المجموعة العلمية الأرسطية
لن نهتم هنا سوى بالشق الفلكي والكوني من تعليم أرسطو، مادام غرضنا هو البحث عن نظرة الإغريق للكون حولهم.
لكن، لنُشر فقط إلى أن الطريقة التي وصلت بها كتب أرسطو إلينا، لا تساعد على البث بيقين فيما يمكن أن ننسبه منها إليه مباشرة وما يمكن أن ينسب إلى بعض تلامذته المباشرين أو اللاحقين. فهذا عرف كان سائداً لدى الفيثاغورسيين في أزمنة مختلفة.
والمجموعة العلمية لأرسطو أصدرها تحت ثلاثة عناوين:
الكتب المنطقية {وهي تحتوي على المقولات، والتحليلات، والموضوعات ودحض السفسطائيين}،
الفيزياء {وهي ثمانية كتب تهتم بالمادة والشكل وهي كالتالي: "كتاب الخلق" أو "الكون والفساد"، و"كتاب السماء"، و"علم المناخ"}
التاريخ الطبيعي {وتحتوي على: "علم الحيوان"....}.
والكون عند أرسطو يختلف بعض الشيء عن كون الفثاغورسيين، حيث أن الأرض تحتل المركز، وحولها تتراتب مناطق المياه والهواء والنار، ولكل منها مركزه الخاص. وهي جميعها تقع تحت عالم القمر الذي يتطابق عنده مع عالم الفساد.الكون بحسب أريسطوويمتد وراء عالم الفساد، الأثير الذي لا يفسد، والكرات السماوية. فالكرة الأدنى هي "كرة القمر"، والأخيرة هي كرة النجوم الثوابت، وكلها تدور بشكل دائري حول الأرض، التي هي كروية الشكل لكن جامدة.
لكن، ما يميز عالم أرسطو كعالم المصريين والرافديين قبله هو كونه محدودا وليس وراءه عوالم أخرى. بل ولا حتى فراغ. فالسماء الأخيرة هي آخر ما هناك ولا يوجد وراءها مكان. فالفضاء مغلق ومقفل.
ولا شك أن هذا الشق من تناهي العالم هو الذي سيجعله مقبولاً بشكل خاص من الفلاسفة المحسوبين سواء على المسيحية أو على الإسلام، في مقابل بعض الفلاسفة الإغريق الذين يقولون بلا نهائية الكون.
كيف تبدت للإغريق سعة الكون ؟
أريستارخوس الساموسي (Aristarchus of Samos) (310 ق.م – 230 ق.م) وقياس بعد الشمس والقمر عن الأرض
شغل اريستارخوس منصب رئيس المدرسة المشائية (مدرسة أرسطو) خلال الفترة (297 – 287 ق.م). وقد اهتم بمسائل الإبصار والضوء زيادة على اشتغاله بالفلك.
ومن المعروف عنه أنه رصد اعتدال الصيف في سنتي 281 و280 ق.م. إلا أنه اشتهر قبل كل شيء بالقول بمركزية الشمس وبأن الأرض تدور حول الشمس في فلك دائري وبأن للأرض أيضاً حركة حول ذلتها، تفسر الدوران اليومي الظاهر للنجوم في قبة السماء.
وقد وصلنا عنه كتاب في: الهندسة الفلكية حمل عنوان" حول أبعاد ومسافات الشمس والقمر"، يعد بالغ الأهمية في بابه، لأنه يقول فيه بأن الكون أكبر مما اعتقد القدماء من قبل، نظرأ لكون النجوم البعيدة لا يمكن قياس اختلاف منظرها (Parallax).
لكن، وعلى خلاف الفيثاغورسيين الذين آمنوا بالتناسق الرياضياتي في كل شيء، حتى أنهم سلسلوا الكواكب بحسب السلم الموسيقي من دون تجربة، فهو في كتابه هذا يحدد المسافات بشكل منهجي وعلمي.
فقد قام بتقدير زوايا المثلث المتشكل من مراكز القمر (ق)، والأرض (ض)، والشمس (ش) أثناء لحظة التربيع القمري {كما هو موضح في الشكل المصاحب)، أي عندما تكون الزاوية ش.ق.ض قائمة. وقاس الزاوية ش.ض.ق المحدودة بالمستقيمين آرض-قمر و وأرض-شمس واستخرج من العلاقة بين الزوايا الثلاثة في المثلث القائم، العلاقة بين أطوال أضلاعه الثلاثة، بواسطة حسابات قريبة من حساب المثلثات {الشكل المصاحب}.الكون بحسب أريستارخوسوقاس أريسطارخوس القطر الظاهر لكل من القمر والشمس وقطر المخروط الظلي الساقط من الأرض عند كسوف القمر.
وقد ابتدع طريقة فذة لقياس قطر القمر {الصورة المصاحبة}. فقد قاس المدة الزمنية التي يستغرقها القمر من لحظة دخول حافة قرصه منطقة الطل الأرضي إلى أن يحتجب كلياً. ثم قاسَ المدّةَ التي ظل فيها القمر محجوبا. فوجد أن المدتين متساويتين، فاستنتجَ بأنّ عرضَ ظِلِّ الأرضَ عند المسافةِ التي يعبرها فيها القمرِ يَجِبُ أَنْ تساوي ضعف قطر القمر. أي أن قطر القمر يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حوالي نِصْفِ قطر الأرضِ.
واستنتج أيضاً من خلال ملاحظة أن الشمس والقمر لهما نفس القد الزاوي، وكون الشمس تبعد 19 مرة بعد القمر عن الأرض بأن الشمس يَجِبُ أَنْ تَكُونَ 19 مرةَ أكبرَ مِنْ القمرِ.مثلث أريسطوطارخوسوجاءت نتائجه كالتالي:
قطر القمر يساوي 0.36 قطر أرضي (مقابل 0.27 الحقيقية)،
مسافة القمر من الأرض تساوي 9.5 قطر أرضي (مقابل (30.2 الحقيقية)،
قطر الشمس يساوي 6.75 قطر أرضي (مقابل 108.9 الحقيقية)،
مسافة الشمس عن الأرض تساوي 180 قطر أرضي (مقابل 11726 الحقيقية).ظاهرة الكسوفويعود فشل أريستارخوس من جهة الدقة التقديرية إلى ثلاثة أخطاء قاتلة ارتكبها أثناء الرصد:
قدر أريستارخوس الزاوية ش.ض.ق الصعبة القياس ب 87 درجة، بدل 89 درجة و51 دقيقة الحقيقية،
سوء تقدير العلاقة بين مخروط الظل وقطر القمر عند الكسوف ب 2 بدل 2.6،
تقديره للقطر الظاهر لكل من الشمس والقمر ب 2 أي أربعة أضعاف قيمهما الحقيقية.
وقد أثار هذا الخطأ الأخير استغراب معاصره أرخميدس (287 – 212 ق.م)، خصوصاً وأن أريستارخوس هو من حسب القطر الظاهر للشمس ووجده يساوي جزءاً من 720 جزءاً من الدائرة البروجية، أي 30 ثانية!
وقد أرجعوا هذا الخطأ الأخير إلى كونه من أعماله الفتية، حيث يقول فيه بمركزية الأرض، بدل مركزية الشمس التي سيتبناها في الأخير.
وهي حسابات سيعيد تقديرها الفلكيون المسلمون إبان العصر العباسي.
ولن يضيف الإسكندري "كلوديوس بطليموس" (Claudius Ptolemey) (100 – 170 م) صاحب "المجسطي" شيئاً يُذكر إلى هذه التصورات، اللهم ما كان من محاولته تفسير الظواهر بحسب توصية أفلاطون. لذلك وجدناه
يكثر من أفلاك التدوير2 لتفسير حركة الكواكب ضمن المجموعة الشمسية.
وظاهر من خلال هذا الاستعراض أن العالم الذي عرفه الأقدمون، وحتى زمن الإغريق، لم يكن يتجاوز في سعته المجموعة الشمسية، مع حوالي 1000 نجم مرئي في الخلفية، كل ما يعرف عنها هو أنها بعيدة ولا تتحرك !
![]()
فأين هذا العُويلم القزم من العالم الحقيقي الذي سيجيء وصفه في القرآن الكريم ؟
وهو ما يفضي بنا إلى الحديث عن توسعة الكون المعاصرة، وهو موضوع الحلقة القادمة.
1 أي أنها وإلى زمن يامليخوس كانت قد عمّرت 8 قرون بالتمام !
2 أنظر هذا الرابط باللغة الإنجليزية لأخذ فكرة عن أفلاك التدوير بواسطة فيلم.
http://honolulu.hawaii.edu/distance/sci122/Programs/p8/p8.html#Ptolemaic%20System
المجموعة العلمية الأرسطية
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode

أريستارخوس الساموسي (Aristarchus of Samos) (310 ق.م – 230 ق.م) وقياس بعد الشمس والقمر عن الأرض 


ولن يضيف الإسكندري "كلوديوس بطليموس" (Claudius Ptolemey) (100 – 170 م) صاحب "المجسطي" شيئاً يُذكر إلى هذه التصورات، اللهم ما كان من محاولته تفسير الظواهر بحسب توصية أفلاطون. لذلك وجدناه