ويرجع الفضل في ترجمة علوم الأقدمين، ومن ضمنها علم النجوم إلى فترة حكم دولة بني العباس الناشئة.
وتبدأ حقبة الاهتمام بعلم الفلك في العصر العباسي بأبي جعفر المنصور (ت: 158 هـ) فهو الذي طلب نقل "السيدهانتا" (Sidhanta) وهو عمل سنسكريتي عرض علية عام 156 هـ ، بعد أن قدم به رجل من الهند فترجمَ إلى العربيِة أولاً مِن قِبل أبي إسحاق إبراهيم بن حبيب الفزاري (ت: 154هـ/ 771م) وسماه: " كتاب السند هند الكبير" وستعاد ترجمته لاحقاً من طرف أبي موسى الخوارزمي.
وترجمت في عهد المنصور الأزياج الفارسية وبعض أعمال الفلك والهيئة اليونانيين. وحظي كتاب "الماجسطي" لبطليموس بعدة ترجمات عربيةِ منقحة، لعل أحسنها ترجمة حجاج بن مطر سنتي (212 هـ/827 م) وأخرى أنجزها حنين بن إسحاق العبادي (194 هـ/810 م ـ - 260 هـ/873 م) وراجعها ثابت بن قرة (221 هـ/854 م - 288 م/900 م).
وسيبقى "السندهند" معتمدا في النجوم إلى أيام المأمون العباسي حفيد المنصور، وكان المنصور قد أحاط نفسه بجمهرة من المهندسين والفلكيين مثل: إبراهيم الفرازي وابنه علي، وماشاء الله، وعلي بن عيسى الاسطرلابي، وغيرهم.
وقد شجع اهتمام الخليفة المنصور بعلم الفلك، المنجمين على نقل أمهات كتب الحقل المعروفة آنذاك إلى العربية فنقل البطريق أبو يحي بن البطريق كتاب (المقالات الأربع) لبطليموس في صناعة أحكام النجوم، التي سيفسرها أبو حفص عمر حفص بن الفرّخان كما نقلت كتب أخرى أرسلها ملك الروم إلى المنصور بناء على طلبه.
وعلى خطى المنصور سيسير ابنه:
أ) هارون الرشيد (ت: 193 هـ)، الذي سيولي إدارة خزانة الحكمة إلى أبي سهل الفضل بن نوبحت. وهو فارسي وعائلته مشهورة بتعاطي العلم. وله عدة نقول من لغته الأصلية إلى العربية. ثم حفيد المنصور:
ب) عبد الله المأمون (170 هـ/786 م – 218 هـ/833 م)،
ت) فالمعتصم: محمد بن هارون (ت: 227 هـ/ 841 م) ثم
ث) المتوكل: جعفر بن محمد (ت: 247 هـ/861 م).
وسيبلغ الاهتمام بعلم النجوم ذروته مع خلافة المأمون الذي ابتنى أول مرصدين في ديار الإسلام وهما: مرصد "الشماسية" ببغداد ومرصد في جبل "قاسيون" قرب دمشق وزودهما بما يحتاجان إليه من آلات وأجهزة الرصد.
وسيشتغل في هذين المرصدين ثلة من مشاهير المهندسين والفلكيين المؤلفين أمثال:
المهندس أبي الطيب سند بن علي (ت 218 هـ/833 م)، صاحب كتب: "المنفصلات والمتوسطات"، و" الحساب الهندي"، و"الجبر والمقابلة"، و"القواطع"، و"الجمع والتفريق".
وحبش بن عبد الله الحاسب مؤلف كتب: "الزيج الدمشقي"، و"الزيج المأموني"، و "الأبعاد والأجرام"، و"عمل الإسطرلاب" وغيرها،
ويحيى بن أبي منصور مؤلف كتاب: "الزيج الممتحن" وغيره،
والمهندس العباس بن سعيد الجوهري،
ومحمد بن موسى الخوارزمي (ت: بعد 232 هـ/847 م مؤلف "الزيجين: الأول والثاني". وهما اختصار لكتاب السند هند" وعول فيه على أوساط السندهند وخالفة في التعاديل والميل، فجعل تعاديلة على مذهب الفرس، وميل الشمس فيه على مذهب بطليموس، واخترع فيه نوع من انواع التقريب واشتهرا تحت اسم" "السندهتد" أصله الذي نقب منه، و"كتاب عمل الإسطرلاب، و"كتاب العمل بالإسطرلاب"،
الماجسطيوأبو العباس أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني (ت: 240 هـ/861 م) مؤلف كتاب: "الفصول اختيار المجسطي"،
وخالد بن عبد الله المروزي،
وعلي بن عيسى،
وعلي بن البحتري،... .....وغيرهم.
وقد اقتصر المشروع المأموني في بدايته على إعادة قياس درجة من خط الهاجرة للتأكد من أبعاد الأرض، ثم إعادة رصد إحداثيات النجوم المرئية، باعتماد هذه الأبعاد الدقيقة، من أجل التأكد مما أورد كلوديوس بطليموس بخصوص مواقع النجوم في كتابه "المجسطي".
وقد ذكر الفلكي أبو الحسن: علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المصري (ت: 399 هـ/1009 م) في كتابه "الزيج الكبير الحاكمي". أن فريقي عمل اشتركا في تحقيق هذا الهدف.:
الفريق الأول اتجه إلى منطقة تتواجد بين واسط وتَدْمُر وقاس الفلكيون والمهندسون هنالك مقدار درجة واحدة من خطوط الطول فكانت ¼56من الأميال (الميل العربي يساوي حوالي 2022 متر )،
أما الفريق الآخر فاتجه إلى صحراء سنجار وقاس هذه الدرجة فبلغت 57 ميلاً؛
وقد اخذ المأمون متوسط القياسين فحصل على 2/3 56 من الأميال تقريبًا.
ويعتبر هذا القياس قريبا مما توصل إليه العلم المعاصر وهو 56.93 ميلاً. وبتبني هذا القياس فإن محيط الأرض يبلغ 20,400 ميل. {أي حوالي: 41,248كم) .
ويتبين من مقارنة هذه القيمة مع قيمة 40.070 كلم التي قيست بواسطة الأقمار الصناعية في عصرنا الحديث، أن نسبة الخطأ في قياسات فريق المأمون لا تتجاوز حاجز 3 %. وهو إنجاز باهر كيفما قُلِّب.
وتشهد كثرة الأزياج التي ألفها الفلكيون الذين اشتغلوا بهذين المرصدين، على نجاح المشروع المأموني في تحقيق كافة أهدافه.
ولعل خير ما يلخص المرحلة وما بلغته من شأو كتاب "الزيج الصابئ" العالي الدقة بحسب أفق العصر، الذي ألفه أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الرقي الحراني، المعروف بالبتاني (ت: 317هـ/ 929م) (Albategnius أو Albategni) ما بين سنتي:267 هـ/ 880 م – 268 هـ/881م }، ولما يمضي على وفاة المأمون أربعة عقود فقط،
ويعد البتاني أحد الأعلام في علماء الفلك، ليس على الصعيد الإسلامي فحسي، بل وعلى صعيد العالم. فهو الذي بيّن حركة نقطة الذنب للأرض وأصلح قيمة الاعتدالين الربيعي والخريفي، وقيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار. ورصد كسوفات وخسوفات سيعتمدها كل من جاءوا بعده، وسيعتمدها الفلكيون الأوروبيون لاحقاً في تحديد حركة القمر حول الأرض.
ومن مآثره التي لا تبلى إصلاح "زيج بطليموس" الذي لم يكن مضبوطًا بما فيه كفاية. وقد احتوى " الزيج الصابئ" على جداول تتعلق بحركات أجرام اكتشفها بنفسه لأول مرة. وتعدّت آثار هذا الزيج العالم الإسلامي إلى التأثير في علم الفلك وعلم المثلثات الكُرِّي في أوروبا العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة.
وقد ترجم هذا الزيج إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي وطبع في نورمبرج (Nuremburg) عام 944هـ، 1537م. كما ترجم من العربية إلى الأسبانية بأمر من ألفونسو العاشر ملك قشتالة. وقد اعتمد البتاني في هذا الزيج على عمليات الأرصاد التي قام بها بنفسه في كل من مدن: الرقة وأنطاكية وعلى كتاب زيج الممتحن للمروزي.
وقد مثلت فترة حكم المأمون العهدَ الأكثر عطاء في العلوم في التاريخ البشري كله، حتى عدت فترة حكمه التي لم تتجاوز العقدين من عمر الزمن أثمر فترات الإنتاج العلمي الكوني، بحسب ما كان يسمح به أفق العصر ونبضه.
وسيترك عصره بصمة دائمة َعلى كل مناحي الفكر والعلوم التي لم تقتصر على فرع معيّن أو محدد مِنْ العِلْمِ أَو الأدبِ، سواء ما اتصل بها بالمرجعية أو بالمنقول عن تراث باقي الأمم، بل غطت الطيف الكاملِ لمجالِ الفكرِ؛ وساهمت كل القوميات التي انضوت تحت لواء الخلافة في العطاء، حتى شعر كافة مواطني الإمبراطورية أن لحمة الولاء للخلافة تشملهم، إلى درجة أن استهوى الإسلام الكثير من مبرزي ونبغاء بعض الملل والنحل ليسلموا على يده. حال ماشاء الله وسند بن علي اليهوديي الأصول، والعديد من المسيحيين، والصابئة، وغيرهم مما يطول جرد أسمائهم بتفصيل،حتى قال المستشرق أولسنر (Oelsner) واصفاً لهذه الحقبة3:
"نَرى للمرة الأولى، ربما في تأريخِ الخافقين, تَحالف حكومةَ دينيةَ وإستبداديةَ مع الفلسفةِ المعدة والمُشاركة في انتصاراته ".
ويعتبر المأمون الذي سار على نهج والده الخليفة الخامس: هارون (الرشيد) (149 هـ/766 م – 192 هـ/809 م) بن محمد (المهدي) بن أبي جعفر ( المنصور) العباسي، وجده الأعلى أبي جعفر عبد الله بن محمد (المنصور) (95 هـ/714 هـ - 158 هـ/775 م) في تشجيع الترجمة ونقل علوم الأمم إلى اللغة العربية رجل دولة من الطراز العالي، حيث استطاع التغلب على الكثير من المتاعب السياسة والعسكرية التي جابهتها الدولة، دون إغفال الشق العلمي الذي حظي بعناية زائدة من طرفه.
ولو لم يبتلى عصر المأمون بمهترئين سياسيين ومهرجين ثقافيين من شاكلة حزب المعتزلة، المتدثرين بدعوى التعقل والعقلانية، بينما كانوا في الممارسة من أبعد الناس تمثلاً لهذين المبدأين، والذين ولاهم دفة تسيير الحكم، وورطوه في محنة "القول بخلق القرآن"، التي ذهب ضحيتها الكثير من الفقهاء والمحدثين المخالفين لهم في الرأي، حين أقاموا محاكم للرأي أشبه بمحاكم التفتيش السيئة السمعة والذكر، التي ستقيمها الكنيسة الكاثوليكية لاحقاً في أوروبا لتذيق أحرار الفكر الأوروبي من عسفها ووبالها، لعد عصره بحق عصراً ذهبياً بكل المقاييس الدينية والحضارية.
وسيمثل عصر المأمون ، وبالرغم من هذه الثلمة السياسية، التي عكرت صفو حكمه، والتي تعد عظيمة من وجهة نظر الشرع ضمن المنظورية الإسلامية في الحكم، أوج عصر للعلوم عامة والتطبيقية منها خاصة، حيث صار العلماء الفلكيون خاصة والمهندسون التطبيقيون عامة يتبوءون مكانة لم يبلغوها قط في حضارة سابقة، وصارت الدولة تتبنى المشاريع العلمية الكبرى وتمولها وتشجعها، وتطلب من العلماء أن يضطلعوا بمهام إيجاد الحلول لبعض المشاكل العلمية مثل قياس قطر الأرض والتحقق من اتجاه القبلة وتأليف الزيجات والروزنامات لذلك، أو الهندسية مثل مسح أراضي الخراج أو التحكم في مناسيب صبيب الأنهار، أو شق الترع،...الخ، بحيث أن كل من سيأتون بعد هذا العصر سيقصر فكرهم ونظرهم عن تمثل أعصارهم ما تمثلها المأمون وجيله، بل رأيناهم وعلى عكس ما حقق المأمون وجيله يزدادون عقماً وتكلساً كلما تقادم بهم الزمان وإلى يوم الناس هذا.
وهو واقع حال مزري ومشين يتوجب على كل مسلم، فرضاً من فروض العين، العمل على تغييره.
تبني الدولة للبحث العلمي: النموذج العباسي
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
