المبحث الخامس: التحليل المتعدد التخصصات للمتون الخبرية (تحقيق معنى الفطرة) (5) السنة وإمكان تغيير الفطرة وقد وردت بعض آثار في معنى إمكان "تغيير الفطرة" بـ "التبيئة"، و"التنشئة" و"التكَيُّف"، سنستعرضها جميعها للوقوف على حالها، وتحليل ما يترتب عليها من عقائد أو سلوكوكيات. وأول ما نصادف، كتدليل مباشرعلى إمكان التغيير للفطرة بواسطة مؤثرات بيئية خارجية، خبر لأبي هريرة يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جاء فيه: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء.
 اللوح رقم 6 (اضغط هنا لتكبير اللوح) قلت: وقد جعل أبو هريرة خبره هذا، (أنظر المتن في اللوح 6 المقابل) بمثابة تبيان وتفسير للآية:
(فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم)
ومنطوق الخبر (بهذا السياق)، وربط أبي هريرة له بـ "الفطرة التكوينية" الواردة في النص القرآني، صريح في أثر التنشئة المجتمعية في صياغة معتقدات الإفراد. وهذا الخبر، (بهذا السياق)، ثابت ومستفيض إلى أبي هريرة، كما خرجناه في اللوح رقم 6. وتبلغ درجة وثوقيته المعيار إلى الرسول من طريق أبي هريرة وغيره من الصحابة حاجز 68.75 %. قلت: وقد ورد خبر مرسل عن الصحابي الأسود بن سريع في هذا المعنى جاء فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية فلما جاءوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين! قال: أوهل خياركم إلا أولاد المشركين!. والذي نفس محمد بيده: ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها
 الوح رقم 7 (اضغط هنا لتكبير الصورة) قلت: وهذا الخبر مستفيض إلى الحسن بن أبي الحسن البصري (ت: 110 هـ)، تفرد به عن الأسود بن سريع، دون مشاركة له فيه من أحد من التابعين!. والخبر مخرج باتفصيل في اللوح رقم 7 المقابل.
وهذا الخبر منقطع، لأن الحسن البصري لم يدرك الأسود، ويعد من أفراد الحسن البصري. قلت: وبما أن الحسن البصري مشهور بالإرسال والتدليس، فلا عبرة بخبره هنا. وناهيك بها من صلابة في المنهج، أن نعتبر خبراً مستفيضاً إلى هذه الدرجة بين البصريين، كما يشهد به اللوح 7 ومع ذلك نلقي به عرض الحائط للاحتمال في عدم تحديث الأسود به!. قارن أخي السائل هذه الصرامة المنهجية في التعامل مع حملة الأخبار في التراثية الإسلامية، مع كل المناهج المتبعة في دراسة العهدين: "القديم" و"الجديد" في التراثية اليهودية والمسيحية، حيث لا يوقف لكتاب بعينه على مؤلفه (بالمفرد) أو مؤلفيه (بالجمع)، لتدرك أن تخرصات أمثال جولدتسيهر، في واد والحقل الحديثي في واد آخر!. فهذه القدرة الفائقة في: - التحليل الزمكاني: اللذي يمكننا من تتبع تنقل الخبر عبر الزمان والمكان من منشأ الخبر إلى منتهاه، كما يمكنك التيقن من ذلك بيسر من خلال ما عرضنا عليك من خرائط التحليل التزامني، ثم
- معرفتنا الدقيقة للحالة التي كان يتم بها النقل عبر الموصلين: الحملة، من خلال إحاطتنا بكل ما قد يعتريهم من عوارض أو كوابح في النقل الأمين، لا نظير لهما عندهما!
قلت: وبعد إزاحتنا لخبر أبي الحسن من الاعتبار، فلا يبقى لنا بعد هذه الغربلة المنهجية من متمسك صلب في هذا المعنى ل "الفطرة" القابلة للتغيير اجتماعياً سوى خبر أبي هريرة السابق، الذي تبلغ درجة وثوقيته حاجز 68.75 %، كما قدمنا. وهي درجة تفي بغرضنا في عزو الخبر إلى الرسول، مادام هذا الخبر ليس له تعلق بالإسرائيليات، الذي هو أهم محذور في مرويات أبي هريرة، بحسب القاعدة الصلبة الجديدة في الجرح والتعديل ومنطوقها (أنظر على هذا الموقع: "قواعد جديدة صلبة في الجرح والتعديل": لا يحتج بمرويات أبي هريرة التي لها تعلق بالإسرائيليات إلا أن يتابعه صحابي آخر.
والظاهر أن هذا المعنى المتبادر لـ "الفطرة" لم يكن واضحاً لدى كل من نقلوا هذا الخبر عن أبي هريرة. ذلك، أن هذا الخبر حمل معاني أخرى لمفهوم "الفطرة" في بعض طرقه، بسبب الرواية بالمعنى، مما أدخل بعض التشويش على المعنى الأصلي!. وهو ما يجب أن نحققه بدوره. قال مسلم في صحيحه في كتاب: "القدر" (4805 بترقيم العالمية): حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ {بن شداد النسائي، أبو خيثمة البغدادي (ت: 234 هـ)، وهو ثقة ثبت}، حَدَّثَنَا (1) جَرِيرٌ { بن عبد الحميد الضبي الثقفي الكوفي (ت: 188 هـ)، وهو ثقة}، عَنِ الأعْمَشِ {سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي (ت: 147 هـ)، وهو ثقة حافظ ومدلس}، عَنْ أَبِي صَالِحٍ {ذكوان السمان (أو الزيات) المدني (ت: 101 هـ)، وهو ثقة ثبت}، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ {عبد الرحمن بن صخر (ت: 57 هـ)، الصحابي}، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِه. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.
وأضاف مسلم: حَدَّثَنَا ]أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ {عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي (ت: 235 هـ)، وهو ثقة حافظ}، وَأَبُو كُرَيْبٍ: محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي (ت: 248 هـ)، وهو ثقة حافظ}[، قَالا: حَدَّثَنَا (a) أَبُو مُعَاوِيَةَ {محمد بن خازم التميمي السعدي: الضرير الكوفي (ت: 195 هـ)، وهو أحفظ الناس لحديث الأعمش}، { (ح): تحويل الإسناد}، و حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ {محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي (ت: 234 هـ)، وهو ثقة حافظ}، حَدَّثَنَا أَبِي {(5) عبد الله بْنُ نُمَيْرٍ الهمداني الخارفي الكوفي (ت: 199 هـ)، وهو ثقة}، كِلاهُمَا {يعني: أبو معاوية وعبد الله بن نمير}، عَنِ الأعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ: - أ) فِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: {مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ}، - ب) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ: إِلا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُه}،ُ - ت) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة:َ {لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ}. انتهى.
(أنظر هذه الطرق في اللوح 6 التي يرويها عن الأعمش كل من: (1) جرير بن عبد الحميد، و(5) عبد الله بن نُمَيْر، و(a) أبو معاوية محمد بن خازم، و(b) عبد العزيز بن ربيعة، و(c) وكيع بن الجراح، و(d) شعبة بن الحجاج، (e) ومحمد بن عُبيد الأحدب الطنافسي): قلت: لا حظ عدم ضبط اللفظة الأصلية التي نطق بها الأعمش نفسه من خلال النصين: (أ)، و(ب)، بل وحتى عن أبي معاوية الراوي عن الأعمش!، من خلال النصين: (ب) و (ت)!. وقد جمعهم أحمد في رواية فقال: 7132 حدثنا أبو معاوية، ووكيع، ومحمد بن عبيد، وابن نمير، قالوا: حدثنا الأعمش عن، أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ليس مولود يولد إلا على هذه الملة وقال وكيع مرة: على الملة حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق {العبدي الحمصي (ت: 250 هـ)، وهو ثقة}، قال: سمعت أبي { علي بن الحسن بن شقيق العبدي المروزي (ت: 215 هـ)، وهو ثقة حافظ}، عن أبي حمزة {محمد بن ميمون السكري المروزي (167 هـ)، وهو ثقة}، عن الأعمش عن، أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يولد مولود إلا على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه فذكر نحوه.
وقال أحمد أيصاً: 7133 حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبِينَ عَنْهُ لِسَانُهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُشَرِّكَانِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيْفَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
لكن، فبالرغم من كل هذا الاختلافات الطفيفة في الأداء اللفظي، فكل الرواة عن الأعمش اتفقوا على المطابقة ما بين "الفطرة" و"الملة"، أي: "الإسلام" نفسه. وهو ما يعني بأن مدار هذا الفهم، وهذه المطابقة ثابتان من رواية الأعمش. لكن في المقابل، وجدنا سهيلاً بن أبي صالح، وهو الشاهد على رواية الأعمش، عن والده أبي صالح، يكتفي برواية الشق المأثورالأول المحفوظ فقط، أي: ما من (أو كل) مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء.
الذي رواه عن أبي هريرة كل من: - سعيد بن المسيب المدني (ت: 93 هـ)،
- أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف المدني (ت: 94 هـ)،
- عبد الرحمن بن هرمز: الأعرج المدني (ت: 117 هـ)،
- عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (الطبقة الثالثة) ،
- عطاء بن يزيد الليثي المدني (ت: 107 هـ)،
- همام بن منبه اليماني (ت: 132 هـ)،
- طاوس بن كيسان اليماني (ت: 106 هـ )،
فكيف تأتى إذن لـ "الأعمش" أن يشذ في روايته هذه، ليُحدِّث بهذا المعنى الجديد، غير المتبادر من سياق الآية مباشرة سوى ببعض تأويل، ولا من سياق خبر أبي هريرة، الذي أشار فيه الأخير إلى تعلقه بالآية القرآنية كتفسير لها، مخالفا: - أولاًً: لشاهده المباشر، وهو سهيل با أبي صالح، الأعرف ولا شك برواية والده، ثم
- ثانياً: لباقي الشهود الآخرين الراوين للخبرعن أبي هريرة!؟
قلت: الظاهر، هو أن الأعمش، وهو يروي الخبر بالمعنى وليس باللفظ، أسقط تأويله المسبق على ما يتصوره هو أو يقر به في نفسه أنه: "الفطرة"، على متن الخبر وحمله ما لايحمل سياقه الأصلي مباشرة، بحسب رواية باقي الثقاة! والأعمش ليس وحده من أخذ بهذا التأويل على ما سنتبين.
التعليقات () |
|
|
|
|
|