يوم اجتمعت كل الخبرة البشرية في الفلك في مراغة قبل تسليم التركة إلى أوروبا الناهضة
ظل الاعتناء بعلم الفلك قوياُ وأثيراً لدى الحكام، لظنهم بجدوى شقه التنجيمي في التوقع بالأحداث الأرضية، حال سابق عهده في الحضارات الغابرة التي توالت على المنطقة ومنذ عهد السومريين، حتى أن هولاكو، زعيم المغول ومدمر بغداد، سيأمر بدوره ببناء مرصد كبير في "مراغة" سنة 685 هـ/1259 م (الصورة).
وسيكون لهذا المرصد دور كبير في تحسين الرصودات والجداول، سيعتمدها الأوروبيون لاحقاً ليبنوا على منوالها مراصدهم.
وسيلتحق للخدمة بهذا المرصد الذي أوكل هولاكو إدارته إلى نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي (ت: 672هـ،/ 1274م) الكثير من المبرزين في الفلك من أمثال:

وقطب الدين محمد بن ضياء الدين مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي (634-710هـ / 1236 -1310م)،
وأبي الفتح محيي الدين يحيى بن محمد بن أبي الشكر القرطبي الأندلسي المغربي (عاش في القرن السابع والثامن الهجريين)،
ومؤيد الدين بن بريك العامري العُرضي (664 هـ/1264 م) المشرف على أجهزة الرصد،
وأبي الحسن كمال الدين الفارسي (ت: 720 هـ/1320 م)،
وغيرهم.
وسيمول الطوسي هذا المرصد من إيرادات أوقاف المماليك التي استولى عليها هولاكو الذي كان قد أوكل له أمر إدارتها، إلا أنه، وكغيره من المراصد التي شيدت في ديار الإسلام، فلن يكتب له أن يُعَمَّر طويلاً بعد ذهاب المؤسس. ذلك أن مثل هذه المرافق، كانت تندرج ضمن المآثر الشخصية لأصحابها وترتبط بأسمائهم. وحيث أن كل حاكم كان يطمح دوما إلى تخليد ذكراه بمثل هذه الأعمال، فكان كل لاحق يأنف من أن يستمر في تمويل صروح من سبقه، حتى وإن ارتبطت بأقرب المقربين إليه.
ولن يتخلف مرصد هولاكو عن الامتثال لمثل هذه القاعدة الذّهبية الخالدة لوحدها!، بالرغم من استمراره في العمل لفترة أطول، مقارنة مع باقي المراصد التي شيدت في العالم الإسلامي.
وسيتوقف بدوره حوالي سنة 715 هـ/ 1315 م، مع أصيل الدين، أحد أبناء الطوسي الذي كان آخر مدير له.
وقد ألف الطوسي {الذي زوده صديقه هولاكو بمكتبة تحتوي على أزيد من 400.000 مؤلف كان قد انتهبها من المدن التي مر عليها إعصار جحافله} الكثير من الكتب التي تشهد لعلو كعبه في هذا الحقل نذكر منها على سبيل المثال : "ظاهرات الفلك"؛ و"زيج الشاهي"؛ و" زبدة الإدراك في هيئة الأفلاك"؛ والتذكرة في علم الهيئة"، و" جرمي الشمس والقمر"؛ و"التسهيل في النجوم." و"الزيج الإلخاني" الذي سيلقى قبولاً لدى الفلكيين من بعده، و"حركات الكواكب":، و"الروزنامات"، و"الممارسة التنجيمية"، و"الأحداث التاريخية الصينية، واليونانية، والعربية والفارسية".
ويستشف من عنوان الكتاب الأخير أن حقبة الطوسي جمعت كل الخبرة الفلكية العالمية المعروفة آنذاك، حيث كان الفلكيون المسلمون الأول بالعراق العربي والعجمي قد تعرفوا على الفلك الهندي أيام العباسيين، وورثوا عن أسلافهم فلك البابليين والفرس والإغريق.
ظل الاعتناء بعلم الفلك قوياُ وأثيراً لدى الحكام، لظنهم بجدوى شقه التنجيمي في التوقع بالأحداث الأرضية، حال سابق عهده في الحضارات الغابرة التي توالت على المنطقة ومنذ عهد السومريين، حتى أن هولاكو، زعيم المغول ومدمر بغداد، سيأمر بدوره ببناء مرصد كبير في "مراغة" سنة 685 هـ/1259 م (الصورة). 