2) في التحليل المتشعب التخصصات  أول ما يمكن ملاحظته في هؤلاء النقاد كافة: معدلين، ومجرحين، هو: كونهم غير معاصرين، لـ "مصعب بن شيبة"، لأنهم لم يولدوا بعد يوم كان مصعب يحدث بمكة!. أضف إلى هذه الإشكالية، أننا لا نعرف عن الحالة المدنية لمصعب نفسه، سوى كونه من "الطبقة الخامسة"، أي: من صغار التابعين، الذين رأوا الواحد أو الإثنين من الصحابة!. والسؤال الوجيه الذي يجب أن يجد جواباً مقنعاً وشافياً هو: كيف توصل كل هؤلاء النقاد إذن إلى الحكم على مصعب، بمثل هذه الأقوال المتضاربة، وهم لم يعاصروه؟ قلت: بأحد طريقين: - أولاً: إما من خلال ما سمعوه وتلقفوه من شيوخهم نقلاً عن شيوخ الشيوخ المعاصرين له .
- ثانياً: أو بالسبر الموضوعي الجزئي أو الاستقصائي لكل مروياته طراً، من باب: لا يفل الحديد سوى الحديد، ثم مقارنتها مع روايات الثقات، ثم إصدار حكم عليه من خلالها.
ومادام الناقدان الأقدم وفاة، وهما: يحيى بن معين، والعجلي، لم يصرح أيٌّ منهما بسلسلة سنده إلى ناقد معاصر لمصعب، كي نتيقن من صحة مثل هذا الحكم، ونخضعه بدوره لبطارية النقد المتعددة التخصصات، من خلال سنده، فيتبين أن اللجوء إلى الطريق الأول ممتنع في حقنا. فلا يبقى مفتوحاً إذاً، سوى سبر مرويات مصعب مجدداً وإخضاعها لبطاريات رائزياتنا المتعددة. وهو منهج كان أول من ابتدعه يحيى بن معين، وتابعه عليه كل من جاءوا بعده: أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، والنسائي، والدارقطني، وابن عدي، والعقيلي،....إلخ.، في كتبهم. أ) المقاربة المنهجية لفك لغز تضارب أقوال النقاد
نلاحط بادئ ذي بدء، بأن هذا الحكم الذي نقل عن ابن معين في توثيق مصعب، لم يروه عنه سوى أبي يعقوب، إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج المروزي، نزيل نيسابور (ت: 251 هـ). وهذا الأخير قال فيه الإمام مسلم، وهو بلديه، بأنه: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث. لكن، ومع ذلك، يظل شيء ما يحوك في الصدر، من مثل هذا الحكم!. ذلك، أنه لم يشارك الكوسج، وهو مروزي وارد على بغداد، أحد من أصحاب ابن معين البغداديين الذين اشتهروا بملازمته في السفر والحضر من أمثال: - أبي العباس، أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز البغدادي صاحب كتاب: "سؤلات إسحاق بن منصور الكوسج لابن معين". وقد لازم ابن معين قبل سنة 225 هـ إلى وفاة الأخير سنة 233 هـ، أو:
- أبي الفضل، العباس بن محمد بن حاتم الدوري البغدادي (185 هـ - 271 هـ)، صاحب كتاب: "التاريخ" الذي جمع فيه أقوال ابن معين، ولا غيرهما من الرواة الراوين لأقوال ابن معين في الجرح والتعديل.
- أضف إلى هذا، أن الحافظ الناقد: أبا حاتم، محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي (195 هـ - 277 هـ)، بالرغم من اطلاعه، على توثيق ابن معين لمصعب من خلال رواية الكوسج، كما نقل عنه ابنه: عبد الرحمن في ترجمة مصعب في كتاب: "الجرح والتعديل" (8: 305/ 1409)، حيث قال ابن أبي حاتم:
ذكره أبى عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال: مصعب بن شيبة: ثقة. إلا أنه عندما سأل أباه عن تقييمه هو لمصعب أجابه: لا يحمدونه وليس بقوي!.
-فرواية الكوسج قديمة إذن، وليست من فعل النساخ المتأخرين، سهواً أو تلفيقاً، كما يحصل في الكثير من الأحيان في هذا الحقل. -كما أن النقاد الأكثرين، ما بعد ان معين، (عدا ابن حبان بمصطلحه الذاتاني الخاص، والغير موضوعي، والذي لا يتابع عليه) مجمعون على تليينه، مخالفين لحكم ابن معين، إن صح! عنه، القول بتوثيق مصعب!. إذن، فمادام الخلاف في مصعب قديم، ولا مستند لأحد من النقاد بقول حصيف وفصل لمعاصر للرجل، فلا مندوحة لنا من اللجوء إلى منهج الاستقراء لمروياته من جديد، متأسين بما فعله كل هؤلاء الحفاظ قبلنا. والذي لا شك ولا مراء فيه، هو أن حكم المحدث المهندس المعاصر، الملم بالحقل وبمناهجه، سيتمكن فعلاً من إصدار الحكم الشافي الكافي الأكثر موضوعية ومقاربة للواقع، لتخصصه في الحقل ولمعرفته : - أولاً: بكل أحكام المتقدمين فيه،
- وثانياً: وقوفه على كل بطاريات ومناهج النقد القديمة والحديثة، وتوفره على الإمكانيات التحليلية الحاسوبية المعاصرة، بما لم يكن ليخطر قط على بال أحد من الفطاحيل المتقدمين!.
التعليقات () |
|
|
|
|
|