القرويين
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟

في البداية كان الاقتصاد.

أول ما بدئ به من غزو البلد، هو إضعافها اقتصادياً بإغراقها بالسلع التي تزيح الوطنيين من شغلهم ومكسبهم اليومي، وهذا بدوره يؤدي إلى إضعاف الجباية، ثم تبدأ القلاقل الاجتماعية، التي تردف معها القلاقل السياسية إلى أن يصبح البلد كله في مهب الريح تضرب بعض فئاته بعضها البعض ويتكالبون في الحصول على رضا المستعمر بدل النظر في أمس أمورهم التي هي جماع كيانهم ووجدانهم كأمة.

هذه الوصفة لم تغب على النخبة المغربية مع نهاية القرن التاسع عشر وإطلالة القرن العشرين، إلا أنهم ما كان باستطاعتهم أن يقدروا نتائجها ولا تبعاتها التي كانت لا زالت في طي الغيب!.

يقول الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري مشخصاً لهذا الداء الذي ألم بالمغاربة1:

واعلم أن أحوال هذا الجيل الذي نحن فيه، قد باينت أحوال الجيل الذي قبله غاية التباين وانعكست عوائد الناس فيه غاية الانعكاس، وانقلبت أطوار أهل التجارة وغيرها من الحرف في جميع متصرفاتهم لا في سككهم ولا في أسعارهم ولا في سائر نفقاتهم، بحيث ضاقت وجوه الأسباب على الناس، وصعبت عليهم سبل جلب الرزق والمعاش، حتى لو نظرنا في حال الجيل الذي قبلنا وحال جيلنا الذي نحن فيه وقايسنا بينهما لوجدناهما كالمتضادين.
والسبب الأعظم في ذلك ملابسة الفرنج وغيرهم من أهل الاربا للناس وكثرة مخالطتهم لهم وانتشارهم في الآفاق الإسلامية، فغلبت أحوالهم عوائدهم على عوائد الجيل وجذبته إليها جذبة قوية..

قلت:

هذا كان في أواخر القرن التاسع عشر وعلى أعتاب القرن العشرين، ولم تتبدل المعادلة ولا تغيرت حدودها ونحن في آواخر القرن العشرين وعلى أعتاب القرن الحادي والعشرين!، بل ازدادت تعقيداً وازداد الناس هجنة وقلة حيلة! من فرط عملية غسل الأدمغة التي يتعرضون لها صباح ~ مساء، ومن فرط سلبهم لشروط الحرية، بسلبهم لوسائل الإنتاج، التي احتكرتها الشركات مُتَعَدِّية الجنسيات. بل سُلبوا وسائل التّفَكُّر ذاتها، بحيث أصبحت الدعاية الإعلامية والتمدرس المشرحي المخبري الفرنكنشطايني يصوغ الناس كيف يشاء!.

الداعية يجب أن يكون له وعي بهذا كله من خلال:

  • الوقوف على وسائل وآليات الهندسة الاجتماعية،
  • التحكم المالي والاقتصادي وأساليب انتشاره وتسويغه،
  • الدعاية الإعلامية ومحوها للذاكرة،
  • التحكم السياسي وأساليبه في التهجين والإقصاء،..
  • العمل على قيام الحكم بالإسلام حسب سنن التدافع الحضاري.

الهامش:

1 الناصري، كتاب " الاستقصا" ( 9: 207)، دار الكتاب، الدار البيضاء، المغرب.