المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية: تحقيق معانى الفطرة
(10) الشطط في التأويل
عندما يكون الاعتقاد سابقاً على النص وليس تابعاًً له
أ) في تصحيحات المتأخرين ما بعد البخاري: ابن حبان نموذجاً
قال أبو حاتم: ابن حبان في صحيحه (1: 337/129) في تفسير خبر أبي هريرة:
قوله صلى الله وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة" أراد به على "الفطرة التي فطره الله عليها" جل وعلا يوم أخرجهم من صلب آدم لقوله جل وعلا:
(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلقالله)
يقول جل جلاله:
لا تبديل لتلك الخلقة التي خلقهم لها إما لجنة!!!! وإما لنار!!!!، حيث أخرجهم من صلب آدم فقال: هؤلاء للجنة!!!!، وهؤلاء للنار!!!!
ألا ترى أن غلام الخضر قال (: طبعه الله يوم طبعه كافراً، وهو بين أبوين مؤمنين فأعلم الله ذلك عبده الخضر ولم يعلم ذلك كليمه موسى عليه السلام على ما ذكرنا في غير ما موضع من كتبنا.
قلت: ويتبين لك من خلال هذا التأويل المبني على الخبرين الذين ذكرها ابن حبان، واللذين سنتعرف على حالهما ومضمونهما بتفصيل بعد قليل، أن لابن حبان مفهوماً مخالفاً تماماً لمفهوم "الفطرة التكوينية": "فطرة الله"، كما تجلت لابن عبد البر وللقرطبي في زمانهما من خلال إعمالهما لعقلهما السليم فقط، أو كما تجلت لنا نحن بدورنا في عصرنا بمفتاح العلوم المعاصرة، وتعرفنا عليها من باب تحقيق دعوى قرآنية إعجازية أخرى في قوله تعالى في سورة "النمل"، الآية 93:
(وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها)
وها قد عرفنا.
والفرق بين قناعتنا نحن في هذه المسألة في عصرنا، وقناعة ابن عبد البر والقرطبي، رحمهما الله، هو أننا قد أتانا من العلم ما لم يأتهما، وبالتالي فمعرفتنا أوسع، وأصلب، وأعمق، وأكثر يقينية من معرفتهما لسببين وجيهين.
فلئن كان الحق واحداً، وأصبناه كما أصاباه، إلا أن هناك اختلافاً في الدرجة اليقينية لهذه المعرفة، عمل لصالحنا بحكم التأخر الزمني وإفادتنا من التكشف الإعجازي من خلال القراءتين: القرآن المتلو والكون المفتوح.
اختلافنا مع ابن حبان، ومع من نهج نهجة اختلاف في النوع وفي الدرجة في آن،أي: أنه من شاكلة البرازخ المفهومية التي لا تلتئم جنباتها أو ضفافها بحال!.
ولا شك أن تأويل ابن حبان لنص أبي هريرة، غير مباشر، مادام يستنجد لفهمه (مع أنه متبادر!)، بأحاديث أخر، ربما تكون أقل درجة وثوقية منه!.
وهذا منهج هش في تخصيص عموم النصوص، أشبه بالدور، وتربيع الدوائر، وتحصيل الحواصل منه إلى التحقيق العلمي الصلب.
والإشكال في هذا التأويل هو أنه مصادم لبعض النصوص القرآنية المحكمة في المسألة، لأنه يقول، ب "القضاء الجبري" الطابع، حيث لا مشيئة ولا خيار للناس في مآلاتهم، ماداموا قد أجبروا خِلقة وجِبلة، وطبع على مصائرهم برمجياً، ومنذ البداية، في بنية مجينهم بأن لا يكونوا سوى على هذه القسمة الضيزى ومنذ الأزل!.
ويتبادر بداهة إلى الذهن السؤال الحرج التالي:
لم دعوة الناس إذن، وإرسال الرسل إليهم تباعاً، وفيما يجدي كل هذا، والجبلة قاهرة!؟
ثم هل يبقى من معنى للتكليف، وللحساب وللعقاب، وللجنة وللنار، بدون هذا الاختيار أصلاً!؟
ولا شك أن مثل هذا التأويل، يفرغ النصوص القرآنية من الدلالة والمعنى، ويجعل خطاب الله للبشر على خلاف ما فطرهم عليه من فهم لمعاني: الظلم، والعدل، والحكمة،....إلخ.
وعندي أن الذي أوقع ابن حبان ونظراءه في مثل هذا التأويل، هو اعتمادهم على فحوى ومنطوق الخبرين اللذين ذكر طرفيهما هنا وهما: "هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار"!، و"طبع الله على قلب ابن العبدين المؤمنين الصالحين" المذكورين في قصة "الخضر".
والمعرفة المعاصرة، تدلنا على أن أمراً كهذا، لو كان متحققاً في الواقع الوجودي للبشر، لحملته مُوَرِّثاث الأفراد في مجينهم، كما تحمل بصمتهم ولا خيار لهم في تغييره أو تبديله!
ومناشدة النصوص القرآنية للبشر في: أن يهتدوا أو في أن يقلعوا عن غيهم، أو ضلالتهم، بينما هم مطبوعين جبلة وخلقة على أن لا يكونوا سوى على ما هم عليه، يصبح نوعاً من العبث، أشبه بمن ينادي قرداً، أو إنساناً أن يتحول إلى أسد، وهو غير مقدور له خِلقة!
قلت: ويزيد من فداحة مثل هذا التأويل، كونه صادراً من حافظ، المفروض فيه، أنه يعرف القيمة الحجاجية للنصوص التي يستدل لها!
بل الأعجب! هو أن يقع ابن حبان في شرك مصطلحه بالذات، متناسياً أنه مصطلح هش!
فلابن حبان، وكما هو معروف، مصطلح خاص به في توثيق الرجال مفاده:
أن كل من حدث عن ثقة وحدث عنه ثقة فهو ثقة عنده!
أي أنه يوثق المجاهيل الذين لم ينقب معاصروهم في أحوالهم! وبالتالي يعرض سلسلة النقل إلى الوهن من كثرة احتمال الوضع.
ولا يفل الحديد سوى الحديد
وكي نحسم في هذا الأمر، وعلى عادتنا في معالجة مثل هذه المعاوص النصية، فلن نعالج هنا سوى خبر "هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار"، للتدليل من طريق مباشر على نمط الأخبار التي يصححها ابن حبان ويدخلها في صحيحه، مرجئين معالجة خبر "طبع الله على قلب ابن العبدين المؤمنين الصالحين" المذكور في قصة "الخضر" إلى معالجة شمولية مستقبلية لكل الأخبار المتعلقة ب "القدر"، مادام موضوع القدر متشعب ومتخم بالنصوص الإشكالية على ما نبهناك عليه من لجوء الكثير من الفرقاء الإسلاميين التاريخيين إلى القراءة المبتورة التجزيئية للنصوص التي تخذم أغراضهم قبل أن تلتزم بضوابط النصوص.
وقد خرَّجنا في اللوح 8 أ المقابل الخبر الباطل المنسوب بهتاناً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه والذي ورد فيه: أن الله عز وجل قسم الخلق منذ البداية شطرين، بعضهم صيرهم إلى الجنة جبراً وقهراً وبعضهم الآخر إلى النار جبراً وطبعاً!.اللوح رقم 8أ (اضغط فوق الكتابة لتكبير الصورة)ولا ينقضي عجبي من بعض المحدثين ما بعد البخاري رحمه الله، وهم يستشهدون بأخبار ظاهرة الغثاثة والضعف، كهذا الذي بين أيدينا، والذي مداره على نعيم بن ربيعة، وهو رجل نكرة لم يشتهر بالتحديث أصلاً، كما يمكن أن يلمس لقارئ بيسر من خلال تتبعه لطرق هذا الخبر كما عرضناها هنا في اللوح 8 أ مصحوبة بأقوال أصحاب الجرح والتعديل!.
وواضح جلي أن هذا الخبر ضعيف المخرج ولا تتوفر فيه أدنى شروط الصحة المعيارية المطلوبة، كي يصلح أن يبث في أمور اعتقادية وغيبية كهذه التي نحن بصددها.
يتبين من اللوح (8 أ) أمران:
- الأمر الأول: أن كل طرق هذا الخبر ضعيفة.
- الأمر الثاني: أن طريق الإمام مالك التي أخرجها في كتاب "الموطاً" (المرقمة في اللوح بالرحرف: " و")، ضعيفة بالانقطاع لإسقاط الإمام مالك للراوي: "نعيم بن ربيعة" بين مسلم بن يسار وعمر بن الخطاب.
وقد تفرعت عن هذه الطريق باقي الستة عشر طريقاً الباقية ( المرقمة من 1 إلى 16) مع إهمالنا لبعضها الآخر.
وليلاحظ القارئ أن كل هذه الطرق إلى مالك، وعلى كثرتها، لا تضيف شيئاً إلى القيمة المعيارية لهذا الخبر، اللهم من جهة "التوثيق" (الأرشيف) وليس "الوثوقية".
وللقارئ أن يتساءل:
كيف أمكن لمثل هذه الخبر البين الضعف، أن يتخذ طريقه لِواذاً إلى كتب بعض مصححي "الخردة" المتأخرين حال ما وجدنا هنا عند: ابن حبان في صحيحه! والحاكم النيسابوي في مستدركه على الصحيحين، بينما تحاشاه الشيخان في صحيحيهما؟
لا شك أن عند جهينة، التي هي أنت الآن أيها السائل الحيران، الخبر اليقين!
(10) الشطط في التأويل
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
