفة، التي زهد فيها رحمه الله، لتنقلب على أيديهم بقدرة قادر، بشروطهم الذاتانية الهشة، على مقاس ما بأيديهم من بضاعة إلى "صحيح!"، حال ما نجد في صحاح!: ابن خزيمة، وابن حبان، أو "مستدرك" الحاكم النيسابوري، أو ما هو حاصل في سلسلة الشيخ الألباني المعاصر التي ينعتها ب "السلسلة الصحيحة!"، بينما هي معين وركاز الضعيف بامتياز!، على ما انتقدناه عليه - رحمه الله - ومعاصريه في كتابنا: "كيف يرد الخطأ على المحدثين المعاصرين الكبار، رواية ودراية لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ الألباني نموذجاً"
قلت:
وهذا المنحدر الخطير على درب الهشاشة الخبرية، الحائد عن جادة صلابة شرط البخاري رحمه الله، هو ما تجده في خبرنا هذا في (الطريق رقم (I) الذي يعترض به ابو عبد الله الحاكم النيسابوري في "المستدرك على الصحيحين" (3: 159/ 4707) على الشيخين بقوله: على شرط الشيخين ولم يخرجاه!
وقد تبين لك، من خلال ما أوقفناك عليه من حيثياته، أنه ليس على شرط أيّ منهما بإطلاق!
فالتقوية للحديث بعد اليوم، يا سيد ربيع، في عرف معيارنا الرياضياتي، إنما تكون بأن يروي ذات الخبر صحابة آخرون، فتتعاضد أوتاد سندهم مع بعضها البعض، لحمل خيمة هذا الخبر بالمفاهيم الاصطلاحية القديمة، التي نترجمها نحن بلغتنا الاحتمالية الرياضياتية الموضوعية الجديدة، بأن نجمع درجة احتمال وثوقية كل سند إلى الرسول (، مع بعضها البعض على ما فصلنا في مفهوم: "التكافؤ المعياري" في كتابنا: "الهندسة الحديثية".
فالصحة في نفس الأمر، لم تعد تخضع لهوى أو لذاتانية المحدث، بل هي نسبة احتمالية في وثوقية النقل يجب أن تتجاوز حاجز 50 % إلى الرسول ( لنجزم ونقر بأنه صلى الله عليه وسلم نطق فعلاً بها.
في الاحتمال الثاني:
وعوداً على ما كنا فيه بخصوص خبر زكريا بن أبي زائدة، نقول بأن هناك احتمال آخر في مثل هذه البنية الهشة من الأخبار الأفراد الغرائب، وهو أن يكون:
زكريا بن أبي زائدة اختلق الخبر وفبركه بالأصالة عن نفسه، مادام لا يشاركه أحد في روايته عن مصعب، أو عمن فوقه!.
- - فلعائشة أم المؤمنين، زهاء ثلاثمائة (299) راو عنها في الكتب التسعة لوحدها. فكيف يتفرد عنها بخبر سياسي وعقائدي كهذا من طرف راو واحد، دون أن يتسامع به باقي الأمصار ولأربعة أجيال متتابعة!؟
- - ثم، الخبر ذاته ذو بنية سندية نخضرمة، بدايته مدنية، ونهايته كوفية إلى طبقة زكريا، ومع ذلك لم يروه أحد قط من أهل المدينة، أو من باقي الأمصار الإسلامية الأخرى عن عائشة أو عن صفية بنت شيبة!؟
وهل يستغرب هذا من مدلس!؟.
فهذا فرض عمل، لن نعمل على التحقق منه هنا، على غرار ما فصلنا من منهج في تعاملنا مع أخبار إبراهيم التيمي في كتابنا: "الأجوبة المونتريالية".
فكل هذه الاحتمالات، التي لا يمكن القطع في إحداها بشئ، إنما نشأت بسبب هذا التفرد الغريب في كل الطبقات، الذي يمنع من تعاضد أو تقاطع الشهادات لمقارنتها مع بعضها البعض.
أضف إلى كل هذه الآفات، أن بنية سند هذا الخبر، ما كانت لتسمح له بعبور قنطرة الصحة بسلام، حتى لو كان قد سلم من كل هذه الخوارم، وهذه الثلم، وهذه المآخذ القاتلة!
ذلك أن درجة وثوقيته المعيار لا تتجاوز الدرجة الأولى من السلم الرياضياتي المعيار، أي وثوقية نقلية إلى عائشة أم المؤمنين لا تتجاوز حاجز = 12.5 %، أو 6.25 % إلى الرسول)
فهذه الدرجة لا تحقق سوى الحد الأدنى الضروري من شروط الصحة الاصطلاحية في تعريف "الصحيح الاصطلاحي"، وليس "الصحيح في نفس الأمر"، على ما فصلنا في كتابنا أعلاه.
وهي الدرجة الدنيا في السلم، ولا تضمن لنا أي يقين للجزم بأن الرسول نطق فعلاً بمثل هذا النوع من الأخبار، بمثل هذه البنية المتفردة في كل الطبقات.
ومرد هذا، يعود بالأساس إلى الأوهام التي يمكن أن تعرض للثقاة أنفسهم، كما تقرر كقاعدة عامة مسلم بها في هذا الحقل الصلب.
ولعل خير ما يمثل هذا النوع من البنى الخبرية الهشة، من جهة الصلابة اليقينية: "الصحيفة" المنسوبة (2) لهمام بن منبه اليماني (ت: 132هـ)، التي يرويها عن (1) أبي هريرة (ت: 67 هـ)، ويرويها عن همام (3) معمر بن راشد البصري ثم اليماني (ت: 153 هـ)، ويرويها عن الأخير (4) عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت: 211 هـ).
فكل الرواة في هذا السند ثقات سمع بعضهم من بعض، عدا في بعض حيثيات هذا النوع من السماع6، وإنما جاء الوهن من التفرد المطلق بالرواية في كل الطبقات. لذلك احتيج إلى مقارنة ما ورد بهذه الصحيفة مع ما سمعه آخرون من أبي هريرة.
وهذه الصحيفة تحتوي على 138 حديثاً، وقد حقق أحاديثها السيد محمد حميد الله (HamiduAllah)، ونشرها "المجمع العلمي العربي بدمشق"، تحت عنوان: "أقدم تدوين في الإسلام: صحيفة همام بن منبه"، طبعة أولى: 1372 هـ/1953 م، وترجمها إلى الفرنسية حسين توشبور (Hussein, G., Tochport).
وقد الحقها الحافظ عبد الرزاق الصنعاني تحت عنوان: "الجامع لمعمر بن راشد" بكتابه "المصنف" المطبوع. وهي تبتدئ من ص. 379 من المجلد العاشر إلى نهاية المجلد الحادي عشر. وعددها ناقص في هذه الطبعة، وهي موجودة بتمامها في "المسند" للإمام أحمد بن حنبل (2: 312 – 319) من الطبعة التجارية.
قلت:
ولا تبنى العقائد بحال على مثل هذه الدرجة من الاحتمال!
والخلاصة إذن هي: أن لا علاقة مطلقاً، لا من قريب ولا من بعيد، لأم المؤمنين عائشة بمثل هذه الخرافة المفبركة، كي تبني يا سيد المغيرة فوق رمال سبختها المتحركة تخريجات وتلفيقات لا يسندها دليل!.
ولو كان للمزك الاستهجاني لأم المؤمنين عائشة، المبني على شفا جرف، كما أفصحت عنه هنا بدون أدنى مواربة، أن نحمله على محمل حسن غير المحمل الذي قصدت وعنيت!، لتوجب عليك أن تجيبنا قبلاً عن السبب الذي جعل كل الرواة اللاحقين، ما بعد عائشة، هذا لو كانت قد نبست وتفوهت بالخبر أصلاً!، يُسِرون هم أيضاً بهذا الخبر إلى راو محظوظ! ومخصوص في كل جيل، لينتهوا به، وبعد قرابة التسعة عقود بالتمام، إلى زكريا بن أبي زائدة (ت: 147 هـ) وحده، دون علم أي أحد من باقي المسلمين ولأربعة أجيال متتالية!.
وما دام منطلق تفكير السيد المغيرة تآمري بالأساس بخصوص الوقائع التاريخية، بحسب معهود الموروث الطائفي والحزبي الذي لا يواري عنه هنا، فيتوجب عليه من أجل التساوق المنطقي مع نفسه، أن يفسر لنا تباعاً، سبب استمرار هذه المؤامرة التي لا توجد سوى في مخه، في الراويين التاليين: (2) صفية بنت شيبة و(3) مصعب نفسه! المتفردين كلاهما برواية الخبر بمثل هذه الإسرارية المزعومة.
هذا إن كانا نطقا بالخبر فعلاً!، وهو ما شككنا فيه لتعذر التحقق من ذلك من خلال المعطيات المتوفرة لدينا!
ثم بعد: أيعد مثل هذا الخبر في نظرك يا سيد المغيرة وبمثل هذه الهشاشة التي تطوقه من كل جانب من:
أفضل فضائل آل البيت !!!7
قلت: وأضاف المغيرة:
كما أن هنالك شيء أحب أن ألفت الانتباه إليه وهو:
أن صفية بنت شيبة لم تكن الشخص الوحيد الذي سمع حديث الكساء من السيدة عائشة!
بل أن هنالك شخص آخر، وهو: ابن عم العوام بن حوشب، حيث روى ابن كثير النص التالي في تفسيره:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام - يعني ابن حوشب (، عن ابن عم له!، قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن علي (، فقالت رضي الله عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه!. لقد رأيت رسول الله دعا علياً، وفاطمة، وحسن،ا وحسينا رضي الله عنهم، فألقى عليهم ثوبا فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
قالت فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك!؟
فقال (: تنحي فإنك على خير!!!
قلت:
والخبر مخرج في اللوح 6 {الطريق رقم (II)وهو ضعيف بالانقطاع للجهالة بابن عم العوام هذا من يكون !؟.
وختاماً، أظن بأن لا حاجة بي لتتبع ما تبقى من تخريجات السيد المغيرة، وقد فصلنا القول في الخبر، بما فيه كفاية وغنية.
لكن يبقى ان أنبهه، أن إخراج الإمام مسلم للخبر في صحيحه، لم يمنعنا من انتقاده عليه بالدليل والبرهان القاطعين وإثباتنا لتهافت الخبر من أوجه واعتبارات شتى، فما بالك أن يرد خبر في مسند الإمام احمد وفيه ما هو له، وما هو لابنه عبد الله، وما هو للقطيعي بعد أن غرقت كتبه!، وهو ليس مخصص للصحيح أصلاً!
وهذه شنشنة دأب الدندنة عليها السيد المرتضى العسكري أيضاً، مموهاً على الأميين والأغرار الجاهلين بأسس المذهب في هذا المجال، كما هو دأبه في كتابه "معالم المدرستين"، الذي حاول فيه أن يقيم مقارنة ما بين علم الحديث لدى "السنة"، ونظيره الغير موجود لدى الجعفرية سوى اسماً على علم، ومن دون محتوى، للظروف التاريخية التي أحاطت بالمذهب كتيار سياسي معارض.
وقد مر بنا تضعيف شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي للمنظومة الحديثية الجعفرية كلها كما تقدم.
فأين هذا من ذا، وها قد قدمنا لك من الأمثلة ما لن يحلم أي إخباري جعفري بأن يطبق معشار معشاريه على منظومته!؟
قلت:
وهذه المدرسة التلفيقية المنافحاتية قديمة قدم التيار الشيعي نفسه، وقد فصلنا بواعثها السياسية والتاريخية والنفسية، مع لمحة تفصيلية عن أشهر رموزها التاريخيين في كتابنا "الأصولية الجعفرية والاجتهاد المؤطر بالأسطورة"، الذي يجب ألا يخلو منه بيت مسلم او مكتبة أي داعية معاصر بحال.
فهذا الكتاب يتلقف أكثر دعاوى الجعفرية وينسفها من أساسها نسفاً، من داخل المرجعية الجعفرية واصولها وليس من خارج، عسى ان يرعوي بعض المحسوبين على هذا التيار المتشرنق الذي يدعي الاجتهاد في التقليد!، وينهض من بينه من ينفض عنه غبار هذا الموروث المتكلس بالاجتهاد الحق، بدل التنابز به زوراً وبهتاناً من طرف معممين كهوفيين خارج عصرهم، لا هم في العير، ولا هم في النفير.
وقد مثل هذا التيار في القرن التاسع عشر والعشرين الحوزتي النجفي السيد عبد الحسين شرف الدين العراقي (1290 هـ/1872 م – 1377 هـ/1957 م) صاحب كتاب: "المراجعات" الذي لفق فيه حواراً، زعم أنه دار بينه وبين شيخ الأزهر سليم البشري المالكي المصري (1248 هـ/1832 م – 1335 هـ/1916 م)، خلال الفترة الممتدة ما بين 1329 هـ - 1333 هـ، في مائة واثني عشر حلقة (112)!شرف الدين الموسويوالذي أعرف، ويجهله شرف الدين، هو أنه لا هو، ولا البشري ولا الأزهر، ولا الحوزة، بأصحاب باع للخوض في الحديث، والاحتجاج بنصوصه، وهم من اجهل خلق الله بمناهجه، كل من منطلقه الخاص!
والكتاب يبني كل أطروحاته، على جذاذات من الأخبار، لا يعرف المتحاوران، حتى لو سلمنا بحصول حوار، ما يقدمون فيها وما يؤخرون بحكم تكوينهما، كي يستطيع أي منهما أن يحتج لمنطلقه بدلي، فبالحرى ان يقنع أي منهما الآخر بشيء!
وقد صدر الكتاب في عدة طبعات، تمتاز كل طبعة لاحقة عن سابقاتها، أنها تخلو جملة من عدة دعاوى سابقة تنبه لها بعض السنة وبينوا تهافتها أو عوارها!.سليم البشريوهو تلفيق أصيل في المذهب أيضاً، يخضع لقاعدة:
كلام النهار يمحوه دائماً كلام الليل!
ثم، ألم يتجرأ أساطين المذهب على الله تعالى وقالوا فيه بـ "البداء"!؟
وقد كنت تمنيت في بعض كتبي على بعض القراء، أن ينبري أحدهم، من ذوي الاختصاص في علوم الاجتماع، أو الإناسة، أو علم النفس السريري، لتحليل هذا النوع من الذهنيات في اللامعقول الديني، وذلك بتتبع هذه الطبعات المختلفة وبأن يعمل جرداً مستفيضاً بكل المراجعات الفعلية لنصوصه، ويتتبع سبب نكوص القيمين على إعادة طبعه، عن كل ما ظنوه لصالح منتحلهم، في فترة من الفترات، إلا ليتخلوا عنه مجبرين لاحقاً، لعل مثل هذا البحث يوقف القيمين على طبع مثل هذا الهوس عن عبثهم!
وقد ظهرت أول طبعة لهذا الكتاب سنة 1355 هـ/1916، سنة وفاة شيخ الأزهر!. وقديماً قالوا:
الأموات لا تتحدث!
والكتاب مصدر برسائل تنويه للمؤلف من طرف بعض أساطين المذهب المعاصرين له، كشهادة الذئب على ذيله!، كما يقول المثل الدارج المغربي!، وهاك نمط منها:
قال آية الله الخوئي النجفي منوهاً للمؤلِّف بالكتاب في أول طبعته سنة 1355 هـ {(ص. 27)، طبعة دار البيان العربي لسنة 1410 هـ/1989 من الكويت}:
...فكيف بما تفضلتم به عليّ من تشريفي! بهذا الكتاب "المراجعات"، الذي لا يأتيه الباطل من بين يجيه ولا من خلفه!!!
قلت:
فهذا الكتاب في عرف السيد الخوئي، وهو مرجع من مراجع التقليد لدى الجعفرية، الذي يقلدونه دينهم ومصيرهم الأخروي، يضاهي كتاب الله نفسه: "القرآن" في عرفه!
وهل يعد هذا غريباً من اخبارية أطبقوا على أن كتاب الله محرف!! أنظر: "الأصولية الجعفرية والاجتهاد المؤطر بالأسطورة"
وعلى منواله كتب المرجع الديني الآخر: الشيخ مرتضى آل ياسين يقول، دون أن يرمش له جفن!:
....نعم، هذا كتابك العظيم!
(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
ها هو ذا بين يدي، أو ها أنا ذا بين يديه أغرق في مراجعاته، أو أتقلب بين مراجعاته، ثم ارفع رأسي عنه مرتفع الرأس!! فخراً ممتلئ النفس اغتباطاً!، والثغر ابتساماً!، والروح خفة!، والعقل!!!!!! اندهاشاً!، فسبحان من أوحى لعبده ما أوحى!!!، وتبارك من أعطى حبيبه!!!! وابن حبيبه ما أعطى....
فلا والله ما لهذا اللسان العاجز القصير! المتواضع المعترف بالقصور قبل التقصير أن يتطاول فيضع أو يصنع او يرفع كلمة ثناء في هذا المؤلف العظيم!!، أو كلمة شكر لهذا المؤلف الأعظم ولكنها النفس تجيش باغتبادها وفرحها ومرها في هذا الربح! العالمي الكبير الذي حصلت عليه الطائفة بهذا الكتاب المقدس!!!...
وقد عاش السيد الخوئي والسيد المظفر دهراً بعد ذلك، وليعاينا معاً عن كثب تسرب الماء إلى مركب معتقدهما هذا المبني على شفا جرف هار!، ولتثبت طبعات الكتاب اللاحقة المبتورة من نصوصها الأقدم أنه، وبئس المقارنة بينه وبين كتاب الله، باطل في باطل ومن كل جوانبه!
ومع ذلك لم يتنبه المغفلون الساهرون على إعادة طبع الكتاب، أنهم بإثباتهم لرسالتي الخوئي والمظفر هاتين، أنهم إنما ينقضون دعواهما بأبلغ بيان!!
قلت:
و كتب إليه آية أخرى!، وهو الشيخ محمد حسن مظفر النجفي يقول (ص. 28):
...وهل ابقيت بعده (أي الكتاب) لذي رأي حجة!، أو منحت له مجالاً للدفاع! فلله درك من علم يستضاء بنوره!!، ويهتدى!! بضيائه!!، ولله أنت من قلم سار في لامهجة الحق! واضح الحجة! لا يعرف السأم والكلل، ولا يعتري حده الكهام والفلل، فأبقاك الله للقول والعمل، وكثّّر في هذه الفرقة المحقة!!!! من أمثالك!!. فما أحوجها اليوم إلى العلماء العاملين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يعتريهم السأم...
وعلى دربه سار من لقبوه بالحجة! السيد محمد مهدي الصدر فكتب يقول (ص. 37):
...أخذت بكف الاحترام كتابكم العظيم! وسفركم الجليل فوجدته من أجل الكتب! واعظم الأسفار!.
فلو نسب إلى السيد المرتضى لكان من خير كتبه وايم الله. ولو رآه لقال: هذا هو "الشافي"، بل لو رآه الكليني لقال: هذا هو "الكافي"، أو الفيض لقال: هذا "الوافي"، لم تترك فيه مقالاً لقائل!، ولا صولة لقائل فأضحت كلمة الحق!!!! هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وقدمت إلى ما عملوا من عمل (يعني بهم السنة) فجعلته هباءاً منتوراً.
وكيف لا تكون كذلك وأنت من سادات أهل البيت!! الذين كشف لهم الغطاء!!! وورثوا علوم جدهم سيد الأنبياء!!!، فأنت أدرى بما في البيت!!! لأنك من أهله ووارث علمه وثقله!!!
قلت:
هكذا تشتغل إذن عقول المراجع، فهل يبقى من أمل في أن يهتدي المقلدة الذين يقلدون دينهم مثل هذه الديناصورات!!
ولهذا التيار المراجعتي استمرارية معاصرة، بذات الآليات الكهوفية، كما في كتابات المنتسبين إلى "مركز الغدير للدراسات الإسلامية اللبناني" عامة وكتابات السيد صائب عبد الحميد، كما في كتابه الأخير: "تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي"، الذي لا يخرج عن القوالب القديمة بتمويه يافطي ليس له من العصرنة سوى العنوان!
وانظر كذلك انتقادنا للمتفلسف الجعفري السيد محمد حسين الطبطبائي في كتابنا: "الانقلابات البولصية في الإسلام" ص. 8 – 19، بخصوص ما ورد في كتابه: "القرآن في الإسلام"، ترجمة السيد احمد الحسيني، مطبعة سيهر طهران طبعة 1404 هـ، حيث ذهب يحمل أل البيت الوارد ذكرهم في الآية 32 من سورة الأحزاب:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)
على: علي وفاطة رضي الله عنهما وذريتهما دون أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم بتمحل وتعسف ظاهرين.
مسك الختام
وإلى هنا، أرجو أخي السائل أن أكون قد وفقت إلى الإجابة على أكثر استفساراتك، بما يرفع عنك غشاوة الحيرة التي أوقعك فيها المتحاوران، وأن تكون الإجابة قد لبت بعض أو جل تطلعاتك، بما يزيدك تعلقاً وتشبثاً بالسنة، والعقلنة، والدليل المبرهن عليه في كل أمور الاعتقاد.
لكن يبقى جانب آخر، وإن لم يعرض له محاوراك، إلا أنه قد شغب حوله آخرون، مما قد يثيره أحدهم يوماً أماماك إما تعالماً بالوهم الكاذب حال المغيرة هنا، أو من باب التنطع المحض ضد الإسلام، فأحببنا أن نستبقهم جميعاً، وأن نطعمك بالمصل الواقي ضد افتراءاتهم جميعاً، بذات المنهجية الصلبة.
وهو مبحثنا الخامس التالي، المتعلق بنقد المتون الخبرية المنكرة الواردة في الأخبار المنسوبة لمصعب، التي استعرضناها من قبل وعلّمنا على نكارة متون بعضها.
الهامش:
1 الترقيم من عندي، لحصر وتتبع الروايات المناكير عند مصعب، بحسب النقاد.
2 أنظر : مهدي رجائي: "رسائل الشريف المرتضى" (2: 18)، منشورات دار القرآن الكريم، ضبعة سنة 1405 هـ، قم، إيران.
3 أنظر: "التبيين لأسماء المدلسين" لسبط بن العجمي، ص. 24، الترجمة رقم 20، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ط. أولى: 1406 هـ/1986 م،
و"تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" لابن حجر العسقلاني، ص. 62/ ترجمة رقم: 47، ط. أولى: 1405 هـ/ 1985 م، دار الكتب العلمية، بيروت. و"تهذيب التهذيب" (3: 284/ 616 – 617)، دار الفكر، طبعة أولى: 1404 هـ/1984 م.
4 منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح ودحض شبهات حوله، طبعة اولى: 1409 هـ/1989 م.
5 القمة في التلفيقية والتمحل البيعيد والجمع بين المتناقضات!. كل نقط الاستفهام المدرجة في هذا النص أو في غيره من النصوص من عندي، ولا توجد في النص الأصلي.
6 قال الميموني: سمعت احمد بن حنبل يقول في "صحيفة همام": {أدركه معمر أيام السودان، فقرأ عليه همام حتى إذا ملّ، اخذ معمر معمر فقرا عليه الباقي، وعبد الرزاق لم يكن يعرف ما قرئ عليه (يعني همام)، مما قرأ هو}.
7 للتذكير فالعمرانيون المغاربة ينحدرون من آل البيت، ويقيني أن آل البيت في غنى عن خرافات مكذوبة ومسلية كهذه تضيف فضائل وهمية إلى جعبتهم!.
النتيجة النهائية
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode

