خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

 المبحث الخامس: في تسليط الضوء على المتون الخبرية المنكرة

تحقيق معاني الفطرة (1)

من أهم المطاعن والمآخذ التي ظل يؤاخذ بها "المعتزلة" المحدثين: كونهم، إنما يوجهون جل اهتمامهم نحو التحقق من سلامة "الحوامل" (السند) ولا يعيرون بعد ذلك أيّ اهتمام يذكر ل "الحمولة" أو لفحوى "الرسالة" (المتون) الخبرية ذاتها!.

وهو مطعن، يجد بعض مبرراته في القطيعة المعرفية (الإبيستيمولوجية) التي كانت سائدة ما بين "المعتزلة" و"الأصوليين" عامة من جهة، وهم المحسوبون على التيار العقلاني في الإسلام، والمحدثين من جهة ثانية، وهم المحسوبون على "الإخبارية"،.

ويمكن إرجاع الأسباب الرئيسية لهذه القطيعة إلى قصور ذاتي تولد بحكم الممارسة والتخصص لدى الطرفين، لم يعمل أحد قط من الجانبين على تقليص شقة الخلاف فيه، لاختلاف الذهنيتين والمنهجين والمقاربتين في معالجة الخبر كخبر. إذ فلا المحدثين كانوا متفرغين أو منفتحين على الأمور العقلية الصرفة ليصولوا ويجولوا فيها على غرار المعتزلة، بسبب ما كان يتطلبه الحقل من حفظ ومن تخصيص الذاكرة لهذا الجانب الملح يومها، ولا المعتزلة أو الأصوليين بدورهم كان في مقدورهم أن يدلوا بدلوهم في ميدان هم أقل الناس إحاطة بنوادره وشوارده!

ولا شك أن مطعنا كهذا، لو ظل متحققاً في نفس الأمر وصار من ثوابت الحقل، لكان قاصمة له، ولنسف المنهجية الحديثية نسفاً وأتى عليها من القواعد بدون جدال.

ومع تفرغ المستشرقين الغربيين، مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لدراسة التراث الإسلامي، وكون خلفية أكثرهم خلفية لاهوتية، وقفت على التحريف الذي شاب كل نصوص العهد القديم والعهد الجديد، حاول بعضهم إعمال ذات المناهج التي نجحت في تفكيك التراثية اليهودية والمسيحية على نصوص الإسلام، آملين في الحصول على ذات النتائج الباهرة!.

إنياك غولدتسيهر
إنياك غولدتسيهر
وهكذا نبش من نبش، ليكتشف المقولة القديمة للمعتزلة، لينفض عليها الغبار وليصدح بها عالياً فوق الأسطح، دون أن يحققها، حال ما فعل المستشرق اليهودي المجري أيغناتس غولدتسيهر (1850 – 1921)، الذي سيطبع حقل الاستشراق الغربي بمثل هذا التخرص، دون تحقيق مناطه!، لأزيد من قرن (أنظر: جوابنا على الشيخ حمزة المليباري على هذا الموقع، بهذا الخصوص).

قلت: ولو كان هذا الانتقاد متحققاً في المنهجية الحديثية (وهي منهجية متطورة وليست جامدة، على ما تبين لك لحد الساعة، وسوف تتيقن منه أكثر فيما هو آت)، لظهر وكأن المحدثين لا يتجاوزون في عملهم هذا، ما يقوم به تقنيو البريد ومهندسو الإعلام، الذين يتحققون من السلامة الميكانيكية للأسلاك أو الموصلات الناقلة لـ "الرسائل"، غافلين عما يمكن أن تحدثه هذه الموصلات نفسها من شوشرة ذاتية على مضمون الرسائل، إذا ارتفع مستوى الضوضاء فيها أثناء النقل، فوق حد الإشارات المعلوماتية ذاتها.

فكيف يستقيم إذن مثل هذا النقد المتهافت، الذي لا يتحرى في تحقيق مقدماته بالأولى، فبالحري أن يصدق في توقعاته أو نتائجه!، خصوصاً وقد قدمنا لك من الأمثلة ما ينقضه ؟

وجرياً على قواعد المنهج، فسنقوم هنا أيضاً، بتشغيل المنهج مجدداً، لتقف بنفسك على مكمن اللبس في الموضوع كله، ولتتيقن بأن القصور، إن وجد، فهو قصور ذاتاني، نابع من قصور بعض المنتسبين زوراً إلى الحقل الحديثي، وليس إلى المنهج نفسه!، مادام فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه بحال!

وبعد هذه الفذلكة الضرورية، فلنشرع على بركة الله في تحقيق متون بعض الأخبار التي علّمنا عليها من قبل.