خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية

(8) تحقيق معنى الفطرة: علم الدراية

كيف تحققت شروط الاستخلاف الأرضي في الإنسان ؟

إن الإنسان وحده من بين كل الثدييات من يستطيع أن يتواجد ويعيش في أي مكان على وجه الأرض في البر وفي البحر لقدراته التكيفية والإبداعية الهائلة، مقارنة مع سائر المخلوقات الأخرى. وهو شرط ضروري من شروط الاستخلاف.

وقد وهب عقلاً خلاقاً مبدعاً بحيث هو وحده من في استطاعته فهم نفسه، وتشريحها، بل له القدرة على تغيير خلقته، والعبث بمجينه، على ما جاء في سورة النساء على لسان إبليس:

إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا . إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا . يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا

 بل له القدرة على اختراق الفضاء البعيد، على ما فصلت سورة الرحمن:

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ . فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

ولا يخفى أن الخليقة الحية، ومن بينها الإنسان، وإن كانت لها برامجها المميزة الطابعة، التي لا تحيد ولا تزيغ قط عما برمجت له، حتى أنها زودت بنيوياً، بالقدرة الفائقة على تصحيح وتصليح شفرة برامجها ذاتياً وتلقائياً، وكلما دعت الضرورة، لتظل دوماً ضمن شروط تحقيق وظائفها الأصلية التي خلقت من أجلها، إلا أنها جميعها قابلة، من جوانب أخرى للتأثر، بل وحتى للعطب الخَلْقي، أو الطفر التشوهي بسبب من بعض العوامل الخارجية مثل: الإشعاع النووي، أو التحكم في بعض وظائفها، حال ما تقوم به بعض الطفيليات التي تعيش على حساب عائليها وتتحكم في مصائرهم، أو أن تخضع طُرّاً للإتلاف وللهدم التام، وذلك بتفكيكها إلى مكوناتها الجزيئية الأولى بواسطة الفيروسات، من أجل بناء ذواتهم على حسابها، بحسب معارفنا الحالية.

وهذه القابلية للعطب أو التغير الطارئ في البرامج الخلقية الأصلية للأفراد، المفضية بهم إلى التغيير في مظاهر خِلقتهم، أو التأثير على سلوكهم الفطري الأصلي متحققة فعلاً، وبنص القرآن نفسه، كما جاء على لسان إبليس في سورة "النساء"، الآية 119:

(ولآمرنهم فليغيرن خلق الله)

ولا شك، أن هذا المنطوق يحمل نذير شؤم لكل البشرية، علمت بذلك أو جهلت، لاحتوائه ضمناً على محذورين خطيرين لها:

أولاً: يفهم من ظاهر هذه الصيغة، أن هذا المنظوق الإبليسي مجرد "أمر"، يمكن أن يطاع أو أن يعصى، خصوصاً إذا ما علم مصدره.

لكن، ثمة إشكال خفي!

ذلك، أن هذا الظاهر، هو في الحقيقة على غير ظاهره في نفس الأمر، لأن الشخص"الآمر"، وهو عدو لذود للجنس البشري، فتنة لهم، يظل دوماً غير مرئي لهم، ولا يأتيهم عادة على صورة يمكنهم من خلالها أن يتعرفوا عليه، كي يحذروه، حال كل الأعداء الطبيعيين في الخليقة الحية، مباشرة أو يتمثل لهم عياناً، وهو يلقي أوامره، بل يظل قابعاً في ظل عالم غيبه الموازي، ليصدر أوامره: وحياً، أو بثاً، أو نفثاً خفيا، دون وعي من الضحايا المستهدفين بحضوره، أو شعور بوجوده، مادام يقع خارج مسابر مجساتهم وأدواتهم الاستشعارية التي زودوا بها خِلْقَة، على ما هو معهود في كل مخلوقات الطبيعة!.

والأدهى والأمر هو أن أوامره تلك، تظهر للضحية المستهدفة، وكأنها نابعة من داخل ذاتيتها هي، بله متماهية فيها وكأنها من صلب بنات أفكارها، بينما الواقع هو على خلاف ذلك!.

ولولا أن نبهنا القرآن على هذا العالم الموازي وكيفية اشتغاله، والذي يحوي أكبر وألذ أعدائنا على الإطلاق: إبليس وقبيله، لما شعرنا بوجوده، فبالحري تقدير أو تصور خطره الآني أو المستقبلي على معايشنا أو مصائرنا المستقبلية كلها!.

لكن، وبالرغم من علمنا بوجود، فكثيراً ما يضللنا هو وقلبيه، ونقع مرغمين في أحابيل مصايده فما بالك بباقي البشر، ممن هم في غفلة عن كل هذا السر الكوني في الخلق!؟

فالإنسان إذن، وبهذه الخاصية التكوينية البنيوية فيه، يمكن أن يعمل في أحايين كثيرة، بشكل غير مستقر (Métastable) يتأرجح بين حالتين ذهنيتين، إما:

الاشتغال كمحطة بث مستقلة: لها برامجها الذاتية الخاصة بها التي تميزها كشخصية وكهوية، أو:

الاشتغال كمجرد محطة استقبال سلبية ثانوية (مستعبَدة وتابعة) تستقبل بث كل المذيعين المشوشرين الكونيين من: شياطين الجن والإنس، لتعيد بثه على موجاتها الذاتية دون أن يدري المشرف الرئيس عليها!.

وثانياً: من حيث الفعل الخطير المترتب على هذا "الأمر"، وهو التغيير لخلق الله!

فهناك إذن، وعلى ضوء معارفنا العلمية الحالية المتكشفة لنا، والتي لم يتح لجيل "التنزيل" الوقوف على أسرارها في زمانهم، ثلاثة أصعدة لإمكان تغيير "فطرة الله التكوينية" في الإنسان:

تغيير مادي على الصعيد البرمجي الجزيئي للمجين نفسه: وهذا عمل يمس بالبنية الوراثية المجينية الخلوية للإنسان. وهو ما ظلت تقوم به بعض الطفيليات، والميكروبات، والفيروسات (الصورة إلى اليسار) منذ أن أخرج الإنسان من الجنة وأهبط إلى الأرض.

وهو تغيير يفضي عادة إلى إعطاب بعض الوظائف البشرية، وحصول تشويهات خلقية، أو سلوكية، وذلك بالتأثير على الخلية الحية الحاملة لمجين الإنسان: هويته وبصمته الأولى. وهو ما وقفنا عليه من خلال علم الأحياء، وصار في إمكان الإنسان، وعلى ضوئه، نهج نهجين:

  • - إما الاحتراز من مثل هذه الآفات بالوقاية أو العلاج المناسب،
  • - أو مضاهاة إبليس نفسه في شيطنته، باستغلال نتائج هذه الاكتشافات العلمية، من أجل التحكم في مصير الإنسان نفسه وتغيير سلوكه وأنماط تفكيره!.

ولا شك، أن هذا الأثر مدمر على صعيد البنية الهيكلية لمن يتعرضون له، كما في التشوهات الخلقية المجينية الطارئة الناتجة عن:

التوحد الصبغي (Monosomy, monosomie): وهو ناتج عن نقص أحد الصبغيات (Chromosomes) في خلية ما، ليصبح عدد الصبغيات بها 45 بدل 46 الطبيعية في البشر، بسبب عدم انفصال صبغي مماثل أثناء الانقسام التَّفتُّلي، أو تلكؤه في اللحاق برفاقه أثناء طور الصعود.

وينتج عن هذا الخلل التكويني، حالات تشوهية في خلقة الإنسان، تعرف ب : "التلازمات المرضية" (Syndromes). الملاحظ طبياً، هو أنه في حال ما إذا كان الصبغي الناقص أحد الصبغيات الجنسية (X أو Y)، فإن المتلازمة المرضية الناتجة تتوافق مع الحياة، بينما ينذر أن يتلاءم نقص أحد الصبغيات الجسمية مع الحياة الجنينية.

متلازمة داون
متلازمة داون
التثلث الصبغي (Trisomy, trisomie): وهو يحدث في الصبغيات الوراثية المرقمة: 13، و18، و21، بسبب كسب الخلية لأحد الصبغيات ليصبح عدد الصبغيات بها 47، بدل 46 الطبيعية في البشر. ويحصل هذا التشوه بسبب عدم افتراق الصبغي المماثل أثناء الانقسام التفتلي، أو تلكؤ أحد الصبغيات من اللحاق برفاقه في طور الصعود. وهو عطب خَلْقي يترافق عادة مع تخلف عقلي شديد، مصحوباً بإعاقة جسدية وعقلية لا تتلاءم مع الحياة الطبيعية، سوى في حالة تثلث الصبغي 21، المعروف ب "متلازمة داون" (Down syndrome) (الصورة إلى اليسار). وكل هذه الأعطاب الخلقية الناتجة عن التثلث 21، أو 18 (الصورة في الوسط)، أو13 (الصورة إلى اليمين)، تظهر نقصاً عقلياً شديداً في الأشخاص المصابين بها، بحيث لا يحيون سوى حياة حيوانية، (حياة الأنعام) ويرفع عنهم بالتالي التكليف الشرعي بداهة.
متلازمة كلاين وداون
متلازمة كلاين وداون

وقد يحدث تَزَيُّق (Mosacicism) عندما يؤدي شذوذ الانقسام المُنَصِّف في وقت باكر من انقسام البيضة الملقحة، أو أثناء انقسام الخلايا الجسمية في بدء التطور الجنيني، إلى حدوث مجموعتين أو أكثر من المجموعات الخلوية في شخص واحد، تتمتع كل واحدة منها بصفات الصيغة الحاملة لها، كما في التزيق الجنسي في الصبغي X المفضي إلى خليط من (45,X) المعروف ب "متلازمة ترنر" (Turner syndrome) ومن الصيغة (47, XXX).

وقد لوحظ أن التزيق في الخلايا الجسدية لا يتلاءم مع الحياة إلا في بعض حالات متلازمة "داون" ذات الصيغة المركبة: (46 ,XY/47, XY, + 21 ).

وهناك أمراض أخرى تحصل بحدوث إزفاءات (Translocation) بين صبغيات مختلفة، كما في "لمفوميا بوركيت" (Lymphome de Burkitt)، التي تتسبب فيها إزفاءات ما بين القطعة القصية من الصبغيين 8 و14 (في 75 % من الحالات) وبين الصبغيين 8 و22 (في 16 % من الحالات) وبين صبغيات مختلفة في 9 % من الحالات.

وهذا الورم الخبيث شائع الظهور لدى الأطفال الأفارقة ما بين سني 3 – 8 سنوات بالخصوص، وإن كان يصيب البيض أيضاً. وتظهر عوارضه على شكل كتلة ورمية مشوهة للفك السفلي والعلوي كما تظهر الصور.

لاحظ أن كل هذا الآفات الخطيرة، إنما طرأت على الخِلْقة السليمة للخلية البشرية، وحصلت بسبب أعاطب طارئة على صعيد الصبغيات البشرية، التي تنقل الخواص الوراثية للإنسان.

وستساعدنا كثيراً هذه الملاحظة في مقاربة فك لغز معنى: "تغيير خلق الله".