انزل الله لليهود المن والسلوى رزق ياتيهم كل يوم ولكن بسبب طمعهم كانوا يخزنونه فيفسد فالمقصود بالحديث عمل بني : يوسف
لولا بنو إسرائيل لـم يخنز اللحم ، ولولا حـواء لم تخن أنثى زوجها الـدهر روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال : " لولا بنو إسرائيل لـم يخنز اللحم ، ولولا حـواء لم تخن أنثى زوجها الـدهر " الإخناز هو التغيير والفساد . و يفسر هذا الحديث بعض الناس بأن اللحم كان قبل بني إسرائيل لا يخنز ولا يفسد ، وإن ترك أزماناً، أي إن طبيعة اللحم كانت غير قابلة للفساد . ثم إن الله عاقب بني إسرائيل بذنوبهم وبطرهم حين ما كان ينزل عليهم المن والسلوى ، فتغيرت طبيعة اللحم وصارت إلى الفساد والإخناز إذا ما ترك اللحم وصـارت إلى الفسـاد والإخناز إذا ما ترك اللحم . قالوا : والله يعاقب على المعاصي كثيراً بالعقوبات الدنيوية ، والمصائب في الأموال والطعام والشراب . وكذا قالوا : إنه لولا حواء وعصيانها وأكلها من الشجرة المحرمة لما عصيت -13-امرأة ، ولما غررت بزوجها . والمراد بالخيانة هنا أنها سولت لآدم أن يأكل من الشجرة لا أنها خانت في عرضها . كلا . والمعنى على هذا أن الله عاقب النساء بعصيان أمهن حواء فجرين على آثارها ، وعصين كما عصت عقوبة وجزاء .وهذا القول بعيد من الشرع بعيد من الصواب ، لا يجوز حمل الحديث عليه ، و لا يجوز الذهاب إليه . فإن هذا مثل أن يقـال : إن النار كانت في زمن بني إسرائيل لا تحرق ، وإن الماء لا يروي ، والطعام لا يشبع . ومن يقبل هذا ؟! إذاً ما معنى هذا الحديث ، وما تأويله ؟فأقول : القول الحق ، والرأي الصواب فيه ، هو ما بعث به إلينا حضرة عالم السنة، ومحي مذهب السلف في دمشق الشام ، الرقيق العلامة محمد بهجة البيطار. وقد سألناه عن الحديث كتابة ، فأرسل إلينا الجواب كتابة .قال حفظه الله " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم . الظاهر المتبادر الذي أفهمه منه أن البركة في الإنفاق ، وأن المحق في الإمساك ، و أن بني إسرائيل كان يأتيهم رزقهم من السلوى كل يوم فيأكلونه لحماً طرياً و يوسعون منه على غيرهم . فلما شحوا به وادخروه ، عوقبوا بفساده وخبثه ونتنه ، ولعلهم كانوا أول من سن هذه السنة السيئة في الناس ، أو اشتهروا بها أكثر من غيرهم ، وكانوا قدوة سيئة لمن جاء بعدهم بحكم الوراثة والتقليد ." فالكلام على ما يظهر لي هو في عمل بني إسرائيل في اللحم ، ولا في طبيعة اللحم من حيث هو لحم ، وأنه لولا هم لما ادخر، ولو لم يدخر لم يفسد والله أعلم . " وأما خيانة حواء لزوجها فيما بدأت به و زينت له من الأكل من الشجرة المنهي عنها . فالخيانة اسم جنس شامل لجميع أنواعها، وتزيين حواء لآدم الأكل من هذه الشجرة الضارة هو نوع منها . ثم توسعت بنات حواء في الخيانة وارتكبن منها كل قبيح كما هي عادة البشـر و طبيعة المجتمع في التفنن بكل نافع وضار على تراخي الزمن ، وتجدد الشئون ، واشتداد البواعث ، وتولد المصالح و المفاسد ، وتنوع البشر إلى غوى ورشيد ، وانقسامهم -14-إلى شقي وسعيد ، وابتلائهم بسوء التربية وفساد العشرة والتقليد." وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد "انتهى جواب الأستاذ بيطار.وهذا وربك هو الجواب الذي تقبله عقول الشباب المتعلم ولا يأباه السواد الأعظم المتعمم ، وهو الجواب الذي يمشي مع الثقافتين الصفراء والبيضاء .وبيان كلام الأسـتاذ حفظه الله أنه قد يكون إدخار اللحـم الذي يترتب عليه فساده وإخنازه مجهولاً للأمم قبل بني إسرائيل، لم يعتادوه ولم يعرفوه، كما قد تكون طرق كثيرة لإدخار اللحم وحفظه مجهولة لآن لأمم عظيمة، وإن كانت معروفة لأمم أخرى. والأمم الآخذة بآفاق الحضارة اليوم تعرف طرقاً لإدخار اللحوم على إختلافها، وإدخار سائر الأطعمة لا تعرفها الأمم البدوية أو الناشئة في الحضارة، فكانت الأمم قبل بني إسرائيل لا تعرف أن اللحوم تخزن و تدخر، فما كانت تفعله، فما كان الفساد ولا الإخناز يتناوله. فلما جاءت بنو إسرائيل ورغس الله لهم النعم والآلاء رغسا، وصب عليهم خيراته وبركاته، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهي أنواع من لحوم الطير الفاخرة، تأتيهم صباح مساء، لم يكن شكرهم لهذه النعم التي فضلهم بها على العالمين إلا الكفران، والإمساك، والشح، الذي لا داعي له إلا اللحازة وسوء الجبلة، بخلو وخافوا إنقطاع ما هم فيه من نعيم، ففكروا في الإدخار، فهذاهم شحهم وهلعهم إلى أن خزنوا المأكولات وخزنوا المن والسلوى فأصيب بالفساد والإخناز شأن اللحوم. ولا تنس أن القوم كانوا جاهلين ولا بد طرق الإدخار التي يبقى معها اللحم سليما من الفساد، لأن الناس لم يتسعـوا إذ ذاك في فنون الإمساك وفنون المأكولات سنة النشوء والإرتقاء .هذا مـا كان من بني إسرائيل. فجاءت الأمم بهدهم ، وأخذت مأخذهم فيما إبتدعوا و شرعوا من إمساك وإدخار، فادخر الناس اللحوم فأخنزت كما هي اليوم ، وهذا يشبه قوله عليه السلام " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على إبن آدم الأول كفل من ذلك لأنه أول من سن القتل " وهذا الحديث شبيه بأن نقول : لولا الفرنج لما طار العراقيون والحجازيون والمصريون بالطيارات ، ولما تخاطبوا وبينهم المسافات التي تهلك فيها الأشواط والأصوات . -15-ولا تلازم في هذا بين الأول والثاني إلا إختراع الأول ما تمكن به الثاني أن يفعل . وهو تلازم عادي لا عقلي ، وكذلك لا تلازم بين بني إسرائيل وإخناز اللحم إلا إختراعهم ما به تمكن اللحم من أن يخنز وهو إدخاره . هذا معنى كلام الأستاذ حفظه الله في الشطر الأول من الحديث وهو " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم " .أما الشطر الآخر من الحديث ، وهو " لولا حواء لم تخن أنثى زوجها " فبيان قوله فيه حفظه الله أن طبيعة النساء واحدة ، واستعدادهن واحد في الخلقة والقابلية ، لا فرق بين حواء وغيرها من اللائي جئن بعدها. وقد خلقت حواء وهي أم النساء قابلة للخيانة والخطأ، فخلقت بناتها مثلها في ذلك الاستعداد والقبول، وفي تلك الخلقة والصبغة ، لا تفاوت بين أفراد النساء في ذلك . ولو أن حواء خلقت غير قابلة لذلك لما و قع منها شيء مما ذكرنا لأنها غير قابلة له كما خلقت الملائكة غير قابلة للعصيان و لكانت بناتها غير قابلات ولا مستعدات لشيء منه، فلم يقع منهن شيء، لأن الطبيعة واحدة. وعلى هذا قيل " ولولا حواء مـا خانت امرأة زوجها " أي لو خلقت غير قابلة للخيانة لكانت بناتها مثلها غير قابلات للخيانة ، وإذا لم تكن حواء ولا بناتها قابلة للخيانة لم تقع منهن وهذا بين .والحديث يشرح نظرية من نظريات علم النفس هي إن الاستعداد الفطري في النوع الإنساني واحد في الجديد والقديم . فاستعداد الإنسان الفطري في القرون المظلمة الوسطى مثل استعداده في القرن العشرين . واستعداد الشرقيين المغلوبين على أمرهم المستعمرين من جميع نواحي الاستعمار مثل استعداد الألمانيين والفرنسيين والإنجليز. وإنما يكون التفاوت والاختلاف بالمحيطات والبيئات الحاكمة عـلى الإنسان ويكـون أيضاً باستعمال الاستعداد وهجرانه . ولو أننا أخذنا طفل أعلم فيلسوف انجليزي ووضعناه في أحضان أمة غريقة في الجهالة والتأخر لجاء ذلك الطفل مثلهم جاهلاً متأخراً . ولو أخذنا طفلاً من هذه الأمة الجاهلة ووضعناه في بيت ذلك الفيلسوف الإنجليزي لجاء متعلماً مهذباً ، وربما فاق فلاسفة الإنجليز أنفسهم .هذا هو بيان كلام الأستاذ ، وهذا هو معنى الحديث وشرحه